صرخة أم جنوبية: «إسمع يا هذا»

هم جنوبيون وهي جنوبية. هي جنوبية سبعينية، قدمت شهيدين على طريق تحرير الجنوب في منطقة "الشومرية"، وسقط الثالث في سورية. في منزلها المتواضع المفعم بقصص ابنائها تحدثك " والدة الشهداء" عن فلذات الاكباد.

تفتخر بهم: “بيرفعوا الراس “اشتاق اليهم؟” تسأل وتجيب: “نعم ، فأنا أمّ، وهل هناك من أمّ لا تشتاق لغياب ابنائها عنها”.
على درج منزلها تجلس تنظر الى السيارات العابرة الى قرى الشريط الحدودي سابقا، “هذا الخط كان خفيفا اثناء سنوات الاحتلال الاسرائيلي انظر اليه اليوم لا يتوقف بعد التحرير وهذا بفضل دماء الشهداء ومنهم ابنائي”.
في حديث الحاجة عن اولادها غصّة بوسعك ان تلحظها عندما تنظر الى صورة ابنها الشهيد الثالث الذي سقط في سورية مؤخرا، تقسم “انه لم يكن يرغب بالذهاب الى سورية للقتال هناك، ولكنهم فرضوا عليه ذلك نتيجة تفرّغه في صفوف المقاومة ويتوجب عليه دوريا ان يقضي فترة معينة في الجبهات السورية اثناء خدمته”.

اقرأ أيضاً: الحرية بين العطاء الإلهي، والإستهتار البشري

في كلام الحاجة عن ابنها الكثير من العتب على هذه الحرب فهي تعتبرها ” انها ليست حربنا ولازم شبابنا يرجعوا لهون”، بل واكثر من ذلك فهي تنظر الى ايتام ابنها وتقول “ما ذنبهم ان يعيشوا ايتام بلا أب؟”.
تحدثك الحاجة بحرقة والدموع على وجنتيها “لا نشعر في نار الفراق في الايام الاولى، ما يهم حزب الله كيف يكون التشييع مهيبا، يطمروننا بالاعلام والرايات والاناشيد، يتضامنون معنا في الايام الاولى وبعد اسبوع كل واحد منهم يتابع حياته كالمعتاد اما نحن فسنبقى ننظر الى صورة ابننا المعقلّة على الحائط كل العمر”.
هي صرخة ام جنوبية في جنوبي اليوم، يختفي المشيّعيون في لحظات، ويعيش اطفال وعوائل الشهداء مع الأسى طول العمر. في جنوبي اليوم كثيرة هي قصص الموت والفراق وقليلة هي مظاهر الحياة. نعم هناك من يسعى الى تحويلنا الى “اسبارطة” لبنانية، عبر مجتمع يقوم على فلسفة العسكر وان تكون الحرب وسيلة لكسب العيش وحينها يغدو المقاتل في اعلى السلم الاجتماعي. هكذا كانت اسبارطة وهكذا يريدون من الجنوب ان يصبح.


في اسبارطة كان مقامك هو ما تقدمه من دماء في سبيل مدينتك، يرفعون من شأنك في ظل حكم منطق الحرب والغزوات. وفي جنوب لبنان هناك من يسعى الى تحويلنا من مقاومين على مر الزمان الى مجرد غزاة نهوى الحرب في اراضي الغير.
في الجنوب كنا دائما على حق واصبح للاسف “الحق علينا”، هناك من يحاول ان يقنعنا ان داعش وخلاياها التكفيرية النائمة اقوى من جيش الاحتلال الاسرائيلي والموساد، وان توازن الرعب القائم على الحدود مع اسرائيل لا يمكن تطبيقه على الحدود السورية.

اقرأ أيضاً: حارث سليمان: حزب الله جاهز لتلبية النداء الإيراني في اشعال الحرب

في الجنوب، هناك من يريد منّا ان نتحول الى اسبارطين، نولد في رحم الحروب ونعيش في رحم الحروب ونموت في الحروب. هناك من يريد ان يبقى يقاتل بنا الى الابد الابدين، وحتى وان فقد قضية للقتال فلا مانع ان يبتكر لنا واحدة، تارة دفاعاً عن فلسطين وطورا دفاعاً عن سورية والبحرين واليمن.
في الجنوب ليس متاحاً لنا ان نكوّن راياً عامّا إلا بما يرضي زعماءنا. ليس بمقدورنا ان نرفض الحرب مثلنا مثل شعوب العالم بل علينا ان نبجل لها ونسوق لها المبررات الدينية والالهية. هناك من يجب ان يسمع ولن نتنازل عن حقنا في التعبير “ان هذه الحرب ليست حربنا، وان دماءنا لا تعشق إلا جنوبنا… ولبناننا.

آخر تحديث: 6 مايو، 2017 12:34 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>