تهجير المسيحيين: من سفن «دين براون» إلى الثنائي الأخير!

عام 1990، أقر مجلس النوّاب اللبناني المُمدد لنفسه، إصلاحات دستورية شكلت إنتقالاً إلى الجمهورية الثانية، وقد أتت هذه الإصلاحات على حساب الإمتيازات المسيحية، وبالتحديد صلاحيات الرئاسة الأولى.

وقد جسد هذا الإتفاق ترجمة لموازين القوى العسكرية والديمغرافية والسياسية، فالمعارك الشرسة بين القوات اللبنانية والجيش الموالي لرئيس مجلس الوزراء “ميشال عون“، كانت ما تزال تُسمع أصداؤها في أحياء بيروت الشرقية، قتالٌ أتى بعد رهان مشترك على راعٍ إقليمي – عراقي سقط بالضربة القاضية الأميركية لُيلزّم الملف اللبناني إلى الراعي المحلي أي النظام السوري.

اقرأ أيضاً: الحزب اللبناني الواعد: مسرحية شعبوية قد تؤدي إلى إنهيار الوطن

رهانات خاطئة في اللحظة الإقليمية الأخيرة قبل التسوية، هذا كان المشهد الأخير، ولكنه أتى تتويجاً لمسارٍ بدأ في مطلع الثمانينات ، عندما بدأ عن قصد أوعن سوء تقدير التراجع المسيحي، فكانت الهجرة الداخلية للمسيحيين من الشوف والجبل وشرق صيدا، وكان قد سبقها أيضاً نزوحٌ جزئي لبعض المسيحيّين في الشمال إثر مجزرة “إهدن”. إنّها الحرب وما أصعب تذكر فصولها! خطاب طائفي ونزوح سكاني إلى الداخل، مشهدية دفعت بعض “المسكونين” بمنطق المؤامرة إلى الذهاب بعيداً الى مخطط ” كيسنجر” ونصيحة السفير” دين براون” بإرسال المسيحيين بسفن الهجرة، مروراً بالإنسحاب الإسرائيلي المُباغت من الجبل للإستنتاج بأنّ ثمة مخطط يقضي بضرب الإنتشار المسيحي في المناطق اللبنانية وحصره في جزء من جبل لبنان، ومن ثم الإنقضاض عليه بحرب داخلية مبرمجة. مؤامرة أم سوء تقدير، أم حماقات متتالية من القيمين على مصالح الناس، السيناريو تحقق وكان المؤتمر التأسيسي الأول ما بعد الصيغة والميثاق.
ها هو الخطاب يعود مجددًا وإذا كان التاريخ يعيد نفسه، فكيف إذا عاد بنفس الوجوه واللاعبين مع فوارق بسيطة بحكم الأعمار وأولياء العهد الجدد؟ خطاب الفروسية وإستعادة الحقوق وحق الطوائف بتقرير مصيرها: إنه ممرٌ إجباري لشدّ العصب. ثنائي مسيحي يتولى الشد، أما الهجرة السكانية فهي تَستكمل فصلها الأخير بهجرة سياسية، فحقوق المسيحيين بحسب الثنائي المسيحي تكون بترحيل ما تبقى من ممثلين لمسيحيي الأطراف مرة جديدة عبر نقل مقاعدهم النيابية إلى المناطق “المحررة”. هذا هو مطلبهم المثير للريبة والحيرة والقلق، فيعود بنا التاريخ إلى السنوات السوداء القاتمة. ثمة نوايا بالعودة إلى الخطاب التحريضي، و ثمة من ينتظر ترامب ليقضي على النسبية أو
ضربة عسكرية _ إسرائلية وتوغل أميركي وأردني لقطع إمدادات إيران عن دمشق وبيروت وكلام حول أن الحزب مأزوم والمنطقة قابلة على التقسيم المنتظر. إنّه الفصل الأخير ما بعد فصول “كيسنجر” و”براون”، فصل أخير قد يقضي على آخر مسيحي في لبنان على يد بعض من قياداتهم.
مشهدية سياسية تذكرنا بتلك التي سبقت إتفاق الطائف، تقوقع، قراءة إقليمية خاطئة وضعت المسيحيين في مواجهة الجيش السوري، ومن ثم مواجهة داخلية دامية بين المسيحيين أنفسهم وكانت النتيجة: مؤتمر خسر فيه المسيحيون إمتيازاتهم، ومن ثم مقاطعة الإنتخابات والدولة، فكانت الهجرة السياسية إذا صح التعبير، هجرة لم يكن مسببها المكوّن المسلم، بل قراءة خاطئة وغياب تام للاستراتيجية والرؤية الواضحة، وإتفاقات أو تحالفات فقط لإلغاء أحد الشركاء، فكيف نفسر إجتماع وزارة الدفاع بين العماد عون والدكتور جعجع عام 88 لقطع الطريق أمام التمديد للجميّل ولمنع إنتخاب سليمان فرنجية ومخايل الضاهر؟

فارس فتوحي

فارس فتوحي

إستراتيجية غائبة بشكل تام، على سبيل المثال كيف يسير التيار بالنسبية الكاملة لسنوات عديدة ليصبح هذا القانون، اليوم وبنظر التيار نفسه، ضد مصلحة المسيحيين بعد إستحصاله على بركة الكنيسة والأقطاب الأربعة في بكركي؟ هل تغيرت الديموغرافيا بعد وصول العماد عون إلى قصر بعبدا؟ وكيف يطرح سمير جعجع على المجتمعين في بكركي القانون الأرثوذكسي ليتراجع عنه قبل الجلسة التشريعية؟ في غياب الإستراتيجية يصبح كل شيء متاح حتى إتفاق القوات والتيار يشبه تحالفهم على فرنجية الأب عام 1988 ورفع منسوب الخطاب الطائفي تحت شعار المطالبة باستعادة الحقوق يشبه خطاب الـ 86 والـ 88 ونقل المقاعد المسيحية من الاطراف يشبه نقل قوافل المسيحيين من شرق صيدا والشوف والرهان على ترامب والمتغيرات الإقليمية يشبه الرهان على صدام الـ 1988 وبوش الـ 2005.
إنّه المشهد الاخير ما قبل الجمهورية الثالثة، إذ إننا بأمسّ الحاجة إلى إصلاحات دستورية والخطأ يكمن في تسميتها “مؤتمراً تأسيسياً”، فلبنان تأسس عام 1943 ولا حاجة له لتأسيس آخر، بل لنصوص واضحة تُتطمئن المكونات الطائفية، وتحفظ التوازن الطائفي في الحياة السياسية، إصلاحات يكون مدخلها إعتماد قانون نسبي يجدد الحياة السياسية اللبنانية ويساهم في الإصلاح الحقيقي.

اقرأ أيضاً: فتوحي: سيناريو الستين عن سابق تصور وتصميم!

أمام كل هذا، بات المسيحي بحاجة إلى قيادات جديدة وطنية تعمل على إستعادة الدور القائم على الإنفتاح والمواطنة الحقيقية في بلد الرسالة كما وصفه البابا يوحنا بولس الثاني، وعلى إنتشاله من الخطاب التحريضي، قيادات شابة جديدة تعمل على إصلاح الدولة والمؤسسات وإنعاش الإقتصاد الوطني، تلك هي حقوق المسيحيين وكل ما عدا ذلك يندرج في خانة المصالح الشخصية والعائلية ويعرّض مصلحة الوطن لمغامرات وإنكسارات جديدة. قيادات جديدة تُبعد عن مسيحيي لبنان كأس الهجرة النهائية!
(رئيس الحزب اللبناني الواعد)

آخر تحديث: 17 يونيو، 2017 11:10 ص

مقالات ذات صلة >>

ننصحكم >>