عرسال… 100 قتيل

حين كانت جبهة النصرة تهدد باعدام الدركي علي البزال في جرود عرسال، كانت ترفق التهديد بتسجيل موجه إلى حزب الله مضمونه “من سيدفع الثمن؟”. وبغض النظر عن البروباغندا والصراع بين قطبي “الاسلام السياسي” المتطرف بشقيه السني والشيعي، أو جبهة النصرة وحزب الله، السؤال ليس “من سيدفع الثمن”؟ بل “من دفع الثمن”؟

في عرسال، عدا عن ضياع مواسم الكرز والمشمش، والبطالة والبؤس البيئي، والتوتر مع الجوار(الشيعي) وهذه أمور صارت معروفة، ثمة جانب لم ينتبه إليه الكثير من الإعلاميين والاعلاميات، وربما هم غير معنيين به، باعتباره لا يتضمن اثارة وتشويقاً، وليس مصدره “الإعلام الحربي”، وليس كهفاً أو سرداباً لأمير “النصرة” أبومالك التلي (الشامي)، لكي يتسابقوا على الدخول إليه ونبش أسراره وكراكيبه وحتى استنشاق روائحه وتصوير صخور دشمه وحضيضه ورماده. والقصد بالجانب المهمش أو غير الموثق حتى الآن، هو عدد الضحايا والقتلى في عرسال، الذين قضوا بشظايا الحرب السورية، او شظايا حرب “حزب الله” و”النصرة” أو ضحايا التنازع والولاءات…

اقرأ أيضاً: مسيحيّو لبنان بين العسكر والعسكرة

فكثيرون لا يعلمون، ومنهم الكثير من العراسلة، أنه قتل في عرسال ما يقارب 100 شخص من عرسال نفسها، منذ بداية الحرب السورية العام 2011، وهو رقم ليس بقليل أو يوازي مجزرة، لكن يبدو أن السلطة اللبنانية تعاطت مع عرسال كأنها جزء من الأزمة السورية وليست ضمن الخريطة اللبنانية، وبقيت الأمور عالقة، وتحولت الحياة اليومية في هذه البلدة إلى مجرد خبر عابر في “الوكالة الوطنية” اللبنانية وانتهى الأمر. واحياناً، كانت مجرد خبر مفخخ بكذبة من هنا، وتهمة من هناك، وأحياناً لم يكن القتل سوى كلمة لتضخيم هول الإرهاب (خصوصاً أن عرسال كان جسمها لبيساً في خضم الصراع). وفي أحيان أخرى، كان يُطمس مضمون الخبر طمساً شنيعاً. كانت عرسال بؤرة للصراع وشد الحبال والتناتش والخبر العاجل، ومتروكة لمصيرها، وأهلها فجأة انتبهوا أنهم أصبحوا في المستنقع وليس بمقدورهم فعل شيء.

والقتل كانت له أشكال مختلفة وبتُهم مختلفة، بين جريمة واغتيال وتصفية ومجزرة، وبين تُهم العمالة لـ”حزب الله” والداعشية والتواصل مع الجيش، وتهم ملتبسة، شأن السياسة اللبنانية نفسها، وتُهم غير موجودة وُجدت لتبرير القتل، من دون أن ننسى الصراعات الشخصية والعصاباتية. فبعض العراسلة قتلوا على أيدي الجماعات السورية المسلحة (كمال عزالدين نموذجاً الى جانب مجموعة كبيرة من الشبان)، وبعضهم قتلوا برصاص مصدره مراكز يسيطر عليها “حزب الله” (المزارع حسن الفليطي نموذجاً)، ولا ننسى أيضاً قتلى معركة 2 أب (16 قتيلاً مدنياً نصفهم من الأطفال)، من بين القتلى عمال مناشر مثل (محمد الحجيري -“البزوري” قتل بقناص معلوم ومجهول) ودركي (زاهر عزالدين اغتالته داعش أمام زوجته) وعسكري (خالد عزالدين قتله أحد الدواعش)، وأطفال (ابناء زاهر الحجيري الأربعو وثلاثة آخرين قتلوا بصاروخ معروف المصدر أمام بيتهم)، وعائلة (ابو هيثم الحجيري وابنه قتلا بقصف الطيران السوري على منزله في سهل العجرم وأصيبت زوجته، وعائلة من آل فارس في محيط مشاريع القاع). وهناك القتلى من المطلوبين للدولة للبنانية (رقمهم ليس بقليل). وجرت محاولة قتل المختار محمد علولة، وأصيب سائق الشاحنة حسين الحجيري بصاروخ من موقع لـ”حزب الله”. وبعض القتلى كان ضحية عمليات ثأر لا علاقة لهم بها (حسين الحجيري(المختار) ومحمد دخان). وكانت للخطف حصة أيضاً، إذ خطف الاستاذ عبد الخالق مطر وجندي من آل الفليطي والأرجح أنهما قتلا. وكان آخر ضحايا الحرب الوسيط أحمد الفليطي في وادي حميد.

وما حصل في عرسال لا يختلف عن الواقع اللبناني على امتداد أراضيه، فالسلاح المتفلت كان سهل الاستعمال، وبات الجيل الجديد يستسهل الجريمة والقتل في خضم الفوضى، فإذا كانت الجرائم تحصل بسهولة في العمق اللبناني (الأشرفية والجميزة) فكيف في ما يسمى “الأطراف”؟ وغالباً ما بقي القتل في عرسال في دائرة الالتباس والغموض والتورية وأحياناً الوضوح الفج، فكانت تسقط القذيفة من الغرب يقولون من الشرق، او يصاب شاب في ساقه ويموت اثناء نقله ويقولون انه انتحاري (مجرد استعمال هذا التوصيف هدفه رفع منسوب الهول، وتبرير كل ما يحصل). والدولة اللبنانية فضلت أن تبقى على أطراف الأطراف، وكان نصيبها كبيراً من شظايا الحرب السورية على الأرض العرسالية (عشرات العسكريين).

وعدا القتلى في عرسال، هناك العشرات من الشبان الموقوفين بتُهم متنوعة، إما التهريب أو الارهاب أو الانتماء الى الجماعات المسلحة او التواصل معهم. وأحياناً بلا تهمة يلقى الشاب نصيبه. وهناك مجموعة كبيرة من المطلوبين والمشردين في التيه، فوق كل ذلك السمعة السيئة… بمعنى ما، عرسال شبه منكوبة اجتماعياً.

بالطبع من دفع الثمن؟! موضوع طويل وطاول كل لبنان، لكننا اخترنا عينة من عرسال التي كانت في فوهة الصراع. فهل ننتبه إلى ذلك؟

آخر تحديث: 8 أغسطس، 2017 1:44 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>