الشيخ ياسر عودة:لست أحمد الأسير الشيعي ويريدون إقصائي لأنني أبقيت المرجع فضل الله حياً

((الإقطاع الديني أسوأ بكثير من الإقطاع السياسي)) لم تكن تلك مقولة لأحد ممتهني السياسة، لكنها لأحد رجال الدين، الذي لم يتردد في إعلان موقفه حتى وصلت إلى حدود المواجهة. فعلى غرار المعارك السياسية هناك أيضاً تصريحات من نوع الضرب تحت الحزام، فهي دائماً مثيرة للجدل بين مؤيد ومعارض لها، لتصبح بين عشية وضحاها حالة خاصة ومحط حديث الجميع..
منذ فترة من الزمن، أصبح الشيخ ياسر عودة محط أنظار الجميع، وحالة خاصة التفّ حولها عدد كبير من المؤيدين بسبب مواقفه وتفسيراته ومحاضراته وتصريحاته و((اجتهاداته))، ولعلّ حوارنا مع الشيخ ياسر هو بوابة يمكن أن ننفذ من خلالها إلى العديد من التساؤلات، والتي نراها تشغل عقل وقلب وعقيدة القراء والمتابعين وخصوصاً في الفترة الأخيرة.. ولعلّ أهم هذه التساؤلات هل تدفع التصريحات المثيرة أو المواجهات الخلافية المذهبية إلى الندم كما عبر الشيخ عودة الذي قال انه نادم لأنه سلك طريق المشيخة بما تحتاجه من مواجهة لأبناء جلدته وحوزته، أو أن تجعله هدفاً للنيل منه مما دفعه لكتابة وصيته خشية اغتياله في أي لحظة..
مَن يجلس مع الشيخ ياسر عودة، ويستمع لشرحه لكل نقاط الخلاف التي أحدثت ضجة كبيرة في البلد، يرى ان وجهة نظره يحرص على أن تكون موضوعية وأنه بعيد كل البعد عن اتهامه أنه تقصّد من ورائها إحداث نوع من الفرقعة أو أنه من محبـي الظهور وإشغال الرأي العام، أو انه يريد إحداث إنشقاق ما بين محبيه ومريديه..
وبجرأة لافتة، تحدث الشيخ المقدام ياسر عودة عن كل ما هو مثار حوله وبسبب توجهاته، وقد خص ((الشراع)) مشكوراً بهذا الحوار:
# مالىء الدنيا وشاغل الناس، لدرجة يقال فيها انك ((أحمد الأسير)) ولكن شيعياً، ما رأيك؟
– أولاً أنا لا أحبّذ هذه المقارنة بيني وبين الشيخ المذكور، لأنني لست بصدد إنشاء حزب سياسي، ولا أتدخل أساساً في السياسة إلا في ما يختص بالشؤون العامة للناس التي تتصل بالجانب السياسي من جهة ظلم الناس. وأنا لست في وارد أنني أريد أن أقوم بعمل سياسي معين، أو إنشاء جهة على الأرض أو ما إلى ذلك، كل ما أريده هو أنني عندما بحثت مطوّلاً وخصوصاً في الفترة الدراسية وعندما عدت إلى لبنان وكنت قبلها في قم، وجدت ضالتي عند سماحة السيد المرجع محمد حسين فضل الله رضوان الله عليه، ووجدت إجابات على الكثير من الأسئلة التي كانت تدور في ذهني، والأجواء الحوزوية كلها تقريباً تتشابه من حيث المنطلقات والمناهج الفكرية، وفيها الكثير من الاعتماد على الموروث الحديثي إذا صح التعبير، وهذه مشكلة قائمة عند السنّة والشيعة أنهم يقدسون الحديث إلى درجة أنهم مستعدون لتأويل القرآن لصالح الحديث، وهذا ما لم أكن أقتنع به، بالتالي بعد البحث التاريخي خصوصاً في مجال مفردات العقيدة، وفي أصول هذا التاريخ الموروث، أصوله ومن اين نشأ والعامل الموثر فيه، وجدت نفسي أمام كم كبير من المغالطات والأحاديث المكذوبة التي تخالف القرآن وتخالف خط أهل البيت سلام الله عليهم وتخالف العقل والمنطق عند الفريقين، وليس فقط عند الشيعة. مما اضطرني إلى أن اصبح في صراع بيني وبين نفسي.
# تقصد بين السنّة والشيعة؟
– نعم، وهذا ما اضطرني إلى أن افكر في الأمر ملياً، إما أن أقول الحق كما أعتقد، وربما أكون مخطئاً، وإما أن أكون شاهد زور على هذه الرسالة. وبالتالي، رأيت أن الدنيا وهمّ الدنيا وهجوم الناس وعدم رضاهم وحتى ان الحرب في معيشة الانسان في بعض الأحيان أهون بكثير من الوقوف بين يدي الله عز وجلّ لأن يسألني لماذا كذبت على الناس. مشكلة الكثيرين أنهم يجدون المبررات، وأنا لست الوحيد بين العلماء الذين يحملون هذه الأفكار، بل هم كثر، لكن مشكلتهم أنهم يجدون المبرر ويخافون من الناس ومن المعاش الشهري، ويخافون لاعتبارات متعددة وبعضهم ربما يعيش التقيّة وقد صرّح لي بذلك، يعني التقية من جماعتك بين أهلك؟ هذا غريب! وهذا مما لم أُقم له أي وزن، وكنت أعلم مسبقاً أنني سأصل إلى ما وصلت إليه من حرب.

الشيخ ياسر عودة في حوار غير مسبوق لـ((الشراع))

# الهجوم الذي تعرضت له ليس الأول، بل يعود إلى سنوات مضت. فلنبدأ من الآخر عندما اتُهمت بأنك أسأت للرسول الكريم، كيف تبرر ما قلته، وبرأيكم ما هي دوافع هذه الهجمة الكبيرة؟
– أولاً أنا لم أُسء إلى شخص الرسول الأعظم (ص) حتى أبرر، لم أُسء في الأصل، بل هم اقتطعوا كلاماً لا تتجاوز مدته عشرين ثانية وبنوا عليه، وهذا كان طبعاً ممنهجاً ومدروساً.
# لماذا؟ ما هي الأهداف من ذلك؟
– دعيني أشرح أولاً ما كان المقصود من كلامي. المقصود هو أن رسول الله (ص) أو أي مخلوق مهما عظم شأنه عند الله سبحانه وتعالى، لا يستطيع أن يعلم مكانته في الجنة إلا من خلال شيئين. هم اقتطعوا عبارة لا يستطيع أن يعلم مكانته في الجنة، وتكملة العبارة حُذفت وهي إلا من خلال شيئين، الشيء الأول ان اتبع ما يوحى إليّ، يعني أنا لا أملك الغيب، ولا قضايا المستقبل إلا بمقدار ما ينـزل إليّ من وحي من السماء، وحتى معرفة أمور الدنيا والآخرة، لا أملكها إلا بواسطة الوحي، فالنبـي (ص) يعلم انه سيد الجنة من خلال الوحي أولاً، وثانياً من خلال عمله، وبدون عمل لا يمكن لأحد. وهم الذين قالوا والله ما معنى براءة من النار (أهل البيت) ووردت عن الإمام الباقر (ع) وهو الذي قال لإبنته فاطمة، يا فاطمة يا بنت محمد اعملي لي ما عند الله فإني لا أُغني عنك من الله شيئاً، وهو الذي قال (ص): ليس بين الله وبين أحد يعطي به خيراً أو ادفع به شراً إلى العمل، فلا يتمنى متمنّ، ولا يدّعين مدّع، ألا إنه لا يُنجي إلا عمل مع رحمة، ولو عصيت لهويت، وحاشاه أن يعصي. إلى كثير من المفردات التي هي موجودة في أدبياتنا الاسلامية وموروثاتنا، تؤكد أنه ليس معهم من الله براءة ولا بينهم وبين الله قرابة ولا تنال ولايتهم إلا بالعمل، فإذاً من خلال العمل ومن خلال الوحي علم رسول الله، هم اقتصروا على الجانب الأول وكأن البعض منهم كان يخطط لهذا الهجوم، وكما تفضلت أنه لم يتوقف، خصوصاً منذ سبع سنين، يعني منذ بداية ظهوري في الاعلام، في إذاعة ((البشائر)) وتلفزيون ((الإيمان))، إلى اليوم الذي حصل فيه ما حصل.. والهجوم من الآخرين لم يتوقف، لكن شاء بعض الناس الذين ينتمون إلى جهة معينة أن تتطور الأمور.
# فلنسمّ الأمور والأشخاص بأسمائها.
– لا أريد أن أثير الموضوع من جديد. لكن لو لم يكن بعض الناس من جهة معينة قد أخذ على عاتقه نشر هذه ((البوستات)) في وقت واحد وهجوم واحد وبعدد معين يفوق المائتي شخص لما كانت وصلت الأمور إلى هذا الحد.
# مائتا شخص وظفوا أنفسهم للهجوم على سماحتك؟
– طبعاً ومن بينهم معممون.
# والهدف بالتحديد؟
– هم عادوا وأحجموا في اليوم الثالث وسحبوا كل ((البوستات)) وبقي الهجوم من الآخرين، وتحوّل الهجوم من الخارج إلى الداخل مع الأسف الشديد.
# تقصد ضمن المؤسسة. مؤسسة السيد فضل الله؟
– نعم للأسف. ربما لأنهم اعتبروا ان هذا قد يؤثر سلباً على المؤسسات وعملها.
# وهل بررت موقفك للمؤسسة؟
– أبداً، أنا لم أبرر موقفي لأحد. أنا بيني وبين الله لم أُخطىء في ما قلت، ولكن الكلام مجتزأ، وما زلت عند رأيي أنه لا يمكن لأحد أن يعرف مكانته في الجنة إلا من خلال الوحي أو العمل.
# لكن يا سماحة الشيخ، قال الله تعالى في كتابه الكريم:
((إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً، ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر))، أليس الله قد غفر لرسوله؟ وما المانع إذاً بعد هذه الآية وتفسيرها من دخوله الجنة؟
– أولاً أنا لا أقول انه يُذنب (ص)، بل هو معصوم عن الذنب وعن الخطأ، والمقصود من الآية، ليغفر لك ما تقدم من ذنبك، هو ما اعتبره أهل مكة من ذنب، باعتبار فرّقت بين أهلهم وبين اخوانهم وأحبائهم، يعني ليغفر لك مما تقدم، هو ما اعتبره أهل مكة ذنباً.
# وماذا أيضاً عن الحديث الذي ورد عن النبـي، والذي يقول: لو جاؤوني من كل طريق، واستفتحوا عليّ من كل باب، ما فتح لهم، حتى يأتوا خلفك يا محمد؟
– لا إشكال في ذلك، أنا ما زلت أقول، فإذا كنت اعتقد بأن النبـي الذي أؤمن به لا يعرف مكانته في الجنة فكيف أؤمن به؟ أنا كنت في مقام تفسير آية معينة واجتزىء الكلام. معقول أن لا أعلم بأن الله سبحانه وتعالى أمره بأن يتهجد من الليل نافلة له عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً؟ وهذا المقام المحمود هو فقط لرسول الله (ص). ثم عندي عشرات المحاضرات التي أدافع فيها عن رسول الله وبما أُسيء إليه، وعن عصمته ومكانته وعن الاساءات التاريخية الموجودة عند السنّة والشيعة في كتبهم ضد رسول الله، ولم يتعرض لها أحد غيري، أنا الوحيد الذي تحدثت عن السبـي الذي ينسب إلى رسول الله (سبـي النساء وتجارة العبيد) وتحدثت أيضاً عن بعض المواضيع التي لم يتطرق إليها أحد أو تجرّأ أن يتحدث عنها. وفي هذا الأمر بالخصوص، نحن نأخذ أمراً. رسول الله (ص) لا إشكال بأنه يعلم أنه سيد الجنة، وهو الأول في الجنة، وبشفاعته تدخل الناس إلى الجنة، ودائماً في صلاتي في التشهّد الوسطاني أقول: وتقبل شفاعته وارفع درجته واحشرنا معه.. المقصود أنه هل يعقل أن مع هذا الذي أنطق به ولا أعلم؟؟ كلام مجتزأ، لأنه لا إشكال في أنه سيد الجنة، ولكن هو سيّدها من خلال عمله ومن خلال الوحي وليس من خلال فقط أنه معصوم عن الذنب أولاً، وإلا عصمته لا تلغي الاختيار في أن لا يستطيع أن يقوم بفعل القبيح، هو يستطيع لكن هذا النور والعلم الذي أعطاه الله له، والبرهان الذي أُيّد به من السماء والاصطفاء والاجتباء هو الذي منعه من أن يرتكب مثل هذه الذنوب.
# إذاً لماذا لم يتفهموا في مؤسسة السيد فضل الله هذا القصد من كلامك؟
– سماحة السيد علي متفهم جداً لهذا الكلام، وهو وقف معي بشكل كبير، ودافع مراراً عني حتى في بعض خطب يوم الجمعة، ولم يرض أبداً أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه، ورفض أن أُقال من الهيئة الشرعية إذا صح التعبير، وبقي حتى اليوم يقول، بأن الشيخ هو جزء منا، ولا يمكن أن نتخلى عنه وهو ما زال عضواً في الهيئة الشرعية للمكتب الشرعي لسماحة السيد المرجع. لكن مبدئياً وإلى فترة ما كما قال، يتوقف عن الاعلام المباشر حفاظاً على الأجواء العامة، لأنه ممكن أن يدخل بعض الاشخاص ونحن على الهواء مباشرة ويبدأ الإثارات، فابتعدت قليلاً كي تهدأ الأجواء.
# قلت أنك حوربت من داخل المؤسسة.
– (مقاطعاً) نعم صحيح. يوجد مشايخ داخل المؤسسة أنزلوا بعض البيانات من ضمن الحملة التي حدثت.
# وما كان موقف السيد علي من ذلك؟
– هو رفض هذا الموضوع، لكنهم أصرّوا على موقفهم وما زالت العلاقات شبه معدومة بيني وبينهم.
# ومع السيد علي؟
– بيني وبين السيد علي العلاقة ممتازة.
# طُلب منك عدم الظهور في الاعلام، أو إعطاء أحاديث ومقابلات؟
– وما زالوا يطلبون مني ذلك.
# لماذا؟
– لأنهم يعلمون بأنني لا أخفي شيئاً، وأنا صريح في ما أقول.
# ولماذا وافقت على إعطائنا هذا الحديث؟
– (مبتسماً) لأنكم أصررتم على اللقاء بي، وأنا لا أحب أن أرفض أي إنسان يطلب مني شيئاً، وهم يخافون لأنني صريح في كلامي، وقد تصدر مني كلمة تثير الأجواء من جديد.
# وهل ما حدث معكم، سيجعلكم تتراجعون أو تنكفئون عن قول قناعتكم وقراءتكم لمجمل الأمور الدينية والسياسية؟
– أبداً، أنا قلت في خضم الحادثة التي جرت معي، والتي خفّت بشكل كبير، بأنني لن اسكت ولن أتراجع وسأبقى أقول كلمة الحق، ما أراه حقاً على الأقل، سأبقى أقول ذلك لأن المسألة عندي هي أن لا يطالبني الله، وليست المسألة أن يرضى الناس. نحن نعلم باب مسيرة الأنبياء وأوّل من كان يحاربهم هم كهنة المعابد، ونعلم أن الفريسيين كهنة المعابد هم أول من حاربوا عيسى نبـي الله.
وهكذا باقي المصلحين والدعاة يحاربهم ((العلماء)) قبل غيرهم، لأن ذلك وبكل بساطة يتعارض مع القداسة التي اصطنعوها لأنفسهم، ويتعارض مع المصالح التي يريدون أن يسيطروا بها على الناس ومع الاقطاع الديني الذي هو أسوأ بكثير من الاقطاع السياسي الذي يمارسونه على الناس بإسم هذه الموروثات وهذه القداسات المصطنعة. كل هذا لا يعني لي شيئاً، بل الذي يعني لي ((وقل الحق من ربكم فمن شاء ليؤمن، ومن شاء فليكفر. الذي يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله)). هذا الذي يعني لي، ما دمت قد وضعت نفسي في هذا الموضع، وكنت أسأل الله لكن لا ينفع الندم، يعني قد أندم لأنني سلكت هذا الطريق.
# اي طريق تقصد؟
– طريق طلب العلم والمشيخة.
# ولماذا الندم؟
– لأنه يحتاج الى الكثير من الصبر والقوة والشجاعة والمواجهة في وجه تيارات عاتية. أنت تواجهين مع الاسف جلدك ولحمك وعظمك وبيئتك وحوزتك وكل هذا الموروث.
# ألهذه الدرجة سماحة الشيخ وصلت بك الأمور؟
– طبعاً، بل وأكثر من ذلك، مما لا يعلمه إلا الذي يشعر به، يعني أنا أعتقد انه حتى الذين وقفوا معي، لا يشعرون بما كنت أعانيه وأقاسيه. ليس لنفسي، آخر همي وأنا من الخارج لم أتألم، الذي آلمني هو الداخل اكثر من الخارج، لأن ظلم ذوي القربى أشد إيلاماً كما يقال. اما الخارج فقد اعتدت عليهم وعلى بياناتهم وحتى لو كان هناك بعض المشايخ يكذبون، مع الاسف، وقاموا بتصريحات كلها كذب عن لساني، وآخر ما كنت أفكر فيه ان شيخاً معمماً يكذب.
# ماذا قال عن لسانك؟
– أنزل بياناً بأنني قلت له: عميل. تصوري ان العميل يقول للآخر أنا عميل، هل يمكن ان يذبح نفسه؟ الى هذا الحد مع الاسف الشديد. هؤلاء مع الاسف يريدون ان يبرزوا ويصعدوا على هذا الشيخ الضعيف.
# والهدف هو إقصاءك فقط؟
– طبيعي، الكل يريد اقصاؤك لأن كلامي وخطابـي لا يتناسب مع المرحلة التي نحن فيها.
# من اية ناحية؟
– أولاً من ناحية الوحدة الاسلامية. قد نظّرت للوحدة الاسلامية بشكل كبير، وعملت لها وليس فقط نظّرت لها، حتى ان ((اليوتيوبات)) موجودة، وهي تتحدث عن منع اللعن بشدة للصحابة الكرام ولأزواج النبـي (ص) وحتى انني أطلقت بعض الكلمات ما أطلقها أحد.
# مثل؟
– مثل ان يعامل الشيعة السنّة كما عامل أمير المؤمنين الخليفتين الأول والثاني أبـي بكر وعمر. وليعاملنا السنّة كما عامل ابو بكر وعمر الإمام علي (ع)، وبالتالي كانوا يعيشون مع بعضهم البعض، وكان يسددهم في أخطائهم ويوجههم حتى قال عمر ما أبقاني الله لمعضلة ليس لها ابو الحسن، وكانوا يعيشون كل هذه الإلفة، حتى كأنهم عائلة واحدة. اما اليوم، هذا الخطاب ليس موضعهم، اليوم موضع خطاب الفتنة وليس خطاب الوحدة.
# لكن البعض فسر ذلك انك تجيد الإلتفاف على الحقائق، لإثبات وجهة نظرك حتى وإن كانت غير صائبة؟

– فليتفضلوا وينقضوا. الى اليوم ما وجدت أحداً نقضني بطريقة علمية. بل فقط بالسباب والشتائم واللعن والاتهامات والعمالة وما إلى ذلك.. واليوم معكم، وفي مقابلتي هذه مع مجلة ((الشراع)) سيقولون لو لم يكن عميلاً للسعودية لما أجرى هذه المقابلة. (ضاحكاً) وسنرى بعد نشر المقابلة. وبعض الذين يريدون نقضي، ينقضونني رواية برواية، وأصلاً هذا المبدأ لا أعمل به.
# واتهمت ايضاً انك من أنصار الاختلاف من اجل الظهور، وإحداث ((شو Show)) من اجل الشهرة، ما رأيك بهذا الكلام او الاتهام؟
– أيوجد عاقل يطلب الشهرة، ويتحمل كل هذا الأذى؟
# يقصدون ربما مبدأ ((خالف تُعرف))؟
– هم يحاكمون الاشخاص على نوايا لا يعلمونها، فهل أطلعهم الله على ذلك؟ هل هم وكلاء عن الله حتى يعلموا السر؟ هل أصبحوا آلهة حتى يتهمونني بأنني أريد الشهرة من خلال هذه المخالفة. أنا قلت وسأعيد القول: كل ما قمت به هو حتى لا يسألني الله عندما أقف بين يديه، لِـمَ كذبت على الناس. فقط. لا يعني لي كل ما قالوا، كل الاتهامات التي سيقت وكل العمالة التي اتهمت بها، كل ما قاموا به لا يعني لي شيئاً. الذي يعني لي هو اذا وقفت بين يدي الله وسألني لِـمَ سكتّ مثلاً عن مسألة ان أهل البيت يعلمون مطلق الغيب، ماذا اقول؟ واذا سألني الله سبحانه وتعالى ان أهل البيت يديرون الكون بإذن الله، ماذا سأقول له؟ وهذا يخالف القرآن. واذا سألني الله سبحانه وتعالى ان أهل البيت يحيون ويميتون ويديرون الكون، ماذا سأقول؟ اذا وإذا وإذا، ماذا سأجيب؟ حتى اذا سألني الله تعالى عن المكذوب من الموروث في التاريخ عند السنّة والشيعة مما قدسوا به اللامقدس، ومما هتكوا به سيرة وشخص محمد (ص) من خلال انه شغوف بالنساء، وأنه يسبـي ويقتل وأنه ذبّاح وغير ذلك، بماذا سأجيب الله سبحانه وتعالى يوم القيامة؟ اذا سألني عن مفردات قرآنية ((إن هذه أمتكم أمة واحدة، أنا ربكم فاعبدون))، لماذا لم تعمل على الوحدة الاسلامية بين المسلمين؟ بماذا سأجيب؟ ليس همي ان يرضى فلان او فلان، بل همي هو ان يرضى الله سبحانه وتعالى حتى لو دفعت مقابل ذلك دمي، لا مانع عندي في الموضوع ابداً.
# لكن ألا تعتقد أنك تخدم من يوصفون بأنهم أعداء الأمة اي عندما تفرق مواقفك الصفوف وتحدث شرخاً بين الشيعة مع وضد؟
– والله يا أختي الكريمة عندما جاء محمد (ص) خلق شرخاً في المدينة، وفرّق بين كبيرهم وصغيرهم وبين الأخ وأخيه وبين العم وعمه وبين العائلات حتى قالوا له: لقد فرّقت جمعنا وشتتت شملنا، ما الذي تريده يا محمد؟ ومع ذلك لم يتراجع لأن مسألته مع الله.
# لكنه رسول الله يا سماحة الشيخ؟
– نعم، ولكن باعتبار انني وضعت نفسي في هذا الموضع، فيجب عليّ ان أبيّـن للناس ما جاء به رسول الله، لأنه قال (ص): ستكثر بعدي الكذابة، ألا مَن كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار، اذا جاءكم الحديث عني، فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق الكتاب فقد قلته، وإن خالف الكتاب فلم أقله، او فهو كذب (في حديث آخر). كذلك قال (ص): اذا ظهرت البِدع وما أكثر البدع (الدخيلة على الدين اليوم) على العالِم ان يظهر علمه، وإلا فعليه لعنة الله. وأنا لست مستعداً ان يلعنني الله سبحانه وتعالى. أما انني أصنع الفتن، فلست أنا من يصنعها، ولماذا لا يقال عن الآخرين انهم يصنعونها؟ ولماذا لا يقال ان الذين يصدحون باللعن ضد رموز السنّة على المنابر بأنهم هم الذين يصنعون الفتنة؟ ولماذا لا يقال عن الذين يبثون الخرافة والغلو على المنابر يومياً وأصبحت الفضائيات حسينيات متنقلة على الهواء. لماذا لا يقال انهم يصنعون الفتن؟ وهكذا عند أخواننا السنّة، لماذا لا يقال عن هذه الفضائيات التي تصنع الشرخ بين المسلمين أنفسهم وبين الطوائف؟ لماذا اذا جاء رجل يريد ان يصلح الأمر، ويبيّن الحق كما هو يقال عنه بأنه يريد ان يفتن بين المسلمين؟ أنا وظيفتي ان أصلح وليس ان أفسد. وقد دعوت مراراً ان الاختلاف في الرأي لا يفسد في الود قضية. اذا اختلفت معك، فعليك ان تحاورني، لأن الحوار هو مبدأ القرآن، وقد دعانا الله ان نحاور أهل الكتاب، ألا نستطيع ان نتحاور في ما بيننا؟ الله سبحانه وتعالى حاور إبليس وهو مخلوقه وعبده، وأين الله وأين إبليس؟ حاوره في كتابه. لماذا اذاً لا نستطيع ان نتحاور، ولماذا الشتائم؟ فالذي يخلق الفتنة بين أبناء الصف الواحد، هم الذين يشتمون ويسبون. بعض العمائم الذين لا تقوى لهم ولا يخافون الله ولن أسامحهم، ولي موقف بين يدي الله معهم وسأطالبهم بكل ظلم جرى عليّ من ورائهم.
# كلها عمائم شيعية؟
– طبعاً عمائم شيعية.
# مقربون منك؟
– مقربون وغير مقربين، وبعضهم زملائي، ولي موقف بين يدي الله معهم يوم القيامة. لأن هؤلاء هم من صنعوا الفتنة.
# ماذا تقول لهم؟
– اقول لهم فليتقوا الله، ان كان لهم دين ويخافون يوم الحساب فليتقوا الله، وليرجعوا الى أنفسهم لأنهم يعلمون من هو ياسر عودة، ويعلمون قيمة ياسر عودة، ويعلمون ترابية ياسر عودة، وأن ياسر عودة لا يبغي منصباً ولا جاهاً ولا مكانة ولا مالاً ولا مرجعية ولا مسؤولية ولا أحزاباً ولا غير ذلك. هم يعلمون ان ياسر عودة، كل الدنيا لا تساوي عنده شيئاً، وكل ما يطلبه من الله ان لا يحتاج الى أحد من الدنيا.
# قلت ان هدفهم الظهور على حساب تدمير الآخر، لكن أحداً لم يسمع بهم او لاحظ ظهور أحدهم؟
– ولأنه لم يسمع أحد بهم، أنزلوا هذه البيانات ضدي.
# كيف نستطيع ان نتجاوز الفتن في ظل الاحتدام المذهبـي؟
– بكل بساطة، فلنأتِ ولنحكّم كتاب الله سبحانه وتعالى، ولنقرأ آية ((إنما المؤمنون أخوة))، اين نحن منها؟ اذا عشنا الأخوّة يعني ان كل من آمن بالله وقال أشهد ان لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهو أخي في الدين وله عليّ حق الأخوّة الدينية، فضلاً عن الأخوّة الانسانية كما قال أمير المؤمنين. فإذاً أمير المؤمنين (ع) نصب أروع قاعدة في الإنسانية: الناس صنفان، إما أخ لك في الدين او نظير لك في القلب. احترامه على كلا الجهتين مطلوب، فليأتوا ولنتآخى بالله ولنحل مشاكلنا بالتي هي أحسن، بالحوار. واذا أراد كل فريق ان يصر على رأيه، فليكن. لماذا يريدني ان أكون نسخة عنه؟ واذا لم أكن نسخة عنه، فأنا كافر او ضال او منحرف او عميل او أريد الشهرة او غير ذلك. لماذا؟ من قال له بأنه يجب عليّ ان أكون مثل عقله؟ لهم عقولهم ولنا عقولنا، ونحترم آراءهم وليحترموا آراءنا. أنا في كل مسيرتي ما سببت ولا شتمت أحداً. نعم ناقشت أفكاراً، وقلت ان هذه الافكار غلوّ، منشأها من المغيرة بن سعيد والمفضل بن عمر تعالوا الى هذه الروايات وكنت آتي بها، وأقول منشأها الذين يقولون ان أهل البيت يرزقون العباد منشأها المفضل بن عمر، وقلت الرواية: دخل ابن جدعان وصاحبه على الإمام الصادق وقال: يقول المفضل بن عمر انك تقدّر أرزاق العباد. قال: سبحان الله لا يقدّر أرزاق العباد إلا الله، وقد احتجت الى رزق لعيالي فأمعنت الفكرة، وضاقت بـي نفسي حتى حصلت عليه. ألا لعنه الله والله بريء منه. لأنه جعله شريكاً مع الله. هذه الفكرة التي تقولونها هي فكرة الغلوّ، آتية من المفضل ابن عمر، وتلك آتية من المغيرة بن سعيد وغيرها كثير، حسناً اذهبوا وابحثوا وحققوا، لا يريدون، لأنهم يعلمون ان ما أقوله ليس عبثاً، وليس من عندي بل منشأه موجود في الروايات.
# على هذه الحال، كيف يعاد ترميم الوحدة الاسلامية؟
– لا يمكن ان نصل الى وحدة اسلامية إلا اذا عمد إخواننا السنّة، المجاميع العلمية عندهم، الى كتابة الصحيح من الصحاح الستة، وعدم تقديسها كالقرآن وإلى ان يكتب اخواننا الشيعة الصحيح من الكتب الأربعة وأن لا يعمدوا الى تقديسها، كتقديس القرآن. عندئذ نصل الى وحدة إسلامية. ما دامت الأحاديث التي تتحدث عن القتل والذبح وتضليل وتكفير الناس لأدنى فعل يرتكبونه، موجودة في الصحاح عند أخواننا السنّة، سيبقى ((داعش)) وغير ((داعش)) في كل يوم وفي كل حقبة زمنية وسيظهر أشخاص يعملون بمثل هذه الاحاديث. وما دامت أحاديث اللعن ضد الصحابة موجودة في الكتب الأربعة عند الشيعة، سيخرج في كل زمن، فرقة تلعن أبا بكر وعمر، الخلفاء وأزواج النبـي. فلنرفع هذه الأحاديث التي شوهت صورة الاسلام وأهل البيت والنبـي (ص) ومفردات الدين، ولنكتب الصحيح من الصحاح، والصحيح من الكتب الأربعة على ضوء الكتاب والسنّة الصحيحة، عندئذ نصل الى الوحدة الاسلامية. أما ان الدعوات الى وحدة إسلامية، فبنظري كانت عبر التاريخ، في فترات زمنية معينة، السياسيون بحاجة اليها، فكان يحدث في الجو العام وحدة إسلامية، لكن اذا انتهت الحاجة تنقلب الأمور مباشرة. لماذا؟ لأن المادة موجودة. مادة الفرقة بين المسلمين، مادة الفرقة عند السنّة موجودة ضد الشيعة، ومادة الفرقة عند الشيعة ضد السنّة موجودة. فإذا رفعنا هذه المواد، وقلنا عن الذين سبقونا تلك أمة قد خلت لها ما كسبت، ولا نسأل عما كانوا يعملون، حينئذٍ نستطيع أن ننطلق بالأخوّة التي قالها الله تعالى في كتابه فإذا رجعنا إلى كتاب الله وحكمناه ستجدين الوحدة تنتشر بين الناس بشكل بسيط.
# وكيف تصف واقع الشيعة الآن؟
– من ناحية دينية، أنا أرى انه بشكل عام غير جيد ولست متفائلاً بالخير، من كثرة ما يُبث فيهم من ثقافات هي ثقافة أبي الخطاب الكوفي وثقافة المفضّل بن عمر، وسعيد بن المغيرة وابن بختي وابن حسكة، إلى أن تصلي إلى ثقافة الاحاديث الموضوعة التي وضعها أعداء أهل البيت من بني أميّة في لعن الصحابة، ووضعوها بأسماء الإمام الصادق والإمام الباقر، إلى أن تصلي أيضاً إلى الاحاديث التي وضعت في زمن البويهية وفي زمن الصفوية، ومن ثم إلى أن تصلي إلى الشيخية، وما أدراك ما الشيخية وما صنعت بالشيعة، وما بثّت وزوّرت في كثير من أدعيتهم وزياراتهم وإلى آخره.
# على هذه الحال من الوصف السوداوي إذا صح التعبير، إلى أين إذاً يتجه واقع الشيعة الآن؟
– إلى أن يخرج علماء، كما خرج سماحة السيد محمد حسين فضل الله رضوان الله عليه، وكما هو الآن السيد كمال الحيدري، وأن يخرج علماء كبار ويصوّبون البوصلة، ويعيدون إحياء خط أهل البيت الصحيح، أخلاقهم، علومهم (صلوات الله عليهم). فأهل البيت ليسوا جماعة فقط للندب والبكاء واللعن والشتم والتفرقة بل هم قرآن وإسلام وحملة دين محمد (ص).
# ما رأيك بمنهجية ولاية الفقيه، وهل تطبّق برأيك؟
– إذا دار الأمر ما بين حاكم ظالم وحاكم عادل يفهم الفقه فلا إشكال، لأن للفقيه ولاية، ولكن هذه الولاية بأي معنى؟ لا تكون الولاية بنظري ولاية ديكتاتورية بحث ينفرد فيها الولي الفقيه في الأحكام وإصدارها، بل لا بدّ للولي الفقيه أن يكون له مجالس شورى في كل الاختصاصات، فلا يبتّ بأمر قبل مراجعة أهل الخبرة في ذلك كمستشارين ويؤخذ الرأي الفقهي منه بعد ذلك، سواء أسميناه ولي فقيه أو مرشداً أو مرجعاً أو أياً كان، ليست المشاحة عندي في التسمية، أو في الاصطلاح، لكن الاصل عندي هو أن الحاكم الذي يريد أن يصل إلى سدّة الحكم سواء أكان رجل دين أو غير رجل دين، لا بد أن تكون في بطانته أهل شورى ذوو خبرة في كل اختصاص. يعني إذا أراد أن يعطي حكماً في مفردة اقتصادية، لا بد بأن يضع كبار الاختصاصيين الاقتصاديين وبعد ذلك يبتّ في الأمر من ناحية شرعية، وهكذا في الأمور العسكرية والأمنية والاجتماعية وغير ذلك.
# وهل تطبق الآن برأيك؟
– ربما تطبق في إيران.
# كيف هي علاقتك بإيران؟
– لا توجد علاقة أبداً.
# هل زرتها؟
– درست سنتين في قم.
# متى زرتها آخر مرة؟
– عام 1999 في زيارة الإمام الرضا (ع)، وإذا كنت تقصدين علاقة مع السياسيين هناك لا توجد علاقة مباشرة ولكن بطبيعة الحال كجمهورية إسلامية، ونظام إسلامي، لا بد لنا أن نؤيّد الصحيح الذي ينطقون به، باعتبار أن المؤمنين يؤازر بعضهم بعضاً، وحتى لو صدر عن غيرهم لا بد من تأييده.
# ماذا تغيّر بمؤسسات السيد محمد حسين فضل الله بعد رحيله؟
– (تنهّد بعمق) يعني، بدك تسأليهم.
# وسماحتك من أهل البيت، نريد رأيك الشخصي.
– (صت لوقت طويل) ربما أحياناً من كثرة تفكيرهم في الحفاظ على المؤسسات، يتخلون عن بعض الأفكار لسماحة السيد.
# لهذه الدرجة؟
– نعم، ربما (أعاد ربما مرتين) من حرصهم على المؤسسات، لكن لا أقول ان سماحة السيد علي هو كذلك. وأرجو دائماً أن تستثني سماحة السيد علي، أما بطبيعة الحال فهناك مدراء ومؤسسات متنوعة، ولكل شخص فيهم رأيه وحتى توجهه السياسي، وربما يختلف في توجهه حتى عن توجه السيد.
# أجابتك دبلوماسية جداً. نرجو الوضوح أكثر.
– يا أختي الكريمة أنا لست من الاشخاص الذين يرددون الكيد بالكيد، وإذا كانوا قد أذوني فهذا لا يعني أن أُسقطهم، ويجب علينا أن نحافظ على هذه المؤسسات لأنها إرث سماحة السيد الأستاذ رضوان الله عليه، ولأنها بالنهاية وجدت لخدمة الناس، هل توجد أخطاء؟ نعم توجد أخطاء، ولا أحد ينكرها، ومَن لا يعمل لا يخطىء، لكن مَن يعمل يخطىء، وبالتالي هذه الاخطاء لا بد أن تصحح وتصوّب، وأنا أدعو عبر مجلتكم إلى الوقوف بجدية لإصلاح الفاسدين الموجودين في الداخل.
# الفاسدون؟
– طبعاً، يوجد فاسدون أينما كان، لكن هذا لا يعني ان نُسقط المؤسسات، أبداً، بل يجب الحفاظ عليها، فهي ترعى أيتاماً، والكثير من العوائل العاملين الذين لا يجدون عملاً إلا من خلال هذه المؤسسات.
# ألا تعتبر أنهم مؤتمنون ويقومون بالاستمرارية بعد رحيله؟
– بطبيعة الحال هم مؤتمنون، وكل فرد مهما صغر منصبه هو مؤتمن في المجال الذي هو فيه. ليس هم فقط، بل أي إنسان يعمل في أي مؤسسة، عندما يسألنا عن الحكم الشرعي نقول له أنت مؤتمن حتى على الوقت. فإذا مطلوب منك مثلاً ثماني ساعات، فلا يجوز لك أن تعطي عملك ثماني ساعات ناقص خمس دقائق، لأنك إذا أكلت ثمنها فأنت سارق.
# وكيف هي علاقتك بسماحة السيد علي فضل الله؟
– علاقة ممتازة. سماحة السيد علي رجل هادىء الطباع، وخلوق جداً، ويمتلك حكمة لمستها كثيراً في الوضع الأخير، وهو صاحب رأي كذلك، وإن كانوا يهجمون عليه من فترة إلى أخرى ليرعبونه حتى لا يصدر آراءه، ولكنني أشجعه فهو صاحب رأي عادل، ويستمع إلى الجميع، لكن في النهاية يرى ما فيه مصلحة للمؤسسات والدين ويعمل على ذلك.. شخصياً، رأيت فيه وخصوصاً في الآونة الأخيرة أنه يستحق أن يكون في موقع القيادة للمؤسسات وإن كنت أطلب منه أكثر (مبتسماً).
# أكثر من أية ناحية؟
– بنظري أن المؤسسات أينما كان، سواء عندنا أو عند غيرنا، بحاجة إلى يد من حديد، بمعنى أنه لا بد من أخذ القرار وتنفيذه بسرعة.. وهذه المرونة تفيد في بعض الأحيان، ولا تفيد في أحيان أخرى.
# والحملة عليك، هل هي استمرار للحملة التي كانت ضد السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله سابقاً قبل وفاته؟
– طبيعي.
# والأسباب؟
– سألخّص لك عدة أسباب. أولاً يريدون للسيد فضل الله أن يموت، والذي أبقاه حياً ياسر عودة. (من الآخر)، لأن ياسر عودة حطّم شيئاً اسمه التقليد بالمعنى التقليدي الرسمي الموجود، وقال بأن هذا التقليد بهذا الشكل الموجود اليوم كجهة أو كإقطاع أو كرمز لم يكن موجوداً قبل مئة سنة، بل كانت الناس ترجع إلى مَن تشاء. هذه الهالة حول ما يُسمى بالتقليد، وهنا لا أريد أن يُفهم أنني أحطّم المرجعيات أبداً، بل أحترمها، ولكني أريد أن أحطم هذه الصورة نفسها أو هذا العنوان الذي صنعوه حول أنه لا بد من مرجع تقليد وأنه يجب أن يُرجع إليه في الصغير والكبير، وهو الذي يفكر عنك، والأموال تأتي إليه، ولا بد أن تأخذ منه إيصالاً وما إلى ذلك، أنا حاربت هذا المبدأ لأرجعه إلى الأصل، إضافة إلى أنني حاربت مبدأ عدم تقليد الميت بشكل كبير، واستدليت عليه بأدلة متعددة أصولية وروائية حديثية وعقلية، وطرحت إشكالاً لم يطرحه أحد، وقلت كيف يحق للمرجعيات الدينية أن تقلّد الأموات عندما لا تجرؤ على مخالفة المشهور من الفتوى في مخالفتهم فتفتي بالإحتياط الوجوبي، وما أكثر الاحتياط الوجوبي في رسائلهم العملية، ولا يحق للمقلّد أن يقلّد الميت، ولم يُجب أحد حول هذا الموضوع، بكل الحالات لا يوجد أي دليل على حرمة تقليد الميت على الاطلاق، فياسر عودة أبقى السيد فضل الله حياً من جهة التقليد ومن جهة الافكار، لأنه يطرح أفكاره بطريقة بسيطة، يمكن لأي إنسان أن يستوعبها ويفهمها وبصراحة متناهية، ليس فيها أي دبلوماسية أو مواربة كما يفعل غيري حتى الذين تتلمذوا على يديه. أطرحها بشكل صريح، مما جلب الجمهور، وأبقى التفاعل مع السيد فضل الله، سبع سنوات والسيد فضل الله حيّ بعد موته؟؟ يكفي بنظر البعض. هذه نقطة. النقطة الثانية، أن ياسر عودة مسّ الخطوط الحمر وهذا قيل لي.
# ما هي هذه الخطوط؟
– ياسر عودة مثلاً أيّد الحراك المدني في مطالباته بقضية القمامة والكهرباء وغيره، كيف أؤيد حراكاً تابعاً للسفارة الأميركية؟ وقلت مراراً أنه لا يعينيني الأشخاص الذين ينتمون إلى هذه السفارة أو تلك، بل ما يعنيني هو مطالب الناس، وقلتها وسأكررها دائماً، الشيوعيون الذين خربوا علاقتهم مع الله يطالبون بقضايا الناس، ونحن أبناء أبي ذر لا نطالب بها، أبو ذر كان يقول: عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج شاهراً سيفه، أنا لا أريد أن أقلب النظام أو أن أصحح شيئاً، بل أريد أدنى المطالب أن تأتي. أليس عيباً في لبنان وفي هذا العصر الذي نحن فيه أن لا يكون هناك حلّ لأزمة القمامة؟ أليس عيباً على السياسيين قبل غيرهم؟ وعلى الاحزاب الموجودة في لبنان أن لا تسعى إلى ذلك؟ أليس عيباً استجرار الكهرباء من سورية، هذه الدولة التي تعاني من الحرب على كل أراضيها، إذاً ياسر عودة أيّد الحراك المدني وربما لديه أهداف مستقبلية، كما زعموا. ياسر عودة تحدث عن تذهيب المقامات وعن الإنفاق وهدر المال الشرعي من الخمس ومن الزكاة عند السنّة والشيعة، وعدم إيصاله إلى الفقراء وتزويج الشباب وإقامة المستشفيات والمصانع وإيجاد فرص عمل للناس بهذه الحقوق الشرعية التي تُهدر على الحواشي هنا أو هناك وعلى أبناء السلاطين والملوك، وحتى على أبناء بعض العلماء من كل الفرق الاسلامية، ياسر عودة مسّ هذه الأمور وهذا خط أحمر، كذلك ياسر عودة بشكل عام حرّك عقول الشباب ليفكروا وينتفضوا ويقولوا أنا رأيي كذا، وأريد أن أفكر، لأن ياسر عودة قال لهم فكروا ولا تستمعوا إليّ بل حرّكوا عقولكم، وتدبروا هل ما أقوله صحيح أم لا؟ طيب إذا كان ياسر عودة يدعو إلى التفكير في ما يقول، فلا إشكال بأنه سيدعو إلى التفكير في مَن هو ليس برجل دين. هذا أيضاً برأيهم يحتاج إلى إسكات، ياسر عودة تحدث عن الوحدة الاسلامية بشكل كبير واليوم الخطاب غير سليم، ياسر عودة مسّ الخرافات التي نعتاش على فتاتها مثل تقديس الخراريق والخواتم وبعض الطقوس التي تقام في الزيارات، وهذا استعباد للناس.
# والسياحة الدينية؟
– أنا لم أرفضها، ولكني رفضت الطقوس التي تقام في السياحة الدينية.
# انتقدت المبالغ الضخمة التي تصرف على زركشة المساجد؟
– طبعاً، يعني عندما يُعمل قفص لأبي الفضل العباس رضوان الله عليه بكذا مئة ألف دولار، وهو يستأهل بالطبع، والدنيا وما فيها لا تساوي نعل أبو الفضل، لكن الكلام هو لماذا كل هذا البذخ في المال، وأين هو الشباك أو القفص لقبر الإمام الحسين (ع)؟ ويقام له احتفالات في إيران وعندما يصل إلى بغداد وإلى كربلاء، وهذه الاحتفالات تكلّف الأموال ويُدعى الناس من الخارج و، و، و.
# البعض يعتبر ان هذا الكلام هو تقليل من قيمة تلك الأماكن التي تستأهل الكثير.
– أبداً أبداً، وأنا قلت ان نعل علي يساوي الدنيا وما فيها، ونعل أبو الفضل العباس يساوي الدنيا وما فيها. ولكن الكلام هو هل هم يرضون بذلك؟ والله لو قُدّر لهم أن يعودوا إلى الحياة، أوّل شيء يفعلونه هو نزع ذلك الذهب وبيعه، والتصدّق به على الفقراء وزوّجوا به الشباب.. فالمقصود أنني لم أقف ضد هذه المقامات، أبداًَ، فلتبنَ ولكن لماذا هذا الذهب الزائد؟ ولماذا رفعه وتبديله بذهب آخر؟ هذا كله بذخ، في الوقت الذي نحتاج فيه لمساعدة الفقراء، سيقولون إنها التبرعات، هذا صحيح أنا لم أقل أنها ليست تبرعات، ولم آت بيوم على ذكر أنه من الحقوق الشرعية، ولكن من يرشد الناس كيف يتبرعوا بأموالهم، نحن، المرجعيات الدينية هي من ترشد الناس، ونقول لهم توجد أولويات أقرب إلى أهل البيت وإلى الله من أن تذهّب وتدفع كذا وكذا. ألم يرشد الإمام علي (ع) أصحابه، ذهب إلى بعض أصحابه وهو في مرضه يعوده، ولديه دار واسعة ملكه، وقد دفع زكاة ماله قال له: ما تصنع بهذه الدار الواسعة، هل ادخرتها إلى آخرتك؟ نعم اكلي بها الضيف، صل بها الرحم، افتح هنا غرفتين وزوّج بهما شاباً، هكذا أهل البيت يعلّمون، فهم لا يريدون طقوساً مثل طقوس البوذية نصنع ذهباً لتمثال بوذا، ولا يريدون ذهباً مثل ذهب الكنيسة في روما حتى رصّعت كرسي البابا الموجودة قديماً بأفخم الجواهر النفيسة والثمينة، ولا يحتاجون إلى تذهيب كما ذُهّب ثوب الكعبة، كله أعترض عليه، حتى الكعبة لماذا تحتاج إلى سبعة ملايين ريال سعودي لتذهيب الثوب سنوياً، لماذا؟ ألا يوجد فقراء ومحتاجون ومعوزون ومرضى وشباب يحتاجون إلى الزواج وناس عاطلة عن العمل؟ هل الله سبحانه وتعالى اهتم بالبشر أو بالحجر أو بالقماش، ياسر عودة لمس كل هذه الخطوط لذلك يجب أن يسكت.
# انتُقدت سماحة الشيخ عندما شبهت شهداء المقاومة وبقية الشهداء، بشهداء كربلاء.
– صحيح، وهذا الكلام قديم، وقلت في شهداء المقاومة الاسلامية وحتى شهداء اخواننا في حركة أمل التي أنشأها السيد موسى الصدر، ونحن على أبواب ذكراه، وللأسف يتعرض لحملة خسيسة من بعض الصغار الذين يقولون عن أنفسهم أنهم ممثلون لمرجعيات دينية معينة في الطائفة. مع الأسف الشديد، لا تجد كل هؤلاء الذين فتحوا أبواقهم ضدي، أن يفتحوا أبواقهم ضده، في الوقت الذي اعتبر أن السيد موسى الصدر هو فاتح كبير بالنسبة إلى الواقع اللبناني الذي أحبّه السنّي والشيعي والمسيحي والجميع، وأحبوا انفتاحه وعقله ووعيه وجهاده، وهو أول من وعى خطورة إسرائيل على لبنان، وحاول أن يوجد تدريباً للشباب الشيعي إذا صح التعبير، وكان هدفه الشباب اللبناني ليدرأوا الاخطار، وأنا قلت ان هؤلاء الشباب لا يقلّون رتبة عن شهداء كربلاء، طبعاً ما عدا شهداء أهل البيت (ع) لأن فيهم روايات خاصة بهم، أما الشهداء العاديون مثل عابس وغيره من الشهداء الكرام، هؤلاء رأوا الحسين، لكن شهداء المقاومة لم يروا الحسين بل ناصروا الحسين وهم لا يعرفونه، ومضى عليه أكثر من ألف وأربعماية سنة، ومع ذلك حملوا قضية الحسين وقالوا هيهات منا الذلّة وهجموا، اعتُرض عليّ بذلك لأنه ما رأيت أصحاباً كأصحابي ولا أهل بيت كأهل بيتي صحيح، لكن هذا الكلام لا يوجد له إطلاق حتى يشمل سائر الأزمان، وما رأى في زمانه سلام الله عليه أصحاباً كأصحابه، لكن يوجد منهم في كل الأزمنة يحملون قضيته بكل الأهداف التي أرادها الحسين لثورته أن تنطلق في الأمة.
# وما هو معنى الشهادة بالنسبة لسماحتك، والشروط الواجب توافرها حتى نقول ان هذا شهيد وذاك غير شهيد؟
– بالمفهوم الإسلامي لا يوجد هناك شهيد، بل جهاد في سبيل الله، ومَن قُتل في سبيل الله وهذا النص القرآني، في الروايات نعم يوجد عبارة شهيد، الشهيد أي ما يشاهد ويشهد على مَن ظلمه، وهو مفهوم واسع لا ينحصر فقط في الشيعة، بل كل مَن قُتل مظلوماً أو في قضية حق حتى ولو لم يكن شيعياً هو شهيد وسيشهد يوم القيامة على مَن ظلمه. هذا هو معنى الشهادة بالنسبة لي على الأقل. وقلت عن هؤلاء الشباب الذين قاوموا إسرائيل، وكنت أعرف الكثير منهم الذين يحملون إيماناً لا نظير له، وتقوى لا نظير لها مخافة من الله، حتى أنهم كانوا لا يرفعون نظرهم من شدّة خوفهم من الله، ألسنتهم يحفظونها عن غيبة الناس والكلام عنهم، ويخدمون الناس، هؤلاء كأمثال أصحاب الحسين وكأمثال أصحاب أهل البيت، ولذلك قلت هذه المقاربة، ولو فرضنا أن الإمام موجود، لكان أول من نصر هؤلاء الشباب.
# ولماذا نُشغل أنفسنا بهذا الموضوع، والله وحده يعلم ويحاسب؟
– بلا أدنى شك، أنا ما نصبت نفسي وكيلاً عن الله في الارض، وأصلاً أرفض ذلك، ولي كلام موجود على وسائل الاتصال أنه مَن نصّبكم لتكونوا وكلاء عن الله في الارض، فتدخلون هذا إلى الجنة وذاك إلى النار.
# إذاًَ لماذا تطرقت إلى هذا الموضوع حتى انقلبت عليك وفُسّر الموضوع على النحو الذي سمعناه؟
– كنت أقصد أنهم لا يقلون رتبة من حيث الظاهر، أما من حيث الواقع فالله أعلم ما في النفوس، الذين جاهدوا مع الرسول (ص) اعتبرهم شهداء حتى أنه نفى الشهادة عن بعضهم ممن كان هدفه أن يأخذ الغنيمة وليس أن يدافع عن الاسلام، لكن هؤلاء تركوا الدنيا بحسب ظاهرهم تركوا المال والأهل وزهرة شبابهم ليقارعوا العدو الإسرائيلي، فلماذا لا نحملهم على الأحسن ونقول بأنهم لا يقلّون رتبة، أما الواقع أنا لا أعلمه ولست وكيلاً عن الله عز وجل.
# سبق لسماحتك أن انتقدت التجاوزات الحاصلة داخل المحاكم الشرعية من ظلم بإسم الدين. هل لك أن توجز لنا ما يحصل؟
– حالة المحاكم الشرعية في لبنان كحال باقي المؤسسات في هذا البلد، هناك بعض الاشخاص فيها قد يغيرون بعض الأحكام الشرعية لصالح المتنفذين هنا وهناك، ولا يلحظون تطبيق الحكم العادل الذي أمر به الله سبحانه.
# يعني باستطاعة النافذين تغيير الحكم لصالحهم في المحاكم الشرعية؟
– البعض منها وليس كلها يخضع للمتنفذين، فيظلم الناس في حقوقهم، وخصوصاً النساء وأكل مهورهنّ بالباطل لكي يحصلن على الطلاق، وظلمهن في بعض الأحيان بالتنازل عن حق الحضانة الثابت لهن، وتأخير إصدار الحكم في القضايا المتنوعة، مما يفسح في المجال لتعقيد المشاكل اكثر بين الأطراق المتنازعة، وربما من التجاوزات الأخلاقية كما نسمع.
# خطاباتك لم تقتصر على الدين، بل طالت الطبقة السياسية ايضاً، والخرافات الدينية التي يطلقها بعض المشايخ، رغم انك قلت أن لا أهداف سياسية لديك؟
– ابداً ابداً لا أهداف سياسية لي، بل رأيت وعلى صعيد الطبقة الدينية سأبدأ، ان خط أهل البيت ورسول الله (ص) يشوه بمثل هذه الخرافات التي تطلق على المنابر، فرأيت لزاماً عليّ وطبعاً لم أكن أقصد شخصاً بعينه، ومن قطّع الفيديوهات وأضع بين هلالين ملاحظة ان لا خبرة لي في عالم الـ((فايس بوك)) وأعتبر نفسي جاهلاً في هذا العالم، فالشباب الذين قاموا بالتقطيع، جاؤوا بشيخ يتحدث ثم يضعني لأرد عليه، بينما في الواقع لم أكن أرد على أحد، بل أناقش رواية هنا، مفهوماً هناك، كلاماً فقط. وما كنت أعترض على هذا الشيخ كشيخ على الاطلاق، وهذا ليس هدفي، بعض الأخوان هم من قاموا بذلك، وبعضهم ما كنت أعرفه اصلاً، وإلى الآن يوجد أشخاص يقطعون كلامي لا أعرفهم ابداً، وتوجد صفحات موجودة بإسمي اليوم على وسائل الاتصال تتحدث بإسمي، وتنقل كلامي و((يوتيوبات)) عني، لا أعرفها، وأشهد الله على ذلك، ولست أوظّف أحداً منهم، وأصلاً ليس عندي مال حتى أعطيهم على ذلك أجراً على الاطلاق. فكان هدفي فقط ان هذا الكلام يشوه صورة أهل البيت، وخط الاسلام الصحيح من جهة، ومن جهة ثانية يستغله بعض أخواننا من أهل السنة ويجدونه هدفاً ليشنوا الهجمات ضد الشيعة بأسرهم. ولذلك، رأينا كيف يخاطبوننا بأننا نقول انه ليس عندنا قرآن، وانما القرآن، هو مصحف فاطمة، وهذا من الاتهامات غير الصحيحة التي يساهم فيها مع الأسف بعض المشايخ الشيعة ويقولون قرآن علي وقرآن فاطمة. شيء مؤسف هذا، في الوقت الذي لا يوجد لدينا قرآن سوى هذا القرآن، ولا ندين إلا به، ولا نؤمن إلا به، وهو معجزة الله الخالدة، التي أرسلها لنا مع النبـي محمد (ص). رأينا مثلاً كيف يهجمون على تكفير الشيعة لمجرد ان عندهم بعض الأحاديث ان من شتم الصحابة فهو كافر، ويكفرون كل الشيعة على هذا الاساس، مما دفع هؤلاء اللعانين في داخل الطائفة الشيعية الى ان يكونوا سبباً في إهدار دماء الشيعة من خلال هذه الفتاوى.. يعني نحن نعطي المبرر للآخرين في الوقت الذي نحن فيه قلّة في العالم الاسلامي. يوجد مليار وستماية مليون نسمة، وكم يبلغ عدد الشيعة فيهم، فما هي المصلحة في إثارة هذه القضايا. هذا اذا أردنا ان نفكر كمصلحة دنيوية. اما اذا أردنا ان نفكر كمصلحة أُخروية، فأئمة أهل البيت رفضوا اللعن جملة وتفصيلاً، وفي صحيحة ابن ابـي محمود رفض الإمام الرضا اللعن جملة وتفصيلاً وحرمه على اصحابه. وهكذا الإمام زين العابدين والروايات موجودة، وقد تحدثت بها كثيراً. فالكلام هو انني وجدت ان خط أهل البيت يشوّه، ورأيت ان من واجبـي ان أقف لأتكلم في ظل هذا الصمت الكبير الموجود. أما على الصعيد السياسي، فقد استُغل كلامي عبر بعض الفضائيات من اخواننا، كـ((وصال)) و((صفا))، ويأخذونه كذريعة للهجوم على الشيعة، فقلت انني لست في وارد او صدد ان أهجم على أحد، واذا أخذ كلامي هذا السياسي او ذاك، او هذه الفضائية او تلك، وأرادت ان تأخذ ما تريده منه فلتأخذه بالكامل.. توجد بعض الكلمات التي أخذتها ((وصال)) مثلاً، كنت أتحدث فيها ضد السنّة والشيعة، فأخذت الجزء الذي ضد الشيعة، واقتطعت الجزء الذي أتكلم فيه ضد الخرافات الموجودة عند بعض السنّة. وأنا لست منـزعجاً على الاطلاق، بل أريد ان أبيّن للعالم السنّي ان هناك تشيعاً غير هذا التشيع الذي تسمعونه، فلا تحكموا على كل الشيعة بأنهم يحملون الأفكار نفسها التي تسمعونها على المنابر، ولا يمثل هؤلاء الذين يصعدون المنابر التشيّع الصحيح على الاطلاق. التشيّع هو دين محمد (ص) وعلي (ع) الذي حمله بأمانة من أهل البيت صلوات الله عليهم، الذين أرادوا ان نقف مع السنّة ومع غيرهم، الإمام الصادق أمرنا، صلوا جماعاتهم، عودوا مرضاهم، شيّعوا جنائزهم حتى يقولوا رحم الله جعفر لقد أدّب أصحابه. هذه هي الرسالة التي أريد ان أوصلها. وبالنسبة الى الطبقة السياسية، فالمطلوب ان تنتقد فهي ليست آلهة، كما ان العلماء ليسوا آلهة، ولا بد ان ينتقدوا ليصوّب عملهم، أنا لا أريد ان ألغيهم من مناصبهم، ولا أن أحرض عليهم، بل أريد ان أطلب منهم. اين مقومات العيش كلبناني، او سوري او سعودي او ايراني، كعراقي، كمصري او كأي إنسان موجود في اي بلد من هذه البلدان. أليس من حقي ان أطالب بحقوقي المشروعة؟ حق الطبابة، حق العيش بكرامة، أرخص شيء في لبنان اليوم هو الانسان.. الفوضى تعم فيه، وانتشار الرذيلة وبيع المخدرات، الرصاص والمفرقعات في اية مناسبة كانت، القتل والتفلت الموجود وحماية بعض السياسيين لأمثال هؤلاء، فنجد الجريمة تحصل كل يوم، لذا من حقي ان أنتقد هذه المواضيع. وأنا لم أنتقدهم في السياسات الخارجية ولا في إدارة ملفات كبرى، بل انتقدت شيئاً يخص حياة الناس.
# البعض اعتبر ان الهجوم الشرس الذي تعرضت له يحمل دوافع سياسية؟
– ممكن، وأنا لا أنفي. بل هذا أحد الأهداف الكبرى. وعندما انتشر لي الـ((يوتيوب)) الذي أتحدث فيه عن الزيادة الضريبية، وانتشر بشكل واسع جداً، وعند أخواننا السنّة اكثر من الشيعة، والشخص الذي قطّع الـ((يوتيوب)) شاطر فهو في كل قضية أتناولها، يأتي بقضية مشابهة في بلاد الغرب من ناحية أن من يدفع الضرائب عليه ان يتلقى الخدمات تماماً كما يحصل في الخارج، وعددت بعضها. وهذا أزعجهم كثيراً.
# وهل بدأت الحملة تلك على سماحتك من أشخاص او مسؤولين؟
– والله لست أملك معلومات بالتفصيل، ولكن الذي أعتقد به جازماً، وليس عندي دليل ان هناك مسؤولين حرضوا على ذلك، لأن الهجمة بهذا المستوى، لا يمكن ان تحصل إلا من خلال أياد خلفها. وإلا لماذا الهجمة عليّ منذ سبع سنين ولم تتوقف يوماً، وتوجد صفحات على الـ((فايس بوك))، دائماً تقطّع كلامي وتعترض ويهجم عليّ بعض الناس، لكنها لم تكن بهذا الحجم.
# ممكن برأيك ان يكون هناك تخوف من ان تؤدي دوراً دينياً – سياسياً؟
– ربما، هم يخافون من كل شيء، في الوقت الذي طمأنتهم مراراً انني لا أريد منصباً سياسياً ولا أريد زعامة دنيوية ولا دينية.
# هل لديك دلائل او معطيات على اتهامكم؟
– لا، قلت لك ليس لدي دلائل، لكن حرباً بهذا المستوى لا يمكن ان تأتي من أشخاص عاديين على الاطلاق. لا بد ان تكون هناك أياد كبرى خلفها حركتها.
# من الطائفة الشيعية؟
– طبعاً، وأعتقد أنه دفع فيها أموال كذلك، لأنه قيل لي من بعض الاشخاص المختصين، ان ما نشر على الـ((فايس بوك)) لا ينتشر بهذه السرعة وهذا الكم إلا اذا كان خلفها رؤوس كبيرة ودفع أموال. فلذلك قلت لك، لا دليل عندي، لكنني أعتقد جازماً.
# هُددت بالقتل، وقلت ان تصفيتك قد تسبب شرخاً داخل الطائفة الشيعية، ودعوت السيد نصرالله والرئيس بري الى منع الحملة الممنهجة عليك، وقلت ان الفتنة إن حصلت لن تحرق ياسر عودة فقط، بل ستطال الجميع وسينقلب السحر على الساحر؟
– طبعاً قلت ذلك.
# فسّر لنا سماحتك القصد من كلامك هذا؟
– عندما وجهت كلامي الى سماحة السيد نصرالله ودولة الرئيس نبيه بري، باعتبار ان بعض الاشخاص يتلطون خلف هذه الجماعة او تلك، بل ويتحدثون بإسمهم، لذلك قلت هذا الكلام من باب حرصهما باعتبارهما القطبين الأساسيين في الطائفة، وهما حريصان على ان تبقى الأمور هادئة داخل الطائفة كما أعتقد. فإذا كانا يهمهما الأمر، فعليهما إقفال ووقف هذه الحملة. واذا كانا يريدان معالجة الأمور، فلا تكون بهذه الطريقة.. يعني إن أخطأ ياسر عودة مثلاً في هذه الكلمة التي أخذوها، ولا أظن انها تستأهل، فممكن ان يصار الى اجتماع علمائي ما، يطالب فيه ياسر عودة بشرح وجهة نظره، وليكن على الإعلام، وتُدعى اليه الصحف فإن أثبت خطأه، يُطالب باعتذار علني وينتهي الموضوع، لأن ياسر عودة ما سفك دماً ولا استحلّ حراماً، ولا اعتدى على أنبياء ولا فعل شيئاً يستوجب كل هذه الحملة على الاطلاق، في الوقت الذي يتعرض فيه الى رسول الله، وإلى الكثير من الرموز في الطوائف، ولا نجد أحداً يحرك ساكناً او يتكلم. لكن أنا أعتقد ان الهدف كان إسكات ياسر عودة فقط وإبعاد الناس عنه، لأن الناس أصبحت تتأثر بكلماته، فأرادوا إبعادهم عني، فقط، هذا هو.
# جمهورك أصبح كبيراً كما يتردد؟
– ما سعيت يوماً الى ان يكون لي جمهور، ولا سعيت الى إذاعة او تلفزيون، بل أتى كل ذلك بشكل تلقائي. على كل حال كل ما أريده هو ان يرضى الله سبحانه وتعالى عني.
# واختصرت ان الانتقام منك هدفه إسكاتك ومحاربتك كما حورب سماحة السيد فضل الله قبل رحيله؟
– أصلاً وباعتقادي ان الحرب لم تكن على ياسر عودة، بل كانت على مؤسسات السيد محمد حسين فضل الله من خلال ياسر عودة ((وما يفكروا اني مزعوج لأني مش طالع على التلفزيون او الاذاعة، ابداً أنا مبسوط جداً، أصلاً ارتحت، وكفى الله المؤمنين القتال)). لكن لا يظنن أحد ان هذه الحملة لن تتجدد على المؤسسات في شهر رمضان المقبل، وفي عاشوراء المقبلة وفي مناسبة ذكرى رحيل السيدة الزهراء سلام الله عليها.
# لماذا في هذه المناسبات؟
– لأنه في كل سنة وفي هذه المواعيد، يشن الهجوم على السيد فضل الله وأتباعه ومؤسساته.
# تقول سماحتك ((على أتباعه))، هل يعني ذلك ان هناك شخصيات اخرى تهاجَم؟
– لا، في كل سنة يشن الهجوم على السيد فضل الله في هذه المناسبات، وبعد موته صار الهجوم على ياسر عودة، وهذه السنة طاول الهجوم ايضاً السيد علي.
# هل تعتبر نفسك في خطر سماحة الشيخ؟
– أنا بعين الله، وطبيعي ان أكون في خطر، نعم هُددت بالقتل والتصفية والاغتيال.
# من خلال اتصالات هاتفية؟
– لا على الـ((فايس بوك)) وبشكل علني. ولذلك قام المحامي بتسطير الدعاوى، ليس لحبس الناس بل لكي يأخذ منهم تعهداً بعدم التعرّض لي، وطلبت من المحامي ان لا يجرّم او يغرّم أحداً، بل أريد عدم التعرّض لي فقط، وهي سابقة مع الأسف، لكن ضمن الدائرة الدينية لا تأخذين حقك.
# هل اعترفوا؟
– طبعاً، والكلام كله مكتوب.
# وهل كشفوا من وراءهم وما كانت أهدافهم؟
– نعم، هناك أشخاص حرّضوا، ورفضت إقامة دعاوى عليهم، وبينهم معممون. في كل الحالات أتمنى ان يهديهم الله تعالى وأن يعودوا الى رشدهم، وأنا لا أريد منهم شيئاً، هذه ساحة مفتوحة للجميع، فليقدم كل إنسان ما عنده بكل أدب وأمانة علمية، والناس تختار اي دين تريد ان تدين به، او اي فكرة تريد ان تعتقدها.
# هل كتبت وصيتك؟
– نعم، طبعاً كتبتها منذ خمس سنوات تقريباً، عندما بدأت الحملة ضدي وهُددت يومها، وتم التحريض عليّ من قبل مشايخ للأسف. حتى ان بعض المشايخ قالوا: أسكتوه، واضربوه على فمه، وهو معروف ومسؤول عن مركز ثقافي. وأنا قلت انني لست خائفاً من ان أُقتل في هذا الخط، ولي أسوة بالذين سبقوني.
# هل تأخذ حذرك أمنياً؟
– لا، أعيش بشكل عادي كبقية الناس، وهم طبعاً يقولون ان عندي موكباً من ست سيارات، وقصر وغيره.
# وهل هذا صحيح؟
– تفضلت ورأيت بعينك ان كان هذا صحيحاً، ولكن يوجد مجموعة شباب يأخذونني ويكونون برفقتي في ظل هذه الحملة.
# ماذا عن الأتقياء من أصحاب الديانات الاخرى، قبل ان تنـزل رسالة الإسلام، وما حكم مَن لم يصل إليهم الإسلام ولم يسمعوا عنه؟
– توجد آية في القرآن تقول: ((إن الذين آمنوا)) ويعني المسلمين، ((والذين هادوا)) يعني اليهود الذين يرجعون الى يهودا، ((والنصارى)) اي الذين يعودون الى المسيح في الناصرة، ((والصابئين)) يعني صابئة المنديا الذين يرجعون الى يوحنا المعمداني وهم خليط من اليهودية والنصرانية وليس صابئة حرّان عبدَة الكواكب، لأن هؤلاء مشركون. اذاً، هؤلاء الاربعة اذا تحقق منهم شروط ثلاثة بنص الآية ((من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)). أَبَعْدَ القرآن حديث؟ السنة والشيعة بأكثرهم مخطئون في حكمهم على الناس أنهم سيدخلون النار، هذه الآية واضحة، ولو كان الله تعالى يريد ان يقول بأن اليهود والنصارى والصابئة قبل الاسلام، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فلماذا ذكر معهم المسلمين؟ لذلك أقول لك، ليس قبل الإسلام فقط، بل بعد الإسلام ايضاً، اذا تحققت عند الناس هذه الشروط الثلاثة، فالله سبحانه لا يعاقبهم ولا يدخلهم الى النار. الشرط الأساسي عند الله تعالى هو ان لا يشرك به، ويبقى أمر الجنة والنار والحساب والعقاب عند الله وحده.
# بالأمس مرت ذكرى اختطاف الإمام موسى الصدر ورفيقيه. وشاهدناك على صفحتك الرسمية على الـ((فايس بوك)) ترد بعنف على أحد المشايخ الذي هاجم الإمام المغيب، ماذا تقول في هذه المناسبة؟

إقرأ أيضاً: شتّامو الشيخ ياسر عودة الى القضاء.. ماذا عن شتامي الشيخ أحمد طالب؟

– أكرر ما قلته، ان هذا الإمام العظيم الذي يتحدر من سلالة آل شرف الدين الطيبة، ورفع مستوى الشيعة في لبنان، والذي يحلو لي ان أسميه الفاتح الكبير، الذي فتح عقول اللبنانيين على مصالحهم، وعقول الشيعة أتباع أهل البيت، وحاول بجهده الى أن أسس لهم مجلساً إسلامياً أعلى، وهو إمام الوحدة بين المسلمين، حيث كان رضوان الله عليه، وأعاده الله إلينا بالخير، من الدعاة الأوائل الى الوحدة الاسلامية بين السنة والشيعة التي يرفضها الكثير من هؤلاء الذين يزعمون انهم يدافعون عن الشيعة وعن أهل البيت، ومنهم اليوم من يجلس بعض المجالس ويتنصب بعض المناصب التي هيأها له الإمام الصدر. هذا الإمام من سلالة السيد محمد باقر الصدر الشهيد الكبير، الذي أعطى المكتبة الاسلامية الشيعية وأغناها بأفكار تجديدية وأول من كتب في الاقتصاد الاسلامي والمناهج الحوزوية، هو الذي رعى التعايش الاسلامي – المسيحي ودخل الى قلب كل لبناني وكل مسلم ومسيحي، واستطاع ان يتقرّب من جميع الطوائف بفكر أهل البيت وعقل أهل البيت وبأخلاق أهل البيت وبالممارسات القرآنية الصحيحة التي أرادها أهل البيت. هذا الإمام الذي دعا الى المحبة وكان إمام المحبة، ونحن في ذكراه يجب ان نقرّ بالجميل لهذا الإمام الفاتحي الكبير ويجب ان نقول لكل هذه الأبواق المتخلفة التي تهاجمه، ما الذي يجعلكم تتسلقون على هذه الجبال الشاهقة؟ فقط لأنك تريدون شهرة ام لأنكم تخدمون استخبارات، ام لأنكم تريدون ان تفرقوا بين المسلمين؟ وها أنا أحذر المسلمين في لبنان، وخصوصاً الشيعة، وبالأخص أخواني وعيني في حركة ((امل))، ان بعض هؤلاء الذي نطق بالشتائم وقالها للإمام الصدر، ومَن ينتمي الى مدرسته، يعتلي بعض منابركم، ويبث السموم في أفكار شبابكم، فانتبهوا، والحذر الحذر، لأن هؤلاء ليس عندهم جهاد في سبيل الله، وليس عندهم مقارعة الظالم، وليس عندهم محبة الناس ولا الانفتاح على الناس كما أمر الله ورسوله وأهل بيته، وليس عندهم إقالة عشرة مؤمن ولا إسداء النصيحة إلى مسلم، هؤلاء ليس عندهم إلا لغة الاقصاء والبغض والضلال والتفرقة بين المؤمنين، وبين الطائفة الواحدة والجسد الواحد، فالحذر الحذر الحذر.

إقرأ أيضاً: الشيخ ياسر عودة: السيد علي فضل الله لم يتخل عني..

# بعد هذا الحديث الناري سماحة الشيخ. ماذا تتوقع أن تكون ردات الفعل عليه؟
– وماذا سأتوقع؟ أن يجددوا الحملة؟ ممكن جداً وعلى كل حال، لولا إصراركم على ذلك، كنت أفضّل أن أبتعد قليلاً عن أجواء الصحافة، وبما انك أصررت على ذلك، ما أحببت أن أخيّب أملك.

آخر تحديث: 15 سبتمبر، 2017 7:41 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>