أحداث الضاحية الجنوبية: مأزق الفصل بين الأمن والسياسة

مقتطف: ليست المرة الأولى التي تصادر فيها المعضلة الأمنية في الضاحية الجنوبية واجهة الحدث اللبناني، ويبدو أن هذه المرحلة مرشحة لأن تتمحور حول معالجات أمنية تشكل هذه المنطقة مجالها.

ما خلا بعض المقاربات النقدية النادرة، تتراوح ردود الفعل والتعليقات حيال ما حصل في الضاحية الجنوبية على السنة المعلقين والسياسيين ومواقع التواصل الاجتماعي، بين من لا يجد من تبرير لماحصل الا القول أن من قاموا بالاعتراض لا يتجاوزون المائة شخص، وهم ليسوا سوى حفنة من تجار المخدرات والخارجين على القانون، وبين من يعتبر ان هناك من يريد أن يحول المناسبة الى فرصة لتصفية حسابات، أو تشريح ارصدة على مسافة اشهر من الانتخابات النيابية، وبين من يشجع وينصح الثنائي الشيعي بالسير قدما في تسهيل إجراءات قمع المخالفات وإزالتها.

واذا ما تجاوزنا ذلك نحوالبحث عن الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية لما حصل، يظهر ان تلك المقاربات تبسط الحدث وترى إليه من زاوية محض أمنية، على رغم ما في هذه المقاربات من عناصرحقيقية وصحيحة.

اقرأ أيضاً: قراءة في مشهد حي السلم: صرخة الأبناء ضد تخلّي الأب

على أن بروز هذه المعضلة بصفتها اولوية داهمة يتعذر تجاوزها أو تأجيلها، لا يعني أنها وحيدة في بابها لبنانيا، فلكل منطقة معضلتها الامنية، وفي كل منطقة يسود وضع واقعي يستمد خصائصه، تجانسا او تنافرا، من خصوصيات الطابع الطائفي الغالب على هذه المنطقة او تلك، لكن كل الخصوصيات تذوب حين ننظر إلى الصيغ الأمنية المستترة او الساخنة في المناطق اللبنانية المختلفة، وفق مقياس يظهر الجوهر الواحد لطبيعتها الواحدة، مما يجعل باستطاعتنا القول ان الامن الاهلي هو الواقع شبه السائد في كل مكان من لبنان، على تفاوت بين منطقة وأخرى، وأن ما يسمى الأمن الشرعي يبقى محكوما أينما كان بواقع ان مشروع الدولة هو أضعف المشاريع.

من دون هذه النظرة العامة الى واقع الأمن الاهلي الطاغي على الصعيد اللبناني العام يصعب التوقف أمام الوضع الأمني في الضاحية الجنوبية، لاستكشاف الأسباب الخاصة والإضافية التي تجعله عصيا على التفسير والمعالجة وفق نهج يقوم على الفصل المبسط والمموه بين الأمن والسياسة.

ان العسر الشديد الذي يجتازه مخاض ترتيب الوضع الأمني في الضاحية الجنوبية يعود أساسا الى كون معضلة التجاوزات تتعلق هنا وتخضع الى قوانين ذات طبيعة خاصة، لا يمكن الإفلات من أحكامها بسهولة، فالضاحية الجنوبية ليست أكثر الأماكن التي تستوعب أكبر تجمع شيعي يداني نصف الوجود الشيعي في لبنان فحسب، بل هي تستمد أهميتها – اضافة الى حجمها – من كونها مركز الثنائي الشيعي ومربعاته الأمنية وعاصمة دولة حزب الله داخل الدولة اللبنانية، و هي تشمل جزءا أساسيا من دورته الاقتصادية وإعلامه، مرورا بشبكة مؤسسات التضامن الاجتماعي، ومركز نشاطات “ثقافة المقاومة” وشعاراتها الكبرى وشعائرها، هو الأمر الذي أفضى إلى نشوء “مجتمع مقاومة” في البيئة الشيعية محدد المعالم.

ما تقدم يجعل من الضاحية مركز الثقل الأساسي البشري والسياسي لحزب الله، كل ذلك مرفقا بواقع ان مساحة واسعة من فقراء الشيعة الساكنين على الهامش في الضاحية – كما في مناطق أخرى – لم يدخلوا في منظومةالوظائف والصفقات الكبيرة، هم صنعوا مصادرهم الحياتية والمعيشة على أنقاض وجود الدولة، وبنوا شبكة منافع تستفيد من غيابها، متسلحين بانتماءاتهم العائلية والعشائرية، وبدعم حزبي يحاذر المس بهذه الشبكة، كون اصحابها يشكلون له قاعدة انتخابية في مناطقهم، وجيشا ممتدا من الأنصار والمؤيدين يستخدم عندما تدعو الحاجة على سائر الصعد .

لكن هذه المساحة الشاسعة من هذه الفئة الشعبية ترى مقتلها في انقطاع مصادر رزقها حين يمس القانون هذه المصادر، في ظل رفع الحزب يده عن تغطية المخالفات، مما يؤول الى تضارب الولاء السياسي مع لقمة العيش، خصوصا حينما يبدو تطبيق القانون بنظرها أقرب إلى تعسف الدولة بحق هذه الفئة الواسعة التي ما زالت تعيش هاجس الاضطهاد والحرمان، والتي ترى ان إزالة مخالفات كبار المرتكبين والمعتدين على الشاطىء والمشاعات والأملاك العامة، لا أحد يقترب منهم، بينما يراد للفقراء وحدهم ان يكونوا تحت سقف القانون، الى حد استقواء الدولة عليهم.

ما حدث لم يرق إلى مستوى الانتفاضة بوجه الدولة والأحزاب المتواجدة في المنطقة، والتي تشكل جزءا من الطبقة الحاكمة، وهو وان لم يتجاوز حالة الاعتراض على الدولة، وعلى خروج الثنائي الشيعي عن سابق عهده بحماية المخالفين، لقاء كسب تأييدهم وشراء سكوتهم، وهي مقايضة سائدة ومفتوحة على كامل الجغرافيا اللبنانية، فإن سيادة حال فلتان المخالفات والتعديات على الأملاك العامة، لا يمكن تفسيره أو معالجته على قاعدة نهج الفصل بين الأمن والسياسة، ذلك أن هذا الفصل لا يمكن أن يحجب صلة بالغة العمق بين واقع السياسة “وواقع الامن”، ومما جعل من هذه الحالة في ظل الانقسام ألاهلي ليس سوى تعبير عن المراوحة المديدة للازمة اللبنانية في ابعادها الداخلية والاقليمية، ففي ظل استمرار صراع المشاريع الطائفية يراوح الوضع اللبناني منذ مدة طويلة، في مسار من التفكك الطوائفي المناطقي، وحال من الفوضى السياسية والامنية والتعديات على الأملاك العامة المنفلتة من كل عقال.

ليس في الأمر هنا سر مغلق، فحين يبلغ التقسيم في البنية اللبنانية هذا المدى من الاستفحال، وحين تتوزع سلطة الدولة الى شرعيتين وسلطتين، وحين يصبح قرار السلم والحرب بيد خارج السلطة الشرعية، وحين تتآكل شرعية السلطة وتصاب بهذا القدر من الاهتراء، وحين نرى وزير الداخلية يشرعن مخالفات البناء، ويجاهر بمخالفة القانون، تحت شعار مساعدة الفقراء، وحين تبلغ الأزمة الاقتصادية والاجتماعية حدها تدفع فيه الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني إلى حد الفقر، يصبح مفهوما ان نهج المعالجات الأمنية، والفصل بين الأمن والسياسة لا يجدي نفعا، في وضع تبدو فيه الصلة بالغة العمق بين واقع السياسة وواقع الأمن.

وغني عن القول ان اي خطة امنية هنا، ليست مجرد قمع للمخالفات بمقدار ما هي خطة تعزيز للأمن الاجتماعي، الذي ينوء تحت وطأة عبث الطبقة الحاكمة بالمصير الوطني وبلقمة عيش المواطنين وتحت وطأة صراع المشاريع الطائفية والمصادرة الفئوية للأمن الاهلي، وتحت وطأة السعي الحثيث الى اقامة دولة حزب الله باسم حركي هو الدولة اللبنانية.

اقرأ أيضاً: حي السلم: مسرحية القداسة وما تحتها

هل ترانا نتحدث عن المخالفات وعن الأمن، وضبطه، أم نتحدث عن صلة ذلك بالسياسة، وندعو أولا وأخيرا الى اعادة الاعتبار الى الحياة السياسية واستعادة الديمقراطية المفقودة، والتي تشكل نقيضا لكل الهيمنات الفئوية؟

كيف يمكن لهذا الوضع ان يستمر تعبيرا عن دخول النظام اللبناني في طور جديد من أطوار أزمته المستمرة، وتعبيرا عن مآزق القوى الطائفية، و”الحلول” الطائفية المستحيلة؟

وكيف يمكن أن تنجح اي خطة أمنية؟

وكيف يمكن اقناع اي مواطن أن الخلاص آت مع المشاريع السياسية الكبرى التي لا صلة لها بالمصالح الوطنية اللبنانية، والتي تنهال يوميا على رأسه، وطالما انه يلمس وبمجرد أن يفتح باب بيته، ان الأمن يتقدم على الرغيف؟

آخر تحديث: 28 أكتوبر، 2017 11:39 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>