عاشوراء.. والجدل بين السعوديين الشيعة!

لم تعد مراسم عاشوراء مجرد احتفالية دينية لدى المسلمين الشيعة في العالم، بل تحولت إلى مساحة للنقاش والجدل واختبار الأفكار، بين التيارات والجماعات المختلفة.

في السعودية يحتفل المواطنون الشيعة بموسم عاشوراء، طيلة الأيام العشرة الأوائل من شهر محرم، وسط تحضيرات واسعة. تتضمن عدة نشاطات: محاضرات دينية، مراسم عزاء، معارض فنية، مسرحيات، حملات تبرع بالدم، موائد للطعام.. وسواها من الفعاليات، التي من خلالها لا يعبر أصحابها عن طقس ديني وحسب، وإنما عن رغبة في الظهور!

الشعائر الحسينية، وخصوصا في السنوات التي تلت حرب الخليج الثالثة العام 2003، ظهرت إلى السطح في العراق في حدها الأعلى، عبر مواكب التطبير (ضرب الرأس بالسيف)، أو مواكب الزنجيل (ضرب الظهر بالسلاسل)، كما مسيرات “طويريج”، أو الذهاب إلى زيارة الإمام الحسين في ذكرى “الأربعين” مشيا على الأقدام لمسافات طويلة تستغرق أياما! فضلا عن عادات غرائبية بدائية أتت من جهة باكستان وأفغانستان والهند، مثل الزحف بالجسد على الأرض، أو المشي على الجمر!

هذا الحضور الشعبي في الشعائر الحسينية، يمكن قراءته سيسيولوجيا وإنثروبولوجيا، فهو تعبير عن “الثقافة المقموعة”، والتي بقيت لسنوات طويلة في “الهامش”، رغم كونها تمتلك ما تعتبره الشرعية التاريخية والدينية. وهي بعد سقوط نظام صدام حسين، وجدت نفسها حرة من كل القيود التي كانت تمنعها عن الإفصاح عن ذاتها. ولذا، أتى الإفصاح عفويا، شعبويا، يختلط فيه الديني بالعشائري، وأظهر ثقافة “الهامش” بكل ما فيها من عاهات وأمراض، كانت نتيجة سياسة الإقصاء التي مارسها حزب البعث في العراق طيلة سنوات حكمه. وهي أيضا ردة فعل تجاه تفجيرات “القاعدة” وتاليا “داعش!”.

الشعائر هنا تحضر كتعبير عن حال السياسة والثقافة والعادات الاجتماعية، أكثر مما هي تعبير عن التزام بتعاليم أئمة آل بيت النبي محمد، وما روي عنهم من أحاديث وسرديات تاريخية.

حتى تلك المرويات التي يرددها “الطقوسيون” تجدها مختارة بعناية، بما يوافق رؤيتهم للشعائر الحسينية، لا وفق منهجية علمية بحثية رصينة. لأن كثيرا من هذه السرديات تنقض ممارساتهم، وتقف على الضد منها.

في السعودية، المواطنون الشيعة تأثروا بما وقع في العراق بعد العام 2003. فالحدث سياسيا وثقافيا أثر على المنطقة بأسرها. إلا أن الشعائرية الطاغية التي برزت بين شيعة العراق، كان لها صداها بين شيعة الخليج عامة.

من هنا، بتنا نجد دعوات بين رجال الدين إلى مواكب “التطبير”، أو “الزنجيل”. وشيئا فشيئا بات ينمو خطاب “غرائبي” يعتمد على الماورائيات والمنامات والخرافة، راسما صورة لأئمة آل البيت وفضائلهم، وكأنهم فوق البشر، أو أصحاب قوة خارقة. وهي ذات الصورة التي تجدها لدى الأولياء الكبار عند الصوفية، أو حتى صورة “يسوع” في اللاهوت المسيحي!.

الجدل حول الشعائر الحسينية بين الشيعة السعوديين، يمكن رصده من خلال ما يكتب من مقالات في المواقع الإلكترونية المحلية، أو ما ينشر في “فيسبوك” و”تويتر”، وآلاف رسائل “الواتس آب” المتداولة، فضلا عن محاضرات الخطباء والمثقفين. وهو جدل يعكس حقيقة المجتمع وتطوره، ومقدار ما به من وعي.

إن السعوديين الشيعة ليسوا لونا واحدا، ولا كما يتصور البعض أنهم مجتمع مغلق مصمت، يسير مثل القطيع خلف زعيم ديني محدد. وإنما هو كبقية الأوساط الاجتماعية في السعودية، مجتمع متعدد ثقافيا واجتماعيا، به تيارات دينية وليبرالية متنوعة، ويعيش حراكا حقيقيا، أفضى للعديد من التغيرات.

لو أردنا أن نضع خريطة مختصرة، تكون بمثابة دليل إرشادي، حول الأفكار التي يتم تداولها في عاشوراء، فيمكن الإشارة إلى التالي:

1. تيار رجال الدين التقليديين. وهو يمثل شريحة واسعة، تؤمن بأهمية إحياء ذكرى آل البيت، وإقامة المجالس الحسينية، بعيدا عن السياسة. يكون صلب الحديث حول فضائل الإمام الحسين، وتفاصيل واقعة كربلاء. وهذا التيار لا تجد لديه مبالغة في الطقوس، ولا يتبنى “التطبير” أو ضرب الجسد بالسلاسل. ومن أبرز الأسماء في هذا التيار الشيخ حسين العمران، وقاضي الأوقاف والمواريث بمحكمة القطيف الراحل الشيخ عبد الحميد الخطي.

2. الشعائريون. وهم مزيج من تيارين أساسيين. الأول تيار المدرسة “الشيرازية”، وريث مرجعية الراحل السيد محمد الشيرازي، والذي يتبع غالبية أفراده الآن فقهيا، آية الله السيد صادق الشيرازي. فيما الثاني، هو “التيار الولائي”، ومرجعيته الدينية تتمثل في الراحل الشيخ ميرزا جواد التبريزي، وآية الله الشيخ الوحيد الخراساني. يضاف لهذين التيارين المدرسة “الشيخية” التي تتواجد بشكل أساسي في الأحساء والدمام، وأفرادها يأخذون تعاليمهم الدينية من رجال الدين التابعين لمرجعية الراحل الميرزا حسن الحائري الإحقاقي.

هذه التيارات الثلاثة رغم ما بينها من تباين، إلا أنهم يشكلون منهجا متقاربا في رؤيتهم “المغالية” للشعائر الحسينية. حيث يؤيدون مواكب التطبير، ومواكب “الزنجيل”، وسواها من الممارسات التي تعتبر خارجة عن المألوف في المجتمع السعودي الشيعي.

الإشكالية الحقيقية في هذا التيار أنه يحتكر التشيع لذاته، ويرمي مخالفيه بـ”التسنن”، و”ضعف الولاء لآل البيت”!.

كما أن غلاة هذا التيار، يتبنون ذات الخطاب “الأصولي” و”الشتائمي” الذي ينتهجه ياسر الحبيب والسيد مجتبى الشيرازي!. فتراهم يعتبرون شخصيات مثل السيد محمد حسين فضل الله، والشيخ أحمد الوائلي، والشيخ عبد الهادي الفضلي.. شخصيات “غير ولائية”، ويمطرونها بنقد جارح، والسبب أن هذه الرموز الدينية ترفض التفسير الأصولي المذهبي والخرافي لسيرة الإمام الحسين.

3. التيار “الوسطي”. وهو تيار يسعى لتقديم واقعة كربلاء في صورة حديثة، دون خرافة. إلا أنه كما يصف البعض “يفتقد للشجاعة الكافية”، ولذا لا يدخل في نقاشات نقدية مع من يسمون بالتيار “الولائي”.

إقرأ أيضاً: عاشوراء بين الأمس واليوم: من شعائر حسينية الى تعبئة حزبية

هذا التيار من أبرز رموزه آية الله السيد منير الخباز. وهو شخصية علمية تعمل على تقديم خطاب معتدل، ترجع جذوره إلى أفكار السيد محمد حسين فضل الله، والسيد محمد باقر الصدر. إلا أنه نتيجة للضغوطات الاجتماعية التي يمارسها التيار “الولائي”، نجد الخباز لا ينتقد ممارسات مثل “التطبير”، تلافيا لدخول معركة كلامية مع الأصوليين من جهة، وحرصا منه – كما يقول أتباعه – على وحدة الصف وعدم الفرقة. وربما أيضا، احتراما ومجاملة منه لأستاذيه الميرزا التبريزي والوحيد الخراساني.

4. التيار “الإصلاحي”. وهو تيار يرفض الصورة الماورائية التي يروجها التيار الشيرازي للشعائر الحسينية، ويعمل على نقدها بشكل صريح ومباشر دون مجاملة. معتبرا أن السكوت تجاه هذه الأفعال، يشكل خطرا على “التشيع”، و”تشويها لنهضة الإمام الحسين”، ويسهم في “تعميم ثقافة الجهل والتخلف”.

أسماء عدة شكلت العمود الفقري لهذا التيار “التنويري” داخل الوسط الديني، ومنهم الشيخ حسن الصفار، والشيخ حسين المصطفى، والسيد حسن النمر، والسيد محمد رضا السلمان.

5. الفريق الخامس، يقرأ الشعائر الحسينية، كإحدى نتائج الظاهرة الدينية، بوصفها سلوكا بشريا، اجتماعي، ثقافي، بالدرجة الأولى. أي أنه لا يمنحها القداسة الشرعية، التي تصيرها في مأمن من النقد والمساءلة. بل يتعامل معها كموضوع معرفي، يطبق عليه معايير الدراسات الاجتماعية والإنثروبولوجية. ولعل د.توفيق السيف، يعتبر الاسم الأبرز سعوديا في هذا الحقل، الذي ينزع عن “الطقس” هالته وقوته الرمزية التي يتموضع داخلها.

إن مراسم عاشوراء مثل أي طقس ديني أو شعيرة عبادية، لا يمكن تقديم تفسير منطقي دقيق ومحكم لها، فهي لا تخضع في مجملها للمعايير العقلية، وإنما للسمع والطاعة والامتثال القلبي. وهي في لبها نتاج العاطفة والانفعالات الروحية، واليقين الذاتي، قبل أي شيء آخر. أي أنها وفق هذا التفسير تشابه “الإيمان” و”الحب”، وكلاهما فعل شخصي قلبي، لا يمكنك أن تزنه بميزان العقل وحده.

إقرأ ايضاً: عاشوراء كمناسبة سياسية

ولذا، فإن هذا التيار يقرأ الظاهرة الدينية بحيادية، محاولا تقديم تفسير ثقافي، وتحليل مركباتها والعوامل المؤثرة فيها، دون أن يكون جزءا منها. مؤمنا في ذات الوقت بأنها جزء من حرية الفرد والمجتمع في ممارسة شعائره الدينية دون إكراهات. إلا أن هذا التيار ذا النزعة العلمانية، يقدم في ذات الوقت قراءة نقدية صارمة رافضة لما يعتبره ممارسات “بدائية” مثل التطبير، والمشي على الجمر.. وسواها، لما بها من تغييب للعقل، وانتهاك لإنسانية الفرد وكرامته.

هذا الحراك داخل المجتمع السعودي الشيعي مفيد وضروري، ومن المهم أن يستمر، دون تدخل من جهات رسمية أو دينية عليا، لأنه سينتج أفكارا أكثر حداثة، تواكب التقدم المعرفي والعلمي، وترسخ الإيمان بالتعددية، وتخفف من غلواء الأصولية والطائفية، وتجعل الناس أكثر قدرة على التفكير بحرية ودون خوف، دون وصاية من رجال الدين أو سواهم.

آخر تحديث: 3 أكتوبر، 2017 3:58 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>