متعاطون سابقون: الدولة تدير التعاطي والاتجار خارج السجون وداخلها

في هذا الملف نعرض لتجارب كثيرة من متعاطين سابقين دفعوا الى المخدرات وعالمها المظلم من باب الحشرية وتجربة الحشيشة بدافع شخصي او بطلب من الرفاق او بدافع الهروب من الواقع والبطالة والفقر او بدافع التسلية والمرح والترفيه عن النفس. وتخلص الشهادات الى ان الثمن الذي يدفعه المتعاطي المدمن من جراء سلوكه هذا الطريق مهما كانت الاسباب فيصبح سجين سابق وبلا عمل او مروج يلهث لتأمين الكمية التي يحتجها الى التعاطي. وتشير بعض الشهادات الى وقوف الدولة واجهزتها وراء التعاطي والترويج داخل السجون وخارجها. كما نعرض في هذا الملف لتجارب وشهادات من الضاحية والمخيمات اذ لا تختلف حالات المجتمع اللبناني والفلسطيني كثيراً الجلاد واحد والضحية شباب واطفال من الجنسين.

محمد حايك شاب وسيم طويل القامة يحمل وشوماً مختلفة على ساعديه، يبلغ من العمر 29 عاماً، وهو من أحدى البلدات الجنوبية لكنه يسكن في الضاحية الجنوبية منذ ولادته، باحث عن فرصة عمل منذ شهرين ولا يحلم بأكثر من توصيل طلبات أكل من مطعم ما.
يروي حايك ما حصل معه: كنت في الثامنة من عمري عندما أطلق النار على والدتي بوجودي فأصبت بالخرس أو ما يطلق عليه صفة بكم اختياري، صرت إنساناً آخر لا أحكي ولا أتواصل مع أحد.
يتابع: درست في مدرسة برج البراجنة الثالثة، وكنت في الثالثة عشرة من عمري عندما قدم لي رفيقي سيجارة لأدخنها، رفضت في بادئ الأمر، وصرت أستخدم لغة الجسد للتعبير عن رفضي، لكنه أصر وأحسست بأن علي أن أجاريه وأجرب التدخين، ولم أعلم بما تحوي هذه السيجارة، دخنتها، وبعدها بقليل صرت أضحك وأتحدث مع الجميع. انطلق لساني وحلت عقدة الصمت عندي. صرت أجمع ما أحصل عليه من مال وأعطيه لرفيقي كي يؤمن لي سجائر الحشيشة التي كانت تدفعني للحديث والضحك.
من السيكارة إلى الحبوب.

اقرأ أيضاً: المدمنون ضحايا التقصير في تطبيق قانون المخدرات

ويضيف: بعد هذه السجائر تعرفت إلى حبوب ومسكنات أخرى وصولاً إلى الكوكايين والهيرويين. وأدمنت على المادة الأخيرة 11 عاماً، إلى أن تم نقلي إلى مستشفى الرسول الأعظم بسبب جرعة زائدة. بقيت ثمانية أيام غائباً عن الوعي، وبعد ذلك طلبت العلاج فحولت إلى المستشفى في جويا وبعدها إلى كيفون للتأهيل.
لقد أمضيت 9 أشهر في العلاج والتأهيل عانيت فيها كل أنواع الوجع والألم، لكني كنت أخذت قراراً بالتوقف عن تعاطي المخدرات مهما كانت الأسباب التي قد تدفعني للعودة.
التجربة في السجون
وعن تجربته في السجون، يوضح حايك: لقد سجنت ثلاث مرات، كان أطولها عندما أمضيت فيها عاماً ونصف. ومنذ سنتين كانت آخر تجربة لي في السجن، ويزيد: عند توقيفي أول مرّة حصلت مشكلة مع بعض أفراد إحدى العشائر التي تتعاطى تجارة المخدرات واستطعت الصمود بوجههم ما أمّن لي موقعاً في السجن.
وعن علاقته بتجارة المخدرات داخل السجن، يقول: كان يصلنا كل أنواع المخدرات إلى داخل السجن، وكان بعض العسكريين يؤمن البضاعة وأؤمن الترويج والتوزيع وذلك بناء على مبادرة منهم. وأذكر أن الإعلامية غادة عيد أعدت حلقة طالت فيها أحد الضباط المتورطين في تجارة المخدرات داخل السجون. وأعتقد أن المخدرات تصل إلى داخل السجون عبر خطوط عسكرية. الفساد موجود في كل مكان.
وعن المستقبل، يوضح حايك: أهم شيء أن لا أفقد الأمل وأن أحصل على عمل ما يؤمن لي العيش بكرامة. أعرف أني أواجه مشكلة بالسجل العدلي الذي يحمل الأحكام القضائية بسبب التعاطي والترويج للمخدرات. لكني أرجو أن لا يقف ذلك عائقاً في وجه حصولي على فرص عمل تكون مدخلاً لإعادة لم شمل عائلتي الصغيرة. وما زال محمد حايك يتابع علاجه النفسي عند اختصاصيين نفسانيين يهتمان به كثيراً، كما يقول.

من متعاط الى مروج!
ولا تختلف تجربة محمد عن تجربة حسام الشاب الذي يبلغ التاسعة والعشرين من عمره، وسيم ورياضي، يتصرف بهدوء وروية، يروي قصته فيقول: كنت في السابعة عشرة من عمري عندما شاركت في أحد المخيمات الشبابية في البقاع، وفي أحد الأيام كنت أسهر مع أحد الأصدقاء الذي تعرفت عليه هناك وهو من قرية جنوبية بادرني قائلاً: لا ينقص هذه السهرة إلا سيجارة. ناولته علبة الدخان، ضحك وأضاف: سيجارة من نوع آخر.
كنت أسمع بحشيشة الكيف وأتمنى تجربتها ولو مرة. اتفقت معه على التجربة بعد المخيم. وعندما عدت إلى صيدا زارني وأحضر معه كمية من حشيشة الكيف، أمضينا السهرة ندخن السجائر وانضم إلينا عدد من الأصدقاء. وصرت أنظم سهرات التدخين مع أصدقاء لي في المدينة وصديقي الجنوبي الذي يسكن الضاحية كان يحضر لنا المخدرات ونتقاسم ثمنها.

مجلة شؤون جنوبية 165
بعدها صرت أحضر المخدرات من بيروت وأوزعها على الشباب وننظم السهرات، ندخن ونستمع إلى الموسيقى. مرة ذهبت إلى بلدة الحمودية في البقاع واشتريت أنواعاً مختلفة من المخدرات من التاجر المشهور ع.ز.إ. لكن صديقي الجنوبي اعتقل عند الحاجز القريب من البلدة المذكورة، اعترف بشرائه وأوقف وسجن في حين أن التاجر حيث يبعد نحو 20 دقيقة من الحاجز ما زال طليقاً يقدم الخدمات بكل أنواع المخدرات وعلى “عينك يا تاجر”.
ويضيف حسام: “أهل صديقي ط.ب. سلموا ابنهم إلى مكتب مكافحة المخدرات تحت هاجس علاجه وإبعاده عن التعاطي، وهو بدوره اعترف أني أزوده بالمخدرات. تم اعتقالي وكنت في الثانية والعشرين من عمري، اعترفت بالتعاطي وإني أعطي أصدقائي كميات بدون مال إذا كانوا لا يملكونه. لم أكذب بشيء وأخبرتهم في التحقيق أني لست تاجراً أو موزعاً بل أحب تعاطي المخدرات مع أصدقائي. سجنت نحو أربعة أعوام. وانتقلت بين أكثر من سجن. وفي كل سجن يوجد خط مفتوح لإدخال المخدرات عبر عسكريين. لكني اتخذت قراراً بعدم التعاطي مجدداً واتجهت إلى ممارسة الرياضة، مع أنه أتيحت لي أكثر من فرصة خلال وجودي في السجن أن أعمل موزعاً داخلياً وبحماية من عسكريين لكني رفضت ذلك”.

اقرأ أيضاً: تحت أنظار الدولة: 400 الف دونم في البقاع تزرع بالحشيشة وتباع بحماية سياسية وحزبية

وأضاف: في المعلومات العامة التي اكتسبتها، أن طريقاً مفتوحاً كان من عام 2003 بين لبنان وإسرائيل يستخدمه المهربون، إذ كان يصل إلى لبنان كميات من الحبوب المسماة Pentagram ويرسل التجار إليهم حبوب تسمى Playboy كمقايضة كما أن حبوب L.S.D تصلنا من الهند ونيبال وهي تؤمن مفعولاً لمدة ثلاثة أيام وتؤخذ في مهرجانات وحفلات موسيقية مستمرة.
وعن التجربة في السجن، أكد حسام أن تمييزاً سلبياً يمارس ضد متعاطي الهيرويين وتجاره لأنه منتوج رخيص ولا سبيل للخلاص منه والذي يتعاطاه يعني أن لا مستقبل أمامه سوى الموت بجرعة زائدة.
وعن الحملات التي تجري ضد موزعين ومتعاطين أشار إلى نقطة مهمة تقوم على محاولة تجارِ مادةٍ ما مخدِّرة، الإطاحة بآخرين ولا يعني ذلك وجود خطة فعلية للوقوف بوجه الإدمان أو تجارة المخدرات.

(هذه المادة نشرت في مجلة “شؤون جنوبية” العدد 165 خريف 2017)

 

آخر تحديث: 28 أكتوبر، 2017 12:13 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>