تطوّر تاريخي على خطّ الرياض – موسكو.. كواليس زيارة الملك سلمان وتأثيرها إقليميًا

رأى الكاتب في موقع “المونيتور” يري بارمن أنّ الزيارة الرسمية الأولى التي قام بها الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز آل سعود إلى موسكو أحدثت تطوراً تاريخياً في العلاقات الروسية السعودية.

وأوضح أنّ العدد الكبير للوفد المرافق للملك المكوّن من كبار المسؤولين والرؤساء التنفيذيين الذين حملوا برنامج عمل مكثّف مع نظرائهم الروس، هو دلالة هائلة عن جديّة نوايا الطرفين. ويشعر كل من راقب المشهد الدبلوماسي في موسكو الأسبوع المنصرم أن الرياض لا تريد تضييع الوقت في تطوير وتعزيز علاقتها مع موسكو بل تعتزم تأمين شراكة خالية من الصراعات مع الروس من خلال معالجة جميع القضايا العالقة معهم في دفعة واحدة.

اقرأ أيضاً: المرجعيات والميليشيات الشيعية مسؤولة عن تقسيم العراق

ويسود إنطباع بأن زيارة الملك سلمان كانت ضرورية للغاية لتعزيز علاقات السعودية الضعيفة مع روسيا. غير أن هذا الإنطباع يتعارض مع ازدياد التعاون بين البلدين بشكل مطرد منذ تولي الملك سلمان العرش في كانون الثاني 2015. خلال الفترة الماضية زار ولي العهد محمد بن سلمان — الذي يبدو أنه يتولّى أكثر فأكثر الملف الروسي — موسكو واجتمع مع الرئيس فلاديمير بوتين عدة مرات. كما وقام محمد بن سلمان بتوقيع صفقات الطاقة والاستثمار مع موسكو، وتحت رعايته بدأت روسيا والمملكة العربية السعودية بالتفاوض على خفض إنتاج النفط.

وفي الواقع، ليست زيارة الملك السعودي لموسكو شرطَا مسبقًا لبناء التعاون بين الحكومتين في مختلف القطاعات بل بدت مخيّبةً للآمال إلى حد ما بالنسبة للمراقبين لأنها لم تسفر عن اتفاقات لم يكن من الممكن التوقيع عليها بصورة روتينية. كما تتناقض نتائجها بشكل صارخ مع الجهود التي استُثمرت في تهيئة الأُطر الصحيحة لرحلة الملك سلمان. وبدت هذه الزيارة رمزية إلى حد كبير ويقتضي تفسير أهميتها من خلال السياق التاريخي للعلاقات الثنائية وليس من خلال أهميتها السياسية على صعيد العلاقات الحديثة. في نهاية المطاف، تجدر الإشارة إلى أن ولي العهد محمد بن سلمان الذي تعتبره موسكو اليوم صانع السياسة السعودية الأبرز لم يأتِ إلى روسيا بل بقي في الرياض كحاكم بالنيابة في غياب الملك. وبعبارة أخرى، وفي ما يتعلق بالعلاقات مع موسكو تبادل سلمان ومحمد الأدوار ومن هذا المنطلق تكمن أهمية رحلة الملك إلى روسيا في كونها مجاملة دبلوماسية غير أن أهميتها السياسية فمحدودة.

وقد تكون موسكو قد استشعرت هذه التعقيدات فترقبت الزيارة بحذر. وهذا ما يُفسر لماذا كان ديميتري روغوزين نائب رئيس الوزراء الروسي للصناعات الدفاعية هو من استقبل الملك السعودي عند وصوله إلى المطار بدلًا من الرئيس أو رئيس الوزراء، كما هي العادة عند استقبال ضيوف من مستوى الملك سلمان.

على مدى العامين الماضيين، يبدو أن الرياض وموسكو تمكنتا من تقسيم علاقاتهما وفصل القضايا السياسية المُضرّة بالعلاقات الثنائية، مثل الحرب في سوريا، عن التعاون الاقتصادي ذات المنفعة المتبادلة. عندما أصبح سلمان ملكًا في عام 2015، اختار نهجًا أكثر دقة من سلفه للتعامل مع روسيا. ففي عهد الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز بدأت موسكو تُعزز دورها بشكل متواضع في الشرق الأوسط عندما دعمت الرئيس السوري بشار الأسد في الحرب السورية وأحبطت محاولات الإطاحة به. ويُمكن القول بأن هذا التطور هو الذي قضى على الجهود السابقة لتطبيع العلاقات الروسية مع الملك عبدالله، الذي كان قاسياً في انتقاده لموقف روسيا ورفض الدور الذي يبدو أن موسكو كانت تطالب به في الشرق الأوسط. هذا وتعامل الملك عبدالله مع روسيا في الشأن السوري من خلال الإنذارات النهائية والعروض التي على ما يبدو لم يكن بوسع موسكو رفضها. في عام 2013، على سبيل المثال، ذكرت تقارير أن الرياض عرضت صفقات مربحة على موسكو مقابل تخلّي هذه الأخيرة عن دعمها للأسد.

أما الملك سلمان فسهّل عملية إعادة تقييم السياسة السعودية بشأن روسيا وأعطى الأولوية للتعاون الاقتصادي في علاقاته مع موسكو من دون وضع أي مطالب سياسية في المقابل. أما اليوم وبعدما حان الوقت لرفع مستوى علاقاتهما، فتفرض الخلافات السياسية التي كانت قائمة منذ سنوات والمطالب التي لم يتم إعلانها حتى الآن نفسها بشكل حتمي وتطغى على أي رغبة حقيقية في التركيز على الاقتصاد بدلّا من السياسة.

وتُركّز التحفّظات التي أبداها كلا الجانبين بشكل رئيسي على خلافاتهما حول إيران ودورها الإقليمي المُتزايد. وفي سياق المفاوضات الجارية حول سوريا، تُقدّم الرياض مبادرات لموسكو تُثبت استعدادها للترحيب بعودة روسيا إلى الشرق الأوسط مما قد يساعد في إحتواء النفوذ الإيراني المتنامي. وتُشير الجهود الاستثنائیة التي استُثمرت في زیارة الملك السعودي الكرملین إلى محاولات الریاض للتموضع کشریك استراتیجي جدید لروسیا في الشرق الأوسط وحرمان إیران من داعمها الدولي الرئیسي.

ومع ذلك، لا تزال موسكو على استعداد لخوض هذه اللعبة طالما أنه يمكنها الحصول على مكاسب سياسية أيضًا. وفي هذا السياق، تٌعتبر المشاركة السعودية أمراً أساسيًا في ما يتعلق بمحاولات روسيا لتسوية الأزمة السورية. ومع سيطرة روسيا على هذه الأزمة بشكل أساسي، بدأ الائتلاف المناهض للأسد يعتاد على فكرة أن الرئيس السوري قد فاز في الحرب. وتُعتبر الرياض من بين القوى التي قلّصت إلى حد كبير دعمها للحركة المعارضة، مُعترفة بسيطرة روسيا في المجال السوري.

ويبقى أنه يتعين على روسيا معالجة كيفية إضفاء الشرعية على نتائج مفاوضات جنيف لحلّ النزاع السوري. نظرًا للمحاولات السعودية الرامية إلى إحتواء وتعزيز المعارضة السورية تحت مظلة الهيئة العليا للمفاوضات، فإن موسكو تعتمد على مساعدة الرياض في دفع المعارضة للذهاب إلى جنيف والدعوة إلى التسوية السياسية للصراع السوري التي بدأت معالمها تبدو واضحة بالفعل. غير أن الدور السعودي في تيسير حل النزاع السوري يتجاوز بكثير مفاوضات جنيف. فبقاء الأسد في السلطة لا يعني بالضرورة أن نظامه سيحظى باعتراف دولي، مع غياب أي ضمانات تؤكد رغبة المجتمع الدولي ببذل الجهود الرامية إلى إعادة إعمار البلاد.

وتتطلع موسكو من خلال إشراك المملكة العربية السعودية في تطوير أشكال التسوية السورية إلى تقاسم المسؤولية المالية والسياسية لمستقبل سوريا، إذ تتخوف روسيا من أن تكون قد ورثت بلداً متضرراً قد يسبب للكرملين المزيد من المشاكل بدلًا من أن يكون رمزاً لانتصار دبلوماسيته.

آخر تحديث: 12 أكتوبر، 2017 4:26 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>