نفط وغاز.. حُلمٌ ونعمة أم كابوس ونقمة في بلاد الأرز؟

"نفط لبنان" أو "لبنان النّفطيّ"... عنوانٌ يُرهب السّامعينَ ويدهش الناظرين، يَقطعُ الأنفاسَ ترقّباً، ويدعو للمُتابعة والتدقيق والإصغاء، علّ ما نسمعه طرفةً أو نادرةً من نوادر أبطال السّياسة المعتادة، أو لربّما الموضوع خيالاتٍ دون كيشوتيّة!!

طالما عرفنا “لبنان الأخضر” – وإن انحسرت غاباته مع توالي العقود إلى يومنا هذا – مرتعاً للسّياحة والجمال والرّفاه والتّجارة، يعتمد في اقتصاده بشكلٍ أساسيّ على القطاع الثّالثيّ، وفي موارده على رأسماله البشريّ وطبيعة تضاريسه ومناخه. أمّا النفط، فهو ما كان من أكثر المُستبعدات تواجداً وارتباطاً باسم لبنان لما نُشر وانتشر على مدى السنين، من معلوماتٍ حول ضآلة الكمّيات التّي لا يَسُدُّ ثمنها كلفة استخراجها.

اقرأ أيضاً: الثروة النفطية بين التكوين والتنقيب في لبنان

لبنان ومحيطه
وأُغلقَ منذ عهود هذا الملف، وأُقفِلَت الأدراجُ خلفه، ليُفتحَ مُجدّداً على طاولة مدٍّ وجزرٍ بين الدّولة اللبنانيّة وكلّ من قبرص وسوريا والكيان الإسرائيلي، بعد اكتشاف حقول الغاز شرقي المتوسّط في المياه الإقتصاديّة لتلك الدّول. وهنا أطلق الكيان الإسرائيلي ضجيجاً إعلاميّاً صاخباً، تحت عناوينَ التّهديد والوعيد والتّلويح بالحروب عند أيّ تعدٍّ على “حقوقها” في تلك الحقول، أو أيّ “تعدٍّ على القانون الدّولي” وفق تعبير وزير البنى التّحتيّة القوميّة الإسرائيلي عوزي لنداو، ناكراً وبشكلٍ صارمٍ أيّة حقوق لبنانيّة في الحقول المُكتشفة.
وأعرب مسؤولو الكيان الإسرائيلي المعادي عام 2011 عن التّوصل إلى صيغ تفاهمٍ مع قبرص لترسيم الحدود البحريّة بينهما، إضافة إلى أن قبرص أعلنت عن مناقصاتٍ لأعمال التنقيب عن الغاز في مياهها، على مقربةٍ من مخزون الغاز الّذي اكتشفته إسرائيل، وتقدّمت شركة إسرائيليّة-أميركيّة للمشاركة في المناقصة وفازت بتنفيذ 33% من أعمال التنقيب .
بدأت قصةُ لبنانَ مع النّفط منذ عهد الإنتداب الفرنسي عام 1926، حين أَصدر المفوّض السّامي تشريعاً أجاز فيه التنقيب عن “مناجم النفط والمعادن وإستخراجها وإستثمارها”، ثم تتالت الدّراسات الجيولوجية في هذا المضمار في العام 1932 والعام 1955.
مستندات غائبة
وقد حاولت “وزارة الطّاقة وكلّ الطاقات” اللبنانيّة العمل على أرشفة كل ما يتعلّق بالتّنقيب عن النّفط في لبنان منذ عهد الإنتداب إلى العام 2000 ، إلا أنّ الملفات بمجملها لم يُعثر على أثرٍ لها، بحيث أن فوضى الحرب الأهليّة اللبنانيّة أضاعت أغلب المعطيات. وما بقى من معلومات، فكان مُجرّدُ أحاديثَ لبعض الخبراء المختصّين الّذين عاصروا تلك الحقبات وأعمال التّنقيب.
لكن بالطّبع لا يمكننا البّتة الإعتماد على تلك المعلومات في غيابِ المستندات التّي تُثبِتُ صحّتها، ونلاحظُ بشكلٍ جليّ في معظم وسائل الإعلام، إنتشار معلوماتٍ وأرقامَ تطال كميّات النفط والغاز وتضع تقديراتٍ ماليّةٍ لهذه الثروة الكامنة تحت البحر، لكن “ما ذلك سوى تحليلاتٍ لا تمتّ للحقائق بصلة!!”
المسوحات اولاً
في معرض التّصنيف التّقني، يُقسم التنقيب النفطي إلى شقّين : التنقيب في البحر والتنقيب في البرّ، وما يدخل عتبته لبنان الآن يندرج في إطار العمل البحري، حيث صدر القانون الرّاعي لأعمال التنقيب مختصّاً بهذا الشّق، أي التنقيب البحري فقط. صدر هذا القانون “قانون الموارد البتروليّة في المياه البحريّة” الّذي يحمل الرقم 132 بتاريخ 24/08/2010 ، بعد جدالٍ سياسيٍّ طويل منذ عام 2007 ، ومبارزة بين مشروع قانون النائب “علي حسن خليل”، واقتراح قانون من الوزير “جبران باسيل”، كانت الأرجحيّة بينهما لمشروع القانون مع تعديلاتٍ طفيفةٍ عليه.
بعد صدور القانون، بدأت المُسوحات البحريّة ثنائيّة وثلاثيّة الأبعاد (D2 و 3D)، هذه المسوحات لا تجزم ولا تؤكد وجود النفط، بل تدُل على تواجد أو عدم تواجد المواصفات الجيولوجيّة للآبار والخزّانات النّفطيّة، ويُمكن أن تكون هذه الخزّانات فارغة، أو ما تحتويه ليس بالبترول . إذاً هذه المسوحات هي للفرز الأولي للمناطق التّي يجب التّنقيب فيها، وليست عنصر تأكيد على وجود النفط في تلك المناطق الجيولوجيّة.
ثلاثة أقسام
تنقسم الآبار المُنقب عنها إلى ثلاثة:
• الإحتياطي الممكن، الّذي يتِم كشفه من المسوحات السّطحيّة الثّنائيّة الأبعاد.
• الإحتياطي المُحتمل، الّذي يتِم كشفه من المسوحات الثلاثيّة الأبعاد (من العمق البحري).
• الإحتياطي المؤكّد والّذي يُكشف بعد الحفر وتلك الدّراسة التّحليليّة تقوم بها شركة فرنسيّة ربحت المناقصة التّي قامت بها وزارة الطّاقة على أن تقدّم التّقارير النّهائيّة في نهايّة شهر تمّوزالماضي.
بالنّسبة للتّنقيب البّري، كلّ ما يتعلّق بمعلومات ومُعطيات عن أحداث وعمليّات التّنقيب السّابقة مفقودة (بحسب وزارة الطّاقة)، حتّى أنّ تمّ البحث عن الشّركات الأجنبيّة التّي كانت تتولّى التّنقيب ماضياً، ولم يعد لها أيّ أثر، والمعلوم أنّه تمّ حفر آبار في كلٍّ طرابلس، تربل، القاع، عدلون، سحمرو يحمر، ومناطق عديدة أخرى، وأعيد إقفالها لدواعي تمّ ذكرها سابقاً.
ولإعادة البدء في التّنقيب في تلك المناطق وإعادة فتح تلك الآبار، العمليّة بحاجةٍ إلى قانونٍ آخر يرعى التنقيب البترولي في البرّ، مع حفظ الحقّ بالتّساؤل هنا، لماذا لم يُعد قانون التّنقيب البترولي ليشمل البحر والبّر معاً؟ وهذا التّساؤل رهنٌ بمن صاغ القانون وأصدره.
مع التنويه بأن التّنقيب البترولي في البرّ أسهل نسبيّاً وأقل تكلفةٍ من التنقيب البحري. لكن ماذا بعد النفط إن تحققت الأعجوبة وسارت الأمور على خير ما يُرام في كل حيثيات التنقيب والإستخراج والإستثمار؟
صندوق سيادي للاستثمار
والسّؤال الأول المطروح جدّيّاً على شفير المرحلة المقبلة أو مرحلة ما بعد المماطلات البائسة (ربمّا لسنين!!)، هو هل سيتحوّل لبنان من إقتصاد ريعي بمعظمه إلى ريعي بالكامل؟ والجواب الأقرب إلى أذهان المحللين الإقتصاديين هو “نعم” في حال الإستمرار في تكريس توجّه الإبتعاد عن التّصنيع، القطاعات الإنتاجية بصورة عامّة، والإعتماد على الرّيع لتطوير النّاتج المحلّي. لكن حسب قانون النفط، نصّت المادّة الثّالثة منه، “مبادئ إدارة البترول”، على التّالي:
1 – يهدف هذا القانون الى تمكين الدولة من ادارة الموارد البترولية في المياه البحرية.
2 – تودع العائدات المحصلة من قبل الدولة الناتجة عن الأنشطة البترولية أو الحقوق البترولية في صندوق سيادي.
3 – يحدد نظام الصندوق ونظام ادارته الخاصة، ووجهة استثمار وتوظيف واستعمال العائدات بموجب قانون خاص بالاستناد الى مبادئ وأسس واضحة وشفافة للتوظيف والاستعمال، تحتفظ من خلالها الدولة برأس المال وبجزء من عائداته بمثابة صندوق استثماري للأجيال المقبلة، وتصرف الجزء الآخر وفقا لمعايير تضمن حقوق الدولة من جهة، بما يجنّب الاقتصاد أية انعكاسات سلبية محتملة على المدى القصير والطويل.
إذا من خلال هذه المادّة نستنتج أنّه من المُقرر إستثمار العائدات النّفطيّة في القطاعات إنتاجيّة طويلة الأمد، تحفظ حقوق الأجيال المقبلة من هذه الثّروة ، يرعاها الصّندوق السّيادي، على أسس مخالفة لقوانين الرّيع. لكن المخاوف من الأزمة تبقى قائمة، خصوصاً أن الكيان الإسرائيلي نفسه، يشهد نقاشاً جدّياً حول كيفية الإمكان بتفاديها.
الآن من الصّعب التّكهن كيف ستكون الأوضاع الإقتصاديّة في لبنان بعد النّفط، رغم كل شيئ ما زلنا لا نملك المُعطيات التقديريّة عن الكمّيات المتواجدة في الحقول، بغض النظر عن تصريحات بعض السياسيين المُستخدمة ربّما في صناعة العناوين الجاذبة.
ثمّ أنّ الأسعار العالميّة للنّفط والغاز هي التّي تحكم الأسعار وبالتّالي التّقديرات الحسابيّة عن المبالغ الماليّة المنتظر تدفّقها إلى الصّندوق السّيادي، وهذه الحسابات بحاجة لدراسة جدوى ماليّة دقيقة جدّاً.

غلاف شؤون جنوبية
مهمَّات
وفي مقلبٍ آخر، على صعيد الدّاخل السّياسي اللبناني، إن قرأنا مستتبعات النّظام الطّائفي، أين سيكون قطاع النّفط؟ في أيّة خانة حزبّية أو فئويّة؟ أو طائفيّة بالأحرى؟ الجميع في ترقّب ما ستنتجه المراسيم التطبيقيّة لقانون النّفط خاصّةً بما يتعلّق ب”هيئة إدارة قطاع البترول” والّتي تتمتّع بالمَهمّات التّاليّة:
أ – وضع دراسات لجهة الترويج للموارد البترولية المحتملة في لبنان.
ب – رفع تقرير الى الوزير حول تقويم مؤهلات وقدرات مقدمي طلبات الترخيص للحقوق البترولية.
ج – إعداد مشاريع دعوات المشاركة ودفاتر الشروط والتراخيص والاتفاقيات المرتبطة بها وفقاً لأحكام هذا القانون.
د – معاونة الوزير بالتفاوض حول اتفاقيات الاستكشاف والانتاج ورفع تقارير حول نتيجة هذه المفاوضات للوزير لاتخاذ القرار النهائي في مجلس الوزراء.
ه – الادارة والمتابعة والاشراف والمراقبة على الأنشطة البترولية وحسن تنفيذ التراخيص والاتفاقيات ووضع تقارير دورية فصلية بهذا الشأن ورفعها للوزير للتصديق عليها.
و – تقويم خطط تطوير الحقول ونقل البترول ووقف الأنشطة البترولية وإزالة المنشآت.
ز – إدارة بيانات الأنشطة البترولية.
ح – مسك وإدارة السجل البترولي.

اقرأ أيضاً: قانصوه: لماذا التهرب من إنشاء وزارة للنفط؟

باختصار من يُمسك بزمام هذه الهيئة، يُسيطر على هذا القطاع الّذي سيكون من أكثر القطاعات حيويّة في البلد، حيث ينتظره الجميع بهدوءٍ مُستغرَب وترقُّب.
ولكن على لبنان وقبل أيّ شيئ، أن يعمل على تفادي حصول وتفاقم أزمة المرض الهولندي، على الأقل من خلال إدارةٍ حكيمة ومُستقلّة لهيئة إدارة قطاع البترول وللصندوق السّيادي المتخصّص، بعيداً عن التّصنيفات الحزبيّة والطائفية، خارج بوتقة الفساد والنهب والسّرقة، مُفعّلين أمور الرّقابة عامّةً، وفي هذا المجال خاصّةً.
انطلاقا من ذلك كله فان دخول لبنان السّاحة النّفطيّة، لهو فعلاً من أهم وأبرز الإستحقاقات الاقتصادية التّي عرفها وسيعرفها، وإن لم يستدرك الأمور ويحافظ على هذه الفرصة الذّهبيّة لتسوية أموره وأوضاعه، إقتصاديّاً وإجتماعيّاً وعلميّاً، إضافةً إلى الإستفادة من سلطة القرار السّياسي التّي سيمتلكها بين الدّول، وبالتالي عدم مقاربة هذا الاستحقاق بمنهجية تنتمي الى منطق الدولة سيفقد لبنان أثمن المراحل نجوميّة له على السّاحة الدّوليّة، وسيغرق أكثر بدوّامة الأخطاء الفادحة التّي لا يمكن أن تُغتفر.. وربما قال الجيل القادم كان النفط نقمة وليس نعمة.

(هذه المادة نشرت في “شؤون جنوبية” العدد 164 صيف 2017)

 

آخر تحديث: 12 أغسطس، 2017 12:58 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>