أي تسوية أدخلت «حزب الله» من الباب العريض إلى المجلس الشيعي؟

مع نضج التسوية التي حيكت خيوطها على مهل وبعيداً من الانظار بين حركة “امل” و”حزب الله” في شأن مستقبل المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، والتي فتحت ابواب المجلس امام أعضاء في الحزب محسوبين بشكل او بآخر عليه في هيئتَي المجلس الشرعية (علماء دين) والتنفيذية (مدنيين)، صار في إمكان الراصدين لمسار الساحة الشيعية الاستنتاج ان قطبَي هذه الساحة أطبقا تماما على أنفاس آخر المؤسسات في البيت الشيعي، واستطراداً اقتسما آخر مؤسسة من المؤسسات التي انشأها الامام موسى الصدر وتوزعت بُعيد اخفائه.
قد لا يكون في الامر مفاجأة بالنسبة الى البعض، فان تنتهي الامور على هذا النحو سياق طبيعي ومتوقع سلفاً لمن يعرف توازنات القوى داخل البيت الشيعي، لكن المفاجئ هو توقيت نضج “الصفقة” التي سدّت فراغاً في المؤسسة الشيعية الأم عمره 16 سنة، وكان بالامكان ملؤه منذ ذلك الزمن، إلا ان حسابات الطرفين آثرت ان تبقى الامور على حالها.
غداة رحيل الرئيس الثاني للمجلس منذ انطلاقته عام 1967، أي الامام محمد مهدي شمس الدين (آذار 2001)، انتصب امام جميع المعنيين سؤال كبير وملحّ عن الشخصية العلمائية التي لا يرقى الشك الى اجتهادها وعلو مكانتها الفكرية والعلمية وامتد ظلها عقوداً على مساحة الوطن بل الى خارجه.
حسابات رئيس مجلس النواب نبيه بري يومذاك صبّت في خانة ابقاء الامور في المجلس في حال تصريف اعمال بيد نائب رئيس المجلس والشخصية التاريخية المعروفة الشيخ عبد الامير قبلان، لاعتبارات عدة ابرزها:
– الحيلولة دون فتح ابواب من شأنها السماح بتسرب “حزب الله” الى داخل المجلس، خصوصا ان العلاقة بين الطرفين كانت لا تزال في حال تحوّل وغموض وليست على ثبات ووضوح كما هي عليه الان، واستطرادا كانت تقيم على قاعدة تنافس وليس التنسيق والتكامل. وبالتالي كان من مصلحة بري ابقاء المجلس في نهاية المطاف بمثابة دائرة من دوائر حركة “امل” او امتداد لظلها.
– غياب الشخصية العلمائية الوازنة التي تتصف بالاجتهاد وتتمتع بمواصفات علمية ومقدرات فكرية تتيح فتح الابواب امامها لتبوؤ هذا المنصب الشاغر، واستطرادا يكون بامكانها ان تملأ فراغا مدويا خلّفه غياب الامامين الكبيرين الصدر وشمس الدين، خصوصا ان التحولات التي عصفت داخل الطائفة أفضت الى انطواء صفحة العلماء المؤهلين لبلوغ مرحلة الاجتهاد العلمي فحسب والمضي في رحلة عطاء فاعلة.
– كان واضحا يومذاك ان قرار ابقاء الوضع على حاله بعد غياب شمس الدين هو في العمق بمثابة وصفة لقطع الطريق امام طامح وحيد آنذاك هو مفتي صور السابق السيد علي الامين الذي أُتِيَ به الى الهيئة الشرعية للمجلس والى منصب الافتاء كجائزة ترضية له على مواقفه الداعمة للرئيس بري. وثمة من يرى ان انشقاقه لاحقا جاء رداً على خيبة امله في ما وُعِدَ به.
– “حزب الله”، ونسجاً على سياسته المعروفة، آثر ترك حبل الامور على غاربه ولم يفاتح بري في الموضوع اطلاقا، بل ترك للزمن ان يلعب لعبته، وهو واثق من ان زمنه آت ولاريب.
وبناء على هذه المعطيات، أُبقي المجلس على ما هو، هيكلاً بلا روح وفي حال غياب مدروس، يُستحضَر غب الطلب، وتقلص دوره الى حدود الاستقبالات الروتينية والبروتوكولية لنائب رئيسه الشيخ قبلان، وكان ذلك بمثابة فرصة ذهبية لجهتين لملء الشواغر برموز فضيلتها انها تنتمي الى عائلة او تنتسب الى الحركة.

إقرأ ايضًا: حين تحاضر «الثنائية الشيعية» في عفّة الإنتخابات النيابية وتلغيها في المجلس الشيعي

لكن السؤال الذي يتعين طرحه هو: لماذا قرر الطرفان فجأة بعد مرور 16 عاما على غياب الامام شمس الدين ان يبثّا بعض الروح في هيكل المجلس؟ واستطرادا، لماذا قرر بري ان يسمح بمشاركة الحزب، ولو معنويا، في قرار مؤسسة بامكانه ان يتصرف فيها وحيداً ومن غير منازع تصرّف المالك بملكه؟
وفق مطلعين على خفايا الامور في البيت الشيعي، فان بري ما اقدم على ما اقدم عليه، وبالتالي اضطراره الى مفاتحة الحزب بالامر وابرام صفقة معه، إلا تحت إلحاح عائلة الشيخ قبلان التي ابلغته منذ زمن رغبتها في ان يُنتخب الأخير رئيساً للمجلس ليكون ذلك بمثابة تكريم لهذا العالم بعد المسيرة الطويلة التي بدأها منذ اكثر من نصف قرن يوم كان الرفيق الدائم للامام الصدر في بدايات رحلته الجهادية الطويلة، ثم في منصب المفتي الجعفري الممتاز، ثم في مواكبته للامام شمس الدين، واخيرا في إدارته للمجلس بوضعه الحالي منذ 16 عاما. لا شك في ان للشيخ قبلان افضالاً لا تنكر على الطائفة وعلى مؤسستها الام، ولاسيما الجامعة الاسلامية ومستشفى الزهراء، فهو مفتي الفقراء الذين يجدون ابوابه مفتوحة دائما ساعة يقصدونه، وهو مستعد لان يبكي معهم اذا لم يجد سبيلا الى تلبية طلباتهم وخدمتهم، وهو ايضا الشخصية المتمتعة بطيبة يشهد لها الجميع، ولكن الاكيد انه انوجد في الآونة الاخيرة من بدأ يقول بأن عائلة الرجل حصدت اثمان هذه المسيرة بما يكفي وزيادة.
اما بالنسبة الى الحزب، فان مكسب دخوله من الباب الواسع الى رحاب هيئتَي المجلس يكاد يكون مكسبا معنويا ليس إلا، اذ ان ذلك يُعدّ شراكة ندية في القرار مع الحركة واقراراً اضافياً باستحالة إبعاده بعد اليوم عن اي مؤسسة.
لكن السؤال الذي استقر في خاطر الكثيرين غداة هذا التطور الذي سيحصل اليوم في المجلس (انتخاب الرئيس ونائبه وتسمية الجدد في الهيئتين) هو: لمن ستؤول رئاسة المجلس لاحقا؟ واستطرادا: هل سيبقى للمجلس بعد اليوم بقية من شخصية مميزة مستقلة وفاعلة في امكانها ان تكون مظلة لكل الوان الطيف داخل هذه الطائفة؟
طرح السؤال على هذا النحو ينطوي على شك مسبق.

آخر تحديث: 7 يونيو، 2017 11:38 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>