دين جدّتي وعمّتي

كانت جدّتي لأمّي الحاجّة زينب بنت الشيخ خليل الزين وعمّها الملقّب بأبي ذرّ جبل عامل، العالِم المجتهد الشاعر الزاهد الشيعي المسلم المستقيم الشيخ عبد الكريم الزين، والد المشايخ المميّزين علماً وسلوكاً وأدباً، الشيخ محمد حسين والشيخ علي أبو الدكتور حسن جدّ الأستاذ جهاد، والشيخ جعفر؛ حفيدة الشيخ حسين الزين المجتهد واللغوي الذي لُقِّب بسيبويه الثاني، وكان عندما يقرأ درسه يهديه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، لأنه باب مدينة العلم…، كانت جدّتي شقيقة العالِم الطيّب الموالي لأهل البيت، من ولائه لهم سَكَن في قلب بيروت وصار جزءاً منها، مبكراً، من أهلها (السنّة خاصة) ومن مشايخها ومرضاها وأهل الحاجة منها. جدّتي حجّت سبع مرات ولم تأبه لاعتراضي، وزارت مراقد أئمّة أهل البيت في العراق ستّ مرات، وزارت الإمام علي الرضا (ع) مرّةً في خراسان. وكانت حريصة على أمور كثيرة، أنا منها، ومنها جان الحداد، النجّار في النبطية، الذي لم تكن تثق بغيره ليصلح لها الكمكة والقفص والنملية والمجرفة والمنطاع والقدوم وعود الحراثة والنير والطاولة الفرش والمد الخشبي وباب البايكة. تدلّلـه وتخصّه بالكبّة النيئة والزيت والزيتون والبندورة البعلية والبصل الأخضر. كانت لا تتسامح معي، أنا شيخها، بأيّ تفصيل ديني، وتتّهمني بالفسق إذا حاولتُ أن أشرح لها الرخص الشرعية في العبادة والعمل. لا تقبل. يا ستّي، هذا الرجل سنّي، أقول لها عن ضيفي. يا بني، المهم آدمي و”كل مين عدينو الله يعينو”.

اقرأ أيضاً: يراعتي وعمامتي والحرب

كانت عمّتي الكبرى خديجة، جارة جدّتي، وكان زوجها مزارع تبغ، صغيراً كأبي وعمّي وخالي وجاري، وكانت شركة حصر التبغ والتنباك (الريجي) تمنعه من التصرّف ولو بورقة واحدة من تبغه الذي زرعه وربّاه وقطفه وشكّه وشمّسه ووضّبه أكثر من مرة. وإذا تصرّف عوقب. وقد أنشأت شرطة خاصة لهذا الغرض. عذّبتنا كثيراً، الله يسامحهم. هكذا كان لا بدّ من تهريب التبغ البلدي المفروم، إلى محبّيه في المدن والقرى التي لا تزرعه (الجبل عموماً، ما عدا الكورة والبترون وعكار). وكانت المجموعة التي تتحمّل مسؤولية التهريب في الليل، شتاء خاصة، وصيفاً، من اللاجئين الفلسطينيين في مخيّم عين الحلوة. أذكر منهم عوض، الذي ظلّ يزورني بشوق وحنان حتى أوساط السبعينيات. وأذكر عرسان الأشقر. كانوا سنّة. وكانت جدّتي لأبي، عندما تسمع حوارهم مع مستضيفهم صهرها، تلحق بهم إلى خارج الغرفة وتنصحهم بأن لا يردّوا على صهرها وأصحابه، وعليهم أن يبقوا شيعة أوادم، يحبّون السنّة ولا يخونونهم! وكانت عمّتي تخدمهم برموش عينيها. في منتصف الليل تبحث عن مكان تنام فيه هي وأطفالها، كي يناموا هم براحة في الغرفة الوحيدة، التي اتسعت حتى وسعت لفلسطين ولبنان والسنّة والشيعة وغيرهم أحياناً من مسيحيين مهرّبين لا أذكر أسماءهم.
جدّتي علّمتني لازمات التعبير عن خصوصيات الانتماء الشيعي، كمركّب من مركّبات الهوية التي يزداد جمالها وفعلها كلما كانت أشدّ تركيباً وأدوَم حواراً.
كانت تقرأ عليَّ معتقدها المبسط، إلى حدّ أني حتى في طفولتي كنت أراه ساذجاً. عندما تعلّمتُ قليلاً، ضحكتُ منها وعليه، وعندما تعلّمتُ أكثر من قليل، أسرني بعمقه وجماله، فعدتُ إليها، متحرراً من كتب المتون والشروح التي لا تمتّن ولا تشرح، لأن أدلّتها وكلامها لا يأتيان من القلب. تمنيتُ إيمان الفطرة والعلم سياجاً له.

جدّتي وعمّتي وأمّي وجارتي وكل نساء الضيعة، كنّ يتلين عليّ صلاتهنّ لأصحّحها، وعقيدتهن من دون طلب لخدمتي فيها، لأنها نهائية!
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وتكمل: وأشهد أن علياً وليّ الله. تتوقف وتسألني، هل صحيح أن هذه ليست جزءاً من الأذان؟ ماذا يقول المرجع؟ أجيب بأنهم جميعاً لا يقولون بأنها جزء من الأذان، وبأن قولها يمكن أن يكون من المستحبات، بشرط عدم نية الجزئية. أشرح وأشرح، ولا تفهم. ثمّ أكفّ أنا عن الفهم، لأني أحبّ أن أبقى في جوار قلبها وعلى مسلكها.
يا ستّي، بتحبّي أهل السنّة؟ والله، أنا بحبّ الناس الأوادم. غير الأوادم، لا أعرفهم، حسابهم على ربّهم، أكره فعلهم ولا أكرههم ولا أكره أمهاتهم وأبناءهم. الشيعي اذا لم يكن آدمياً، أدعو له. وهل تدافعين عنه؟ أدافع عن ماله وعرضه وحياته وأهله، ولا أدافع عن أفعاله السيئة ولا أعاديه. كيف ما بتعاديه؟ تردّ بحسم: ولو، ما أنت تعرف أن حرامي الضيعة والمنطقة (فلان) يأوي إليَّ عندما يجوع، وأنا أكرمه، وسأظلّ أفعل ذلك حتى يهتدي. يعني، تريدين هداية السنّي؟ إلى ماذا؟ إلى التشيع؟ هذا مانو شغلي. هذا شغلكَ. وما هو شغلكِ؟ شغلي الفلاحة والزراعة والخير والإحسان والكلمة الطيبة. روح إهدي حالك بالأوّل، وكون قدّ عمامتك وقدّ العلماء من أجداد أمّك وأبيك. حلّوا عنا يا بني. خلّونا شيعة أهل البيت، لا شيعة هذا أو هذا.
إذا بدّنا نستخدم ولاية أهل البيت لغاية غير رضا الله بالأودمة، نكون غير مستحقين لولايتهم.

اقرأ أيضاً: منازلها أعشاش الفينيق قرى تتكرر مكاناً وزماناً وأهلاً

كلّ ما نقلته عن جدّتي، يماثل ما سمعتُه من أمّي وعمّتي وخالتي. ونساء الضيع الجارة، حاروف وعبا والدوير الخ. عدّلته لفظياً وجزئياً حتى أفهم أنا. أمّا هنّ فكنّ يفهمن أعمق، بلغتهنّ التي تشبه التراب وزهرة الزيتون وطعم الهواء وعبير الحبق ولون الماء ورائحة الأرض غبّ المطر. سألتُ عمّتي: كيف كنت تخدمين المهرّبين السنّة؟ قالت: لم أكن أعرف الفرق بين الشيعة والسنّة. قلت: الآن عرفتِ؟ قالت: من دروسكم في الحسينية. قلت: يعني، إذا عادوا فسوف تتعاملين معهم بتكريم أقلّ؟ ليش؟ شو الحبّ والأخلاق بتنقص إذا كان الواحد مش متل التاني؟ والله عال! بدّكم تعلّمونا دين من أجل الأخلاق، بتقوموا تعلّمونا الكره والقسوة، شو بيبقى من الدين؟! صحيح إنّو السمكة ما بتفسد إلّا من راسها!
سألتُ جدّتي عن جدّي وأخوتها وجيرانها الذين كانوا يذهبون إلى حيفا للعمل في مرفئها، قبل النكبة، وهل كان هناك بينهم وبين الفلسطينيين جدال سنّي وشيعي؟ قالت لي إنها كانت تسمع أن الفقراء اللبنانيين والفلسطينيين كانوا لا يتكلّمون إلّا في العمل والتعب وانتظار الأهل وخطر اليهود عليهم وعلى فلسطين. مَن كانت تطلع من لسانه كلمة شيعي أو “متوالي” كان من طينة أخرى (جاهل). لم يكن هناك أذى إلّا من الإنكليز والصهاينة. مرةً، صرخ في وجهي السيد مرتضى فحص وقال: شو ها الأسئلة يا سيد، ما كان هناك في شي. كنّا كلّنا عرباً وخايفين من العصابات الصهيونية.

(من كتاب في وصف الحب والحرب)

 

 

آخر تحديث: 18 يوليو، 2017 12:49 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>