علي الأمين: على السلطات المعنية حماية المرشحين في مواجهة «الثنائي الشيعي»

عقد "منتدى صور الثقافي" و"تجمّع لبنان المدني" و"شؤون جنوبية"، لقاءً حوارياً في 24 آذار 2017، مساءً، في قاعة "منتدى صور الثقافي" في مدينة صور، تمحور حول "الانتخابات النيابية في الجنوب (تجارب وشهادات)".

نحن نعيش في زمن انحدار، وفي زمن تراجع حين نُراقب الحياة العامة، وحياتنا الثقافية، والسياسية والاجتماعية، وتحديداً الجنوب ربما لم يشهد، في تاريخه الحديث – وأتحدث من نشأة لبنان، حتى اليوم – هذا الضمور للحيوية الثقافية والاجتماعية والسياسية فيه، وبالتالي، مهما قيل عن انتصارات إلهية وغير إلهية ونماذج اخرى، إلا أن المفارقة أن هذه الشعارات وهذه العناوين، إذا تعمّقنا أكثر في البيئة في ما نُنتج على المستوى الثقافي، في ما ننتج على المستوى الفكري، في ما ننتج على مستوى الفن، على مستوى المسرح، على مستوى الرواية، نجد، ربما نحن في مرحلة انحطاط، إذا ما قسناها إلى مراحل سابقة.

اقرأ أيضاً: «الثنائي الشيعي» تفنن في الالغاء والمصادرة

الانتخابات النيابية
الديموقراطية، هي لم تكن يوماً، مجرّد قوانين، على أهمية القوانين، والقواعد القانونية التي تحمي الديموقراطية، إنما هي أيضاً، نتاج التوازن في المجتمع، والصراعات التي من الممكن أن يشهدها المجتمع، والصراعات هنا، بالمعنى الإيجابي، لأن التطور لايمكن أن يتم ويرتقي على المستوى: الاجتماعي والثقافي والفكري والسياسي والاقتصادي.. إذا لم يكن هناك صراع في المجتمع، والصراع، في النهاية، تحكمه قواعد ديموقراطية وقواعد الحرية، وبالتالي، منطق القانون والمساواة بين المواطنين. وبالنسبة للانتخابات النيابية، النقاش الجاري اليوم، يكاد يختصر فقط بنقطة واحدة، تتعلق بطبيعة النظام الانتخابي والدوائر الانتخابية، أي إمّا هو نظام نسبي. وإمّا نظام أكثري، وإما هو الخلاف على الدوائر: إما قضاء، أو محافظة، أو جمع بين قضائين، أو ثلاث عشرة دائرة، كما يجري التداول، لكن هناك عشرات البنود الأخرى، التي هي تتصل بحماية العملية الديموقراطية، وصولاً إلى إجرائها، لكي تحقق التمثيل الصحيح، وكما يقال، التمثيل العادل، وبالتالي توفير كل الشروط التي تؤمّن حرية الاقتراع، وحرية الترشح، وحماية هذه الحرية، وبالتالي، أيضاً منع التزوير الانتخابي، منع كل عناصر العوامل الأخرى.

تجربة الانتخابات
وأوضح الأمين: أنا أدّعي أنني من الذين رافقوا كل العمليات الانتخابية التي حصلت (منذ العام 1992 بعد اتفاق الطائف حتى آخر انتخابات نيابية)، من موقع المشارك (بالتأكيد لم أترشح ولا مرّة واحدة، وليس عندي حماسة للترشح لذا فإني بطبيعة الحال، كنت منهمكاً، بطريقة أو بأخرى، في هذه الانتخابات، وبأشكال مختلفة. والتحديد في الانتخابات النيابية في الجنوب.

شؤون جنوبية

الدوائر الانتخابية
واميل إلى القول: إن النقاش حول الدوائر الانتخابية في الجنوب لا معنى له، من دون تأمين وتوفير حرية الانتخاب وحريّة الترشح، وضمان مسألة التمويل الانتخابي، وقواعد إدارة العملية الانتخابية، وحياد السلطة… وكل هذه النقاط التي تعرفونها. أتحدث هنا من منطق توفير ديموقراطية الانتخابات والحرية والتمثيل الصحيح، ولا أتحدث في منطق تتحدث به القوى السياسية في صراعها، في السلطة، المتمثل فيما بينها على صراع على عشرة بالمائة من الحصص، التي هي مختلف عليها، إلى أي طرف سلطوي تذهب، فبالتالي، يتم رسم العملية الانتخابية، لهذه القوى، مسبقاً، بشكل أنها تحقق ما تريده على صعيد السلطة، فلذلك فنحن نتحدث هنا، من منطلقنا كمواطنين، وربما كهيئات في المجتمع المدني، تسعى لأن يكون هناك، انتخابات حقيقية، وفعلاً تعكس الآراء والتنوّع الحقيقي داخل المجتمع. وبالتحديد في الجنوب.

عنوان المقاومة
وقال الامين: إخواننا في حزب الله، كانوا دائماً يستخدمون عنوان المقاومة كأنه عنوان حزبي احتكاري بشكل تخيير الناس، بالقول: “بتنتخبونا أو بتكونوا ضد المقاومة”، وهذا الشعار استُخدم بشكل فاضح وبمستوى متدنٍّ، وهو نوع من الاستخدام فيه كثير من الإهانة للناس، والإهانة لفكرة المقاومة، لأن المقاومة عندما تصير حزباً فهذا مؤشّر على أنها ليست ممثلة حقيقية وفعلية للمجتمع. والمجتمع الجنوبي، لا يستطيع أحد من القوى السياسية أن يزايد على ناسه العاديين، وما قدّموه في سبيل تحرير الجنوب، (وهذا ما أثبتته التجارب إن على صعيد بلدة أو منطقة أو حي أو حتى على صعيد البيت الواحد)، ونحن نتحدث هنا ليس فقط منذ الـ1978 أو 1982، إنما منذ بدأ العدوان واحتلال فلسطين، وبدأ هذا التعبير عن مقاومة الاحتلال ومقاومة الكيان الصهيوني، أي منذ ما بدأ فعل المقاومة يعبّر عن نفسه.

ندوة لـ"شؤون جنوبية" - صور
واضاف الامين: في انتخابات الجنوب، لم يحصل خرق للائحة الانتخابية، فهل هذا، فعلاً يعكس تأييد المجتمع، خلال هذه المدة الطويلة، من دون أن يحصل أي خرق، فيما هذا الخرق حصل في كل المناطق اللبنانية الأخرى؟ لكن حصراً في الجنوب لم يحصل أي خرق على مستوى اللوائح الانتخابية. وهذا يؤكد أن في الجنوب، كان هناك إلغاء للعملية الانتخابية باعتبار أنه كان يمكن التزوير من دون أن يُعاقب المزوِّر. كان ممكناً استخدام، وقد تم استخدام أجهزة السلطة، في العملية الانتخابية من دون أن يؤدي ذلك إلى أيّ اعتراض. كان ممكناً، واستُخدم أيضاً، المال الانتخابي، وذكرنا أيضاً، عنوان المقاومة، وذكرنا سطوة السلاح… كل هذه عناصر معيقة للعملية الديموقراطية. فأنا كمواطن أحتاج إلى حدّ أدنى من شروط العملية الانتخابية الديموقراطية، والتي هي فعلاً تتضمن انضباطاً، وتتضمن مساواة بين المرشحين، ومساواة بين الناخبين، مع عدم تدخُّل، ومع حماية لمراكز الاقتراع، ومع تنظيم لمراكز الاقتراع، ومع الاقتراع السّرّي… إلخ، وكل هذه العناصر يجب أن تتوفر قبل الحديث، عن النظام الانتخابي، إن كان نسبياً أو أكثرياً. وفي الجنوب، فإن النقاش يجب أن يذهب إلى تأمين شروط حقيقية وفعلية، ولسنا مِثاليين، لكن، على الأقل، أنه إذا أراد أحد أن يترشح في مواجهة تحالف الثنائية الشيعية، أن يكون هذا المرشح، محمياً من السلطات المعنية، في أن يقوم بنشاطات انتخابية، أو يقوم بجولات انتخابية، أو أن يُجري حملات إعلانية، انتخابية، من دون أن يتعرض الى اعتداء.

اقرأ أيضاً: ثلاثة عقود من «تدجين الجنوب» انتخابيا «الثنائي الشيعي» جنوباً… الى الحائط در!

حوادث انتخابات 1992
وفي انتخابات العام 1992، رأينا حصول حوادث كثيرة، كأمثلة حصلت في الجنوب، وكانت رسائل من السلطة، السلطة الحاكمة ومن التحالف، إلى المجتمع من أجل عدم حصول انتخابات، لأنه ممنوع أن تفوز لائحة غير اللائحة المطلوبة، وبالتالي كان هناك استهداف بعناصر معطّلة للعملية الانتخابية (أمنياً وعسكرياً، وتحذيراً وتخويناً وسوى ذلك). وهذا المسار الانتخابي، الذي نحن سائرون فيه في الجنوب، إذا كان له من إنقاذ لنا من هذا المسار نقول، وربما كلامنا هنا فيه مبالغة، لكنني مقتنع بهذه المبالغة، إن هذه التركيبة والتي ما زالت تحكمنا منذ العام 1992 في الجنوب هي تركيبة واصلة لأن تصطدم بالجدار، إذ ليس عندها خيار آخر، غير الاصطدام بالجدار ، إلا إذا هي اقتنعت فعلاً أنها معنيّة بأن تخفف من المصادرة، وتبعاً لما تعوّدناه من القوى السياسية عموماً، وكل من يمسك سلطة، (ولأن السلطة تعمي أساساً) فإن هناك، نوع من الإصرار على استمرار هذه المصادرة، وهذه السياسة من الإلغاء للعملية الانتخابية، ومن الإلغاء لكل مظاهر التنوع، وحصرها، ومحاولة الادعاء بأن هناك، وكما تسمعون تحت شعارات كثيرة، أنه “نحن منتصرون ونحن نقرّر مصير لبنان… إلخ” لكن أيضاً، هذا “اللبنان” الذي تفتخرون بأنكم تسيطرون على القرار الاستراتيجي فيه، أصبح مجوَّفاً من داخله، ففي البلد كل شيء يتجوّف، فلم يعد هناك وجود، لا لإرادة صحيحة، ولم يعد هناك قواعد وشروط قانونية ودستورية، تُشعر المواطن بنوع من الأمل بأن هذه الصيغة الموجودة والحاكمة، وانها قادرة أن تفعل شيئاً إيجابياً، بل إن هناك مزيداً من الهدر والفساد والسرقات، ومزيداً من الاستهانة بكل ما هو عام، وعقلية المحاصصة تتجه إلى مزيد من الترسخ والتجذّر أكثر فأكثر… فليس هناك في الجنوب أية عملية انتخابية، منذ الـ1992 حتى الآن، وكم كنا ننتقد الإقطاع في الجنوب، الذي كانت له سلطته وسلوكه قبل العام 1992، لكني، بالتأكيد، على يقين، ونسبة لما قرأته وهو كثير عن العمليات والتجارب الانتخابية قبل العام 1992، (أي منذ 1972 وما قبل)، وهي بالطبع لم تكن مثالية، ومؤكد أنها كانت تشهد تدخلات من السلطة آنذاك، لكن بالتأكيد، كان فيها جرعة من الحرية والديموقراطية أكثر من كل الانتخابات التي حصلت بعد العام 1992، ومن المؤسف أننا نحن في الجنوب، مبتلون بهذه الثنائية الشيعية، التي تعمل على مصادرة أية محاولة لإبراز تنوع حقيقي داخل المجتمع. والتحدي الأساسي هو هنا، أي في مدى أننا نحن مجتمع وناس لدينا احترام لذواتنا وفرديّتنا ورأينا ولنا موقف ضد أية محاولة مصادرة، وتذاكٍ علينا، وكيفية عدم تهيُّبنا أي محاولة لمصادرتنا بشعارات كبيرة وبعناوين كبيرة، والتي هي مدعمة – دائماً – بأدوات سيطرة، لها علاقة بالمال وبأجهزة الدولة والسلطة، ولها علاقة بعناوين المقاومة ولها علاقة بالميليشياوية التي هي تتحكم بالكثير من مفاصل مجتمعنا وهذه تحديات، لا تتعلق، فقط في من يربح في الانتخابات، او يخسر، فالقصة أعمق من ذلك بكثير، وهي تكمن في مسألة أي مجتمع نرتجيه نحن، وأي بيئة نحن نعيش فيها اليوم، وكم نستطيع فعلاً، أن نبقى في هذه الصورة، التي ربما هي ذاهبة أكثر فأكثر نحو مزيد من الانحدار.

(هذه مادة نشرت في مجلة “شؤون جنوبية” – العدد 163 – ربيع 2017)

آخر تحديث: 24 مايو، 2017 2:06 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>