أحمد اسماعيل والشيطان والقهوة الأمنية

قيل إن الأمن العام في لبنان يتجه إلى اتخاذ قرار منع عرض فيلم الرعب الأميركي “أنابل 2: الخلق” (2017)، لديفيد ساندبرغ، وذلك بعد اجتماع “اللجنة الخاصّة” بمُراقبة الأفلام السينمائيّة وهي متشعبة الوزارات والطوائف وكأنها “مجلس الدفاع الأعلى”. وتردد أن فيلم “The Pilgrimage” أيضاً سيمنع بعد اجتماع لجنة الرقابة التي ضمّت الأب عبدو أبو كسم والأب اثناسيوس شهوان وغيرهما، والسبب “المس بالدين والشعائر الدينية”. وبحسب جريدة النهار ، يقول الرقيب: “في الفيلم يحاول الكاهن أن يخرج الشيطان من الدمية المسكونة ليتبين في الأخير ان الشيطان هو المنتصر”. وهنا يطرح الرقيب كيف نسمح بعرض فيلم عن انتصار الشر على الخير، خصوصاً إذا كان الخير رمزاً دينياً؟”. وسابقاً منع فيلم “Rings” للأسباب عينها.

من دون شك أن الرقابة اللبنانية ترضي دائماً جهات طوائفية، اسلامية ومسيحية، وأحيانا أمنية، ومرات جهات اقليمية سورية أسدية، وإيرانية ملالية… ولا جديد يمكن قوله سوى التهكم من محاولة البعض الوقوف في وجه الخيال السينمائي.. تتطرق السينما الى الأديان وتحاول أن تبتكر وتجد أفكاراً جديدة تتخطى الواقع و”المحرمات”، وهذا الأمر بات مألوفاً بقوة في العالم الغربي. في لبنان، يبدو أن الرقابة الدينية تحاول أن تمارس حرباً ضد الخيال، هي حرب فاشلة ولم تعد مجدية، بل تساهم في الترويج للأفلام وإن منعت من العرض. فالفيلم الممنوع، عدا عن عرضه في أوروبا، وحتى في عمق العواصم المسيحية، فهو عرض في دول كالإمارات أو الكويت أو الجزائر أو قطر. وبررت بعض المصادر أن هذه الدول إسلامية، على عكس لبنان الذي تشكل فيه الطائفة المسيحية نحو 50%”…

والحال إن الرقابة حين تمنع عرضاً في صالة أو على شاشة تلفزيون، لا يعني أنه يمكنها منع انتشاره في العالم وفي الانترنت، الذي بات الوسيلة الميديائية الأهم لدى الشعوب، إذ يصل الى الكبير والصغير، في البيت والشارع والمكتب والسيارة والمقهى وربما الجرود.

بات المنع أقرب الى الأضحوكة، بغض النظر عن نوايا لجنة الرقابة وحرصها على الطقوس والشعائر. وهم باتوا يزايدون على العالم أجمع. مع التذكير أن الشارع “الديني” تحركه الغرائز، وقد يلجأ الى الحرق والتكسير لمنع فيلم، وتبقى الرقابة المسيحية هينة مقارنة بالاسلامية.

لنقل أن الفيلم الممنوع يمس الشعائر الدينية، وتعترض عليه فئة من اللبنانيين. كل طائفة أو جهة دينية، تظهر خطها الأحمر، فنصبح وطن الخطوط الحمر بامتياز. من رواية “شيفرة دافنشي” الى فيلم “مولانا” وإلى آخره.

إقرأ أيضاً: أحمد اسماعيل يكذّب بيان الأمن العام: التحقيق كان سياسياً

لكن، ماذا عن فضيحة التحقيق مع المواطن اللبناني أحمد اسماعيل، والأسئلة الغريبة العجيبة، المريبة والمهينة، التي طرحت عليه، مع توجيه التهديدات له بأسلوب مراكز الشبيحة. في إطار أي قانون يأتي هذا الأسلوب؟ ما قاله أحمد اسماعيل بعد توقيفه والتحقيق معه، يستدعي الكثير من الكلام حول ما آلت اليه أمورنا. أحمد اسماعيل مناضل ضد العدو، وأسير سابق في معتقلات اسرائيل، وناشط سياسي واستقلالي.. لكن كل هذا ليس بالضرورة توافره لندافع عن أحمد. المسألة تتخطى هذه الأمور الجديرة بالاحترام. القضية ان أحمد مواطن قبل كل شيء، تستدعيه جهة أمنية رسمية وتحقق معه بطريقة مريبة، تجعلنا نخاف على حريتنا الفردية ونتوجس من كل شيء، كأن الجهة التي تحقق معه حزبية أكثر منها رسمية، يريدون منع أحمد اسماعيل من انتقاد وئام وهاب (الذي لا يفلت أحد من لسانه) وسوريا وإيران و”حزب الله” وجبران باسيل. يريدون منعه من الحديث عن الخمر في بلاد النبطية، مع تذكيره بأن “ثمنه رصاصة” (هل باتت الجهة الأمنية متخصصة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟).

ما حصل مع أحمد أسماعيل، في جزء منه، يظهر التوجه العام لأطر الهيمنة على الدولة اللبنانية… قال أحمد اسماعيل ما قاله، ولم نلاحظ اهتمام الإعلام اللبناني المرئي الذي يدعي انه يتبني القضايا المدنية، ويبدو أنه تحول “إعلاماً حربياً” في المدة الأخيرة.

إقرأ أيضاً: من أحمد اسماعيل إلى الحزب الشيوعي وحنا غريب

الاستدعاء واحتساء القهوة الأمنية، صار “موضة” مخيفة، تذكرنا بشبح “المكتب الثاني” الذي أرهق المرحلة الشهابية والناس… تتحرك بعض الأجهزة وتستنفر على تعليق فايسبوكي ساخر، أو يكون نتيجة “فشة خلق” في بلد الكوارث والمغانم والبؤس السياسي، وتوقف صاحبه، لكنها تتفرج على صحافي كتب يهدد بالقتل والسحل ويخون ويتهم ويتوعد، كأنه الناطق الرسمي باسم الجهة المهيمنة.

كل شيء مريب في هذا البلد، تُفتح ملفات فجأة، وتقفل فجأة، توجه بوصلة الاتهامات الى شخص فجأة، وبعد يومين توجه بورصة “الفضائح” الى أهم مؤسسة أمنية ثم تقفل. هو الإرث نفسه، الباقي من زمن “البوريفاج”، وإن تغير المسيطر والحاكم، يبقى “أبو عبدو” حياً في الأذهان.

آخر تحديث: 20 أغسطس، 2017 4:27 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>