بيتنا وقد انتقل من مكانه

ما إن تصل السيارة، التي تقلنا من صيدا، الى مشارف بلدة مرجعيون، حتى تشخص أبصارنا الى السفح الغربي- الجنوبي لجبل الشيخ، الذي يحتضن قرى العرقوب المتناثرة بين الهضاب والوديان وكأن الزمن قذفها بعيداً على أطراف الجولان السوري الى الشرق، وسهل الحولة الفلسطيني الى الجنوب، ثم نسيها، منصرفاً الى الإعتناء بالوسط اللبناني دون سواه.
من مشارف مرجعيون، إذن، تبدأ رحلة الذكريات والتخيلات: تبدو قريتنا – كفرحمام – غارقة بين الأشجار الوارفة الخضراء، تتوسط، بلدتي كفرشوبا وراشيا الفخار.
الوالد يقطّع الوقت الآن في سقي أحواض الأزهار المحيطة ببيتنا على طرف الحديقة المزروعة بمختلف أصناف أشجار الفاكهة والزيتون. يعشق الوالد حديقته فكل ما فيها من شتلات أزهار وأشجار مثمرة زرعها بنفسه، وحمل الكثير منها من أماكن بعيدة وقريبة، يعرف كل واحدة منها – أزهاراً وأشجاراً – أصلاً وفصلاً، يسقيها ويرعاها ويدللها ويتفقدها صباحاً ومساءاً…
انتهى الوالد من سقي أحواض أزهاره، ثم انهمك في صف الكراسي تحت شجرة الخروب المعمرة ومنها الى وسط “الدار”، استعداداً لاستقبال أهالي القرية الذين لن يلبثوا أن يملأوا هذه الكراسي، فور أن يشيع في القرية الصغيرة نبأ وصول أبناء الشيخ، طليعة أبناء وبنات منطقة العرقوب الذين “اكتشف” والدهم الشيخ إمام كفرحمام، المدارس والعلم مبكراً، فأرسلهم تباعاً (وعددهم ستة: خمسة أبناء وابنة واحدة) الى حاصبيا ثم صيدا للالتحاق بمدارسهما، وليشكلوا – بكفاح والدهم وصبره وصموده، وبكفاحهم وتحملهم شظف العيش، نموذجاً ومثالاً لأهالي العرقوب جميعاً.
في هذا الوقت تكون السيارة قد عبرت راشيا الفخار، وبدت بيوت كفرحمام بيتاً بيتاً، يتوسطها بيتنا، تحت المسجد وقرب “بيت سليمان” الوحيد في القرية – يومها- الذي يعتمر القرميد الأحمر. تخفق القلوب ويبدأ الإستعداد للحظة اللقاء القريبة، فبعد دقائق “تهبط”* السيارة بنا في مدخل “الدار” وتدب الحياة في البيت الذي يعيش فيه الوالد لوحده بعد أن رافقت الأم ابنها الصغير “آخر العنقود” الى صيدا حيث التحق بمدرسة “فيصل الأول” “لفقراء المسلمين” وخاصة القادمين من قرى الجنوب هؤلاء الذين لا يمكّنهم وضعهم المالي من الإنتساب الى كلية المقاصد أو غيرها من مدارس صيدا ذات الأقساط العالية (نسبياً).
وبعد وفاة أمي، بقي الوالد لوحده أيضاً يتابع عمله الذي طورته المثابرة على التعلم من جهة، والإندماج الكامل في حياة الناس والتفاعل الإيجابي مع مشاكلهم المتعددة الأوجه، من جهة أخرى، فتحول الى ما يشبه الدور والرسالة لا في كفرحمام فقط بل امتد الى قرى العرقوب وما بعدها. فهو الشيخ التقدمي، ذو المفاهيم الوطنية وحتى – بمعنى ما- “اليسارية” في زمن سبق شيوع المصطلح ومضامينه: أنشأ أول مدرسة في كفرحمام وأول مكتبة في قرى العرقوب، يتداول كتبها فتية المنطقة وشبابها، وهو نصير حقوق المرأة، والداعية الى العلم والثقافة، والمناهض للإستعمار والإقطاع في خطبه التي ذاع صيتها، والمتطوع في الثورة السورية (مع أحمد مريود) وذو الدور القيادي في الإنتفاضات الشعبية في لبنان من 1952 الى 1958 الى 1975، وهو المعادي للتعصب الطائفي والمحتضن لراشيا الفخار المسيحية الوحيدة بين قرى العرقوب احتضانه لقريته كفرحمام. وقد حفظت له راشيا ذلك فكانت شقيقاً قريباً بل متوحداً مع كفرحمام في السراء والضراء. ويروي الشيخ في مذكراته أن صديقه خوري راشيا الفخار اتصل به مرة قائلاً: أنا مريض يا شيخ أسعد، هل تنوب عني في تقديم العظة في الكنيسة هذا الأحد؟ لبى الشيخ الدعوة وخطب في المصلين في كنيسة راشيا الفخار، وصار هذا “حدثاً” في المنطقة يتناقله أهلها في مجالسهم.
شكل بيتنا حتى أوائل السبعينيات مركزاً حيوياً موسمياً لشباب المنطقة، يصلونه أفواجاً من كفرشوبا وراشيا الفخار والهبارية وشبعا والفرديس وحاصبيا وقراها، إضافة الى شباب كفرحمام وعدد أقل من الخيام ومرجعيون، حيث تدور النقاشات الصاخبة: شيوعيون، عروبيون، قوميون سوريون، بعثيون، مستقلون الخ.. طوال فترة إجازاتنا. وعندما نغادر يرين الصمت، ويفرغ بيتنا من رواده، ويعود الشيخ الى وحدته، باستثناء أبناء قريته الذين ألفوه وألفهم حتى الإدمان.
ظلّ بيتنا مقيماً بثبات في مكانه، خلية نحل ومركزاً نشيطاً للقاءات والأحاديث المتنوعة المواضيع، وإن غلب عليها النقاش السياسي. وكان أخي أحمد لولب النقاشات، فقد اشتهر ككاتب وأديب وقبل ذلك كمناهض للإنتداب الفرنسي طالباً في كلية المقاصد – صيدا، وكداعية في كتاباته للثورة ضد الإستعمار والإقطاع والفساد، وكمحام ومدافع عن حرية الرأي والصحافة، وكنصير لحركات التحرر في المنطقة، وخاصة قضية فلسطين وثورة عبد الناصر، ومشارك في الإنتفاضات الشعبية في لبنان من 1952 الى 1958، و 1975.
لكن الحرب اللبنانية التي امتدت نحو عقدين، قطعت التواصل، واضطر الوالد لمغادرة القرية كما غادرها الكثيرون من أهلها. واحتلت القوات الدولية بيتنا وحولته الى مقر لقيادتها المركزية في المنطقة المحيطة، وفرغت قرى العرقوب من معظم أهاليها كما حصل في الكثير من قرى وبلدات المناطق اللبنانية. فكانت حقبة الستينيات بصورة خاصة وسنوات قليلة قبلها وبعدها، العصر الذهبي لبيتنا.
بعد وفاة أخوي أحمد وبعده محمد، وانضمامهما الى الأهل في “بيتنا الثاني” الذي بناه الوالد بين قبور عائلات قريتنا، أخذ هذا البيت ينافس بيتنا الأول في شد أفكاري ونظري، من مرجعيون، ثم من مشارف كفرحمام بعد أن تعبر السيارة راشيا الفخار.
كان نظري وتخيلاتي وذكرياتي تملأ رأسي وتتركز على عهد الطفولة وتنخطف من حين لآخر الى بيتنا الثاني بانكسار واعتذار ثم تستعيدها ذكريات المدرسة الأولى ورفاق الطفولة، وتسلّق هضاب الرمل واللعب في الوديان والسهول الخضراء حيث نكاد لا نبين وسط حقول القمح وما يزرعه فلاحو القرية من مواسم الحبوب، وعلى البيادر حيث ندور على المورج يجره حصان أو ثور، يدرس الحبوب بعد مواسم الحصاد…
شيئاً فشيئاً، أخذت الذكريات الجميلة والسعيدة تذبل وتتلاشي تحت غمامة حزينة من الدموع، تملأ العينين، وهي تتركز على البيت الذي صار يسكنه معظم الأهل، فيما أسمع بيت الذكريات يهمس في أذني:
إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا
لكي يعلموا أن الهوى حيث تنظر
السيارة تسلك الآن طريق قريتنا ذات البيوت البيضاء، قرية الموتى التي يستريح سكانها بهدوء وسلام، يحتضنها الصمت لا كلام ولا حركة، سوى دبيب أقدام قليلة، تأتي لزيارة الأحبة في سكينتهم الأبدية.

إقرأ أيضاً: وتبدأ السهرة «الشقرائية» مع النهايات!
نترجل من السيارة في مدخل “القرية” ونعبر المسافة الى “بيتنا” بين البيوت البيضاء، بتؤدة تستجيب بصورة عفوية لدعوة أبي العلاء المعري:
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض الا من هذه الأجساد
أقف أمام بيتنا الأبيض الجديد المؤلف من غرفتين: واحدة ترقد فيها أمي، والثانية يرقد فيها أخي طه، ثم أنضم إليه الوالد ثم أحمد ومحمد. لا شيئ ينبئ بأن ثمة علاقة بينهم، يتسامرون أو يتبادلون حديثاً. إنه السلام الصامت الذي يحتضن كل موتى هذه الأرض، حيث المساواة في الإقامة وفي المصير.
دقائق قليلة، ثم أنصرف يعج رأسي بأسئلة الله والوجود والعدم، و”لماذا” كبيرة ووحيدة تنشر ظلها على كل شيء. وإزاء عجز الكلام والمعاني يهدأ الرأس المتعب وتستكين النفس الى سكون يشبه “صمت القبور”.
الى أين من هنا، من هذه القبور التي نودع بها أحبتنا، نأتمنها عليهم. إنها أمنا الأرض التي تذوب فيها أجسادنا وتصير تراباً من “أديم هذه الأرض” يرويه المطر فيتحول الى حيوات أخرى (؟)…
والى أن يكتشف العلم سر الوجود وأصل الكون، ستظل “لماذا” الشكاكة تنهك أيامنا…

إقرأ أيضاً: الطبول أمام الجنائز..

________________
* في الخمسينيات والستينيات كانت رحلة السيارة من بيروت الى كفرحمام تضاهي اليوم رحلة الطائرة من بيروت الى روما زمناً، يضاف إليها، في الرحلة البرية، ما يعانيه المسافر من وعورة الطريق التي لا يزال بعضها الى اليوم حصرماً في عين الحداثة والعمران.

آخر تحديث: 6 يوليو، 2017 10:31 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>