قطر في حجمها الحقيقي

ما حدث هو من صنع قطر ولم يفعله أحد بها. فبعد قمم الرياض لم يعد ضروريا التذكير بأزمة السفراء عام 2014.

كان كل شيء واضحا. وكان على الدوحة أن تتخذ إجراءات سريعة لا لتبرئة حالها والخروج مؤقتا من موقع الشبهات من خلال نفي التهم الموجهة إليها إعلاميا بل من أجل إنهاء علاقتها بالجماعات الإرهابية وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين.

ما فعلته الدوحة كان على الضد من ذلك تماما. ليس المقصود هنا الخطاب الأميري الذي ادعت الدوحة أنه منتحل وغير صحيح بسبب ما تعرضت له وكالة الأنباء القطرية من عمليات قرصنة، بل المقصود هنا عدم اكتراث الدوحة بالشروط الواضحة والشفافة التي وضعتها المملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات المتحدة والبحرين مجتمعة لاستمرار العلاقات بينها وبين دولة قطر على أساس الالتزام الصريح بالموقف المناهض للإرهاب الذي يعصف بالمنطقة.

اقرأ أيضاً: التوتر السعودي – القطري ينفجر قرصنة الكترونية وحرباً إعلامية

من السذاجة القول إن قطر لم تفهم الرسالة جيداً، فاللغة التي تحدث بها زعماء الدول الأربعة في الرياض كانت دقيقة على صعيد تحديد العدو المشترك والجهات الإقليمية التي تقف وراءه، سواء من خلال تمويله وتسهيل حركته وتوفير أسباب الحياة له، أو من خلال دعمه والترويج له إعلاميا. وكان مفهوما أن دولة قطر مقصودة بشكل رئيس. حالها في ذلك حال إيران التي صمتت في انتظار أن تمر العاصفة. وهو انتظار سيكون يائسا هذه المرة.

ما فهمته طهران ولو جزئيا، لم تفهمه الدوحة مطلقا ولم تتعامل معه إيجابيا.

هل حدث ذلك بسبب قصور في الوعي، أم أن قطر التي لعبت زمنا طويلا دور الراعي للجماعات والتنظيمات الإسلامية المتشددة صارت عاجزة عن فك ارتباط تلك المنظمات بها، وهو الارتباط الذي فسره الكثيرون بمحاولتها لعب دور أكبر من حجمها؟

في الجزء الثاني من السؤال تكمن عقدة قطر الحقيقية. وهو ما حاول الخليجيون في غير مناسبة أن يشجعوا أشقاءهم القطريين على تجاوزه من خلال وضعه في مكانه المناسب وغير الضار، كأن يتم التعبير عنه اقتصاديا أو رياضيا أو حتى على مستوى التنافس السياحي والثقافي.

غير أن قطر التي وجدت في فوضى الربيع العربي مناسبة للتدخل في شؤون بلدان عربية عديدة، لم تجد ما يمنعها من تطوير علاقاتها بالجماعات المسلحة بل إنها مضت أبعد من ذلك حين سعت إلى تقاسم الأدوار مع إيران في محاولة لخلق نوع من توازن الرعب بين الجماعات الإرهابية التي تقف مظهريا على طرفي نقيض، فيما هي في حقيقتها تخدم هدفا واحدا هو نشر القتل والذعر والخوف وعدم الاستقرار في المنطقة.

وفق تلك المعطيات فإن قطر التي كشفت عن علاقتها بتنظيمات الإرهابيين في غير مناسبة، ومنها الدخول في مفاوضات بدلا منهم مع أطراف أخرى، كانت قد غطست في مستنقع الإرهاب ولم تجد نفعا المحاولة الأخوية الأخيرة التي جرت في الرياض لإخراجها من مأزقها المصيري. لقد مضت قطر مختارة إلى عزلتها ولم يجبرها أحد على ذلك.

وقد يكون مفيدا لها أن تستعيد حجمها الطبيعي، دولة صغيرة حباها الله بالثروة التي يجب أن لا تستعمل في إلحاق الضرر والأذى بالآخرين. وهو درس سعت الأطراف الخليجية إلى تأجيله في محاولة منها لحماية الشعب القطري من تداعيات سياسات الحافة الحرجة التي تتبعها قيادته.

كان متوقعا أن تنتهي المغامرة القطرية بطريقة أو بأخرى، وبالأخص حين تصطدم بواقع الجغرافيا السياسية كون قطر دولة صغيرة وحديثة التكوين بشعب قليل العدد، غير أن ما لم يتوقعه أحد أن تمضي القيادة القطرية إلى الانتحار في خيار رث كانت إيران قد سبقتها إليه.

يعبر قرار قطع العلاقات عن شعور عميق باليأس لدى الدول التي اتخذته من إمكانية أن تقوم القيادة القطرية بإصلاح سياساتها عبر التخلي عن دعم الإرهاب، ويشير في الوقت نفسه إلى فشل النهج القطري في المناورة واللعب على حبال عديدة. لقد انتهت اللعبة.

آخر تحديث: 6 يونيو، 2017 12:31 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>