ندوة في انطلياس عن «الشيعة الإماميّة بين النصّ والتَّاريخ» للدكتور وجيه قانصو

عقدت أمس ندوة فكرية حول كتاب للدكتور وجيه قانصو "الشيعة الإمامية بين النص والتاريخ" في الحركة الثقافية انطلياس الساعة الرابعة عصرا، حضرها عدد من الوجوه الفكرية والثقافية والاعلامية، وحاضر فيها كل من الأب جوزف بو رعد، والدكتور جمال نعيم، اضافة الى الدكتور وجيه قانصو.

بداية تحدث الاب جوزف أبو رعد فقال:
وجدت الكتاب مذهلا شيّقا لتاريخ الإسلام من بوابة الامامة، ويتميز الكتاب بلغة البحث الحديثة واستخدام المنطق، ويشجع على ضرورة إعادة قراءة الوثائق الدينية بانفتاح.
الكاتب يدعو للابداع في قراءة الاحداث التاريخية بلغة مفهومة لعالم اليوم ويحترم عقل القارئ.واغلبية الخطاب الديني لا يحاكي انسان اليوم ويصالح المجتمع مع عصره وذاته.
وهناك أهمية لاستحضار الحاضر في قراءة التاريخ ليتجول بذهنه في التاريخ.
الكتاب لا يدخل في جدال لاهوتي وضرورات الاحقية والكشف عن الظاهرة الشيعية كمراضي البشر وليس تحديد الموقف، الموقف هو علمي والكتاب يفسر ولا يحكم على احقيتها.
وما يهدف اليه الكتاب هو الاطلاع على جميع ما ورد من وثائق ولهلق معقولية تاريهية لقياس النص.
يذهب الكاتب الى ان النبي اعتمد الاليات العقلانية المعروفة لاتخاذ القرار، مايميز الكهانة عن النبوة فهي تهدف الى تغيير ارادة البشر لمقصدها ومرادها، بينما الامامة هي بين عقيدة النص وعقيدة التاريخ، بين امامة تظهر بلا مذهب واخرى عليها حراسها ودعاتها.
واخيرا فان الكتاب هو حواري بامتياز مع الماضي ومع الاخر المشترك تاريخيا ومع الاخر الغريب عن هذا التاريخ، يرسم مسارا لخوض قراءة النصوص الدينية دون تملق او تكفير.

اقرأ أيضاً: حسين مروة.. اغتيال الفكر قبل السياسة

الدكتور جمال نعيم حاضر في قراءة للمؤلّف تحت عنوان “البحث التَّاريخي كتشخيص للحاضر” فقال:

يؤكد الدكتور وجيه أنّ التشيع ليس ظاهرةً طارئةً على تاريخ المسلمين، أي ليس ذا أصلٍ أجنبيّ يتآمر على الاسلام ويحاول اختراقه وتقويضه من الداخل بمعتقداتٍ لا تمتُّ الى الاسلام بصلة.

وفي المقابل، ليس التشيُّع سرًّا خاصًّا بجماعة معيَّنة، ادَّعت من خلاله الطهارة والنقاء. كما أنّه لم يظهر دفعةً واحدةً. فالأنظومة الإماميّة ظهرت تدريجيًّا في التاريخ الاسلامي. ما ينفي أنّها حقيقة منجزةٌ متعاليةٌ على التاريخ وتحوّلاته.

باختصار، ليس التشيُّع حدَثًا طارئًا في التاريخ الاسلامي بتدبير من أعداء الاسلام، وليس أمرًا الهيًّا محضًا وخارجًا عن اختيار المسلمين وتفاعلاتهم. يقول الدكتور وجيه:” كان التشيُّع، ولا يزال من التاريخ وفي التاريخ، ويستمرُّ ويتحوّل به، راكم تصوّراتِه وابتكر مفاهيمه وظهرت جماعاته وبنى عصبيّته، داخل سياقٍ زمنيّ وفضاءٍ اجتماعيّ وأحداثٍ سياسيّةٍ في المجال الاسلاميّ، التي حدّدت التشيُّعَ وتحدَّد بها، ولَّدها وتولَّدت منه. فكان في تمظهراته المتنوِّعة، جزءًا عضويًّا من المجال الاسلاميّ العام لا حقيقةً علويّة خارجه، ولا يُدرك أو يُفهم أو يُسرد الا داخله ومن مادة أحداثه”.(ص ١٠)

لا ينخرط الدكتور وجيه في جدل الأحقيّة. أيُّ مذهبٍ على حقّ؟ منْ هي الفرقة النّاجية؟، بل أصلًا لا يهتمّ بسؤال ما هو التشيُّع الآن؟ فسؤال الماهيّة هذا يُخفي حقيقة التشيُّع أكثر ممّا يُظهرها. إنّه يهتمُّ بأسئلةٍ أخرى: ما الشروط التي جعلت التشيُّع ممكنًا؟ منْ هم الأشخاص المؤسِّسون للتشيُّع؟ في أيِّ ظروفٍ نشأ التشيُّع؟ لماذا وكيف نشأ؟

بناءً على معالجته لهذه الأسئلة، يجد أنّ التشيُّعَ ليس” طريقَ نجاةٍ أو ضلالٍ، خلاصٍ أو هلاكٍ، موضعَ تقريظٍ أو إدانةٍ، بل هو ظاهرة موضوعيّة كانت حصيلة تفاعلاتٍ وتحوّلاتٍ، اصطفافاتٍ وصراعاتٍ، مآسٍ وانتكاساتٍ، آلياتِ حكمٍ واستراتيجيّاتٍ معارضةٍ، تمثّلاتِ غيبٍ ورؤى وحيٍ، سباقَ مشروعيّة وطرق خلاصٍ، أفرزت جميعها أشكالًا تضامنيّة وعصبيّاتٍ اجتماعيّة وبنًى عقائديّةً وأُطرًا خلاصيّةً، تنوّعت بحسب التموضعاتِ السياسيّة والتراتبيّات الاجتماعيّة، وفرضت توزيعًا خاصًّا للموارد وتبايُنًا في المواقع وتنوُّعًا في الأدوار، وتعدُّديّةً متنافسةً بشدَّةٍ حول مسائل الحق والضلال، الهداية والغواية، الحقيقي والزائف”(ص ١١). هذا يعني أنَّ التشيُّع لم ينشأ بفعلِ تآمرٍ خارجيٍّ كما يدّعي خصومُه، ولا بفعل عنايةٍ الهيّةٍ مباشرة كما يدّعي أصحابه.

إنّ التشيُّع يسبح كما السمكة في ما يُسمِّيه الدكتور وجيه المجال الاسلاميّ. وهو وغيره من المذاهب الاسلامية الأخرى التي اختلفت عنه وناصبته العداء، منتجاتٌ إسلاميّةٌ بامتيازٍ. ” إنَّها جميعًا نتاجَ ساحةٍ حضاريّةٍ وسياقٍ تاريخيٍّ مشتركيْن، وتقف على أرضيّةِ تنافسٍ ذاتِ حقلٍ اجتماعيٍّ ومعالمَ جغرافيَّةٍ وتوقيتٍ تاريخيٍّ وزمنٍ أنتروبولوجيٍّ وذهنيةٍ متوسِّطيّةٍ جامعةٍ” ص(١١).

إنّها، باختصارٍ، تنتمي الى فضاءٍ ثقافيٍّ واحدٍ، الى حقلٍ ابستمولوجيٍّ واحدٍ، الى مجالٍ إسلاميٍّ واحدٍ، الى تربةٍ نظريّةٍ واحدةٍ، الى إبستِمه واحدة كما يقول فوكو، رغم الخلافات الكبيرة بينها. هي نشأت على أرضيّةٍ ثقافيّةٍ واحدةٍ ومشتركةٍ. لذا، فإنَّ التشيُّعَ ليس ظاهرةً معلّقةً في الهواء، بل هو ظاهرةٌ اجتماعيّة إسلاميّة نشأت وتفاعلت في بيئةٍ محدّدةٍ وعرَفَت تحوُّلاتٍ ومراحلّ نموٍّ عديدة ومختلفةً. إنّ البحث عن ظاهرة التشيُّع، بالطريقة التي يعتمدها الدكتور وجيه، لهو بحثٌ في العقل الاسلاميّ نفسه، بل في العقل البشريّ نفسه. “البحث في التشيُّع، ليس بحثًا حول مجموعةٍ بشريّةٍ خاصّةٍ، كوَّنت عقائدها في لحظةٍ تاريخيّةٍ معيَّنةٍ، واستمرَّت عليه لبناء كيانيَّتها التاريخيّة والاجتماعيّة، بل هو بحثٌ في التاريخ الاسلاميِّ نفسه، وبحثٌ في العقلِ الاسلاميِّ الذي اتّخذ في كلِّ مرحلةٍ سياسيّةٍ حاسمةٍ منطلقاتٍ جديدةً وممارساتِ سلطةٍ، أنتجت جميعها فِرَقًا وقوًى متعدِّدةً، تنوَّعت في مقترحاتها حول القداسة والحقيقة والتاريخ، رغم وقوفها جميعًا على أرضٍ واحدةٍ”(ص ١٣). لذا، قلنا إنّ عمل الدكتور وجيه هو عمل فيلسوفٍ وليس عملَ مؤرِّخٍ، وإن كان البحثُ تاريخيًّا. إنّ قانصو يحفر في طبقات المجال الاسلاميّ، كما فعل فوكو في حفريّاته وحفر في فضاء الثقافة الأوروبيّة، ليبحث عن الشروط التي جعلت التشيُّع ممكنًا، لكنْ لا ليكون همُّنا أن نعرفَ حقيقة التشيُّع، بل ليكون بإمكاننا أن نفكِّر بطريقةٍ مختلفةٍ.

مع كتاب الشيعة الاماميّة بين النصّ والتاريخ، يصبح التفكير في الاسلام من جديد ممكنًا، بل يُصبح التفكيرُ ذاتُه ممكنًا.

ما ينطبق على ظاهرة التشيُّع ينطبق على غيره من المذاهب. فإذا كان التشيُّع ظاهرةً تاريخيّة عرَفَت مرحلةَ ولادةٍ ومراحلَ نموٍّ مختلفة وتحوّلات عديدةً فرضتها الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة، فإنّه لن يكون، بأيِّ حالٍ من الأحوالِ، حقيقةً ثابتةً وواحدةً، الهيّة ومتعاليةً، طاهرةً ونقيّةً كما يدعي أصحابُ التشيُّع. إنّها منتج إسلاميّ ونتاجُ عملٍ بشريٍّ استمرَّ لقرونٍ. يقول الدكتور وجيه:” إذًا نحن أمام ظاهرةٍ تاريخيّةٍ، لا تقتصر على حدثٍ تأسيسيٍّ حصريٍّ، بل ظهرت ونمَت واتخذت هيئةً اجتماعيّةً ذاتَ طبيعةٍ مؤسّساتيّة مستقرةٍ نسبيًّا، في سياقِ تشكُّلٍ بطيءٍ لأحداثٍ متعاقبة وتحوُّلاتٍ متراكمةٍ”( ص١٣). ويضيف: “التشيُّعُ إذًا ليس فكرةً حقَّةً ثابتةً […]، بل هو منذ البداية نتاج أحداثٍ متعاقبةٍ بعد النبيّ، فرض إيقاعها، السياسيُّ والاجتماعي والاقتصاديُّ، ظهورَ جماعةٍ خاصةٍ ذات موقفٍ محدد من مجرياتِ الأمور، وأنشأت لنفسها، بمفعولٍ رجعيّ، خطابَ حقٍّ وحقيقة، لا ينتج فهمًا خاصًّا بالحدث التاريخي فحسب، بل يُنشىء روايةً خاصةً به للحدث النبوي وقصة الخلق”( صص١٥/١٦).

مراحل التشيُّعِ الإماميّ

اتَّخذ التشيُّعُ، في نظر الدكتور وجيه، ثلاث مراحل:

1- مرحلة التشيُّعِ السياسيّ: امتدَّت هذه المرحلة من فترة حكم الامام عليّ وحتى استشهاد ولده الامام الحسين. غلبَ على التشيّع حينذاك الولاء السياسيّ الخالص والذي خلا من أيِّ مضمونٍ عقائديّ. لا شروط للإنتماء إليه، وبالإمكان الخروج منه من دون تبِعاتٍ، فهو لا يُشكِّل شرطًا من شروط الانتماء الى الاسلام.

2- مرحلة بناء الجماعة أو الفرقة الشيعيّة: بدأت هذه المرحلة بعد استشهاد الامام الحسين حيث كان للمأساةِ دورٌ في توليد شعورٍ تضامنيٍّ بين الجماعات الشيعيّة. يقول قانصو:” فبدأ شعور الانتماء الى الجماعة الخاصة، يطغى على شعور الانتماء الى المجتمع الأوسع” (ص٥٣٥) إنّ عقيدة الإمامة بدأت تظهر عندما اعتبرت السلطة القائمة أنّها تُجسِّدُ إرادةَ الله على الأرض، فنُسِبَت الى الامام صفاتٌ استثنائيّة وخارقة، واعتُبِر أنّ في موالاة الإمام خلاصًا أخرويًّا. بهذا، لم يعد الشيعة حزبًا سياسيًّا، فشكَّلُوا فرقةً ذات عصبيّة خاصة.

3- مرحلة تأسيس المذهب الإثني عشري: أعقبت هذه المرحلة وفاة الامام الحادي عشر، أي الحسن العسكري. ” تختلف هذه المرحلة عن سابقتها في أنّها أقفلت بنود اعتقاد المذهب بعدما كانت في السّابق مفتوحةً، وأحكمت تشييدها بالرواية والدَّليل العقلي، بعدما كانت تُتداول في السابق بصيغ سطحيّة”(ص٥٣٧).من هنا ظهرت طبقة متخصصين عوَّضت غياب الإمام الثاني عشر يُوكلُ إليها إدارة الشؤون الدينية للمذهب. الملفت في الأمر

أنَّنا لا نجدُ اختلافًا بين المذاهب الاسلاميّة بالنسبة الى مفهوم السلطة حيث أسَّسها الجميع على عقيدة الاصطفاء الالهي.يقول قانصو:” وحين تطور مفهوم السلطة من شأنٍ عامٍ الى شأنٍ غيبيٍّ، يُوسِّط فيه الله شخص الخليفة لإظهار إرادته وتحقيق تدبيره للكون، شكّل ذلك موادَّ أوليّة لمعتقد الإماميّة، وبدأنا نشهد ظهور تكوينٍ شيعيٍّ يتمحور حول “الامام القطب” بافتراض قدراتٍ فوق طبيعيّة في “الامام”.(ص٥٣٨)

منهجيَّة الدكتور وجيه قانصو في قراءة الظاهرة الشيعيّة

بإمكاننا القول إنّ الدكتور وجيه قد تميَّز بمنهجه في قراءة التاريخ الاسلامي، في قراءته لظاهرة التشيُّع كظاهرة تاريخيّة، في قراءته للوثيقة التاريخيّة. فالوثائق التي استند اليها معروفة في كتب التراث. وهو لم يكتشف وثائق جديدة، بل عمَد الى قراءتها بطريقة مختلفة، عمَد الى قراءتها بوصفه فيلسوفًا، استفاد ممّا أنتجه الفكر الحديث، لا سيّما ممّا أتى به ميشال فوكو في أعماله الحفريّة التي هدَفت الى العثور على المنطلق الذي منه كانت المعارف والعلوم ممكنة، وفي أعماله النسابيّة التي هدَفت الى البحث عن الأصل وعن قيمة هذا الأصل، والتي هدَفت الى البحث عن الحسب والنَّسب، وقدَّمت أفهومًا جديدًا للسلطة بحيث تحدّث عن هذا المركّب الذي سمّاه السلطة-معرفة أو بحسب ترجمتنا السلطة-عِلمان.

لقد قدَّم الدكتور وجيه آليّاتٍ جديدة في فهم الوثيقة التّاريخيّة مميِّزًا بين زمنيْن: زمن مضمون الرواية وزمن الرّاوي، وهو الأهم، الذي يعتبر جزءًا من زمن تطور الظاهرة الشيعيّة وتشكّلها. اذًا، علينا أن نميِّز بين مضمون الخبر وبين الذهنيّة التي صاغت الخبر لحظة روايته أو إدراجه داخل مصنّف روائي أو تاريخي.

يقول الدكتور وجيه:” التشيّع ظاهرة تاريخيّة، تستدعي توثيقها وتركيبها وفهمها. أي النظر في الوثائق التي وصلتنا والتحقق من صدقيّة هذه الوثائق، وتعقّب هذه الظاهرة من خلال الوثائق الموزّعة والمنتشرة، والعمل على تركيب حقيقتها استنادًا الى المعطيات المتوافرة التي تشير إليها إمّا مباشرةً وإمّا ضمنًا وإمّا تُلمِّح إليها من بعيد”(ص١٨).

فالظاهرة الشيعيّة ليست مجرّد سلسلة أحداث تطفو على السطح، فهي تقوم أصلًا على بنية تفكير وعلى نظرة خاصة الى الدين الجديد، “ممّا يجعلها ظاهرةً ثقافيّةً بامتياز لا يمكن تلمُّسها وتعرّفها بمجرّد تجميع الوثائق المدوّنة حولها، أو تحقيب مراحلها بحسب أحداثها الكبرى والبارزة. إنّها ظاهرة تأويل بامتياز، تقف حقائقها ووقائعها وراء الظاهر من الوثيقة التاريخيّة، ولا يمكن فهمها بسرد وقائعها، بل بالوقوف خلف الرؤية التاريخيّة نفسها لتعرّف دوافعها وغاياتها، والذهنيّات المتحكمة في روايتها وتدوينها، وبالنظر الى التّاريخ لا في سياقه السرديّ بل في امتداده الزمني بعيد المدى، ليكون بالامكان الكشف عن تحوّلاتها البنيويّة التي لا يمكن أن ترى أو تُلْحظ في زمنٍ أو جيلٍ خاص” (ص١٨).

قلنا إنّ الدكتور وجيه لا يهدف الى استعراض التشيّع في وضعيّته المنجزة الحاضرة، في تماسك أنظومته الفكريّة والعقائديّة الحاليّة. إنّ بحثه يحاول “تفسير أسباب الظاهرة الشيعيّة والكشف عن نشوئها ومسار تطورها”(ص٢٢). إنّ الظاهرة الشيعيّة بما هي ظاهرة تاريخيّة واجتماعيّة وسياسيّة ومعرفيّة يجب أن ” تُقرأ وتُوصَّف وتُحلّل وتُفسَّر، ويتم اقتراح نماذج تأويليّة لفهمها وكشف طبقاتها المطمورة والمغطّاة بغشاء بداهة ركيك ويقين خادع، والانسلاك في تعريتها وفضح تلاعباتها لا الانصياع لإملاءاتها وانحيازاتها”(ص٢٢).

سأكتفي بهذه الاشارة العامة الى منهجيّة الدكتور وجيه قانصو في قراءته لظاهرة التشيّع التاريخيّة. وهو قد فصّل منهجيّته في الفصل الأول من كتابه الذي يقع في حوالي ستين صفحة، اذ ليس بالامكان استعراض كلّ ما أتى به على هذا الصعيد.

اقرأ أيضاً: جديد «نوفل»: حديث الشيخوخة للرسام والنحات اللبناني عبد الحميد بعلبكي

ثم القى الدكتور وجيه قانصو محاضرته حول كتابه فقال:

بداية أشكرُ الحركةَ الثقافيةَ في أنطلياس على نشاطها الحافل… فالحركةُ باتت منبراً للفكرِ الحر، وصدى الضميرِ الحي وبصيرتَه المتطلعةِ إلى شروط حياة إنسانية أفضل.

لن أتطرقَ إلى مضامينِ الكتاب أو عناوينِه، بل أود هنا، عرضَ تجربةَ الكتابة ، أو تجربة السؤال القابع خلفها، الذي يخوِّلُنا اختراقَ أسوار الكتاب، وتعريةِ استاره. فالنصُ، بقدر ما يكون وسيلةَ اتصالٍ وتواصلٍ، يبقى أيضاً موطِنَ الحُجُبِ ، والسطحَ الذي يطمسُ قاع الهوَّة ، وقمة الثلج التي تُخفي سراديبَ الذاتِ وكهوفِها المظلمة.

عرُضُ تجرُبَتِكَ ، يضعُكَ في منطقة النحن أو النحنُوية We-ness التي تتعطل فيها سلطةُ البرهان، ولا جدوى في داخلها من اليقين وطُمأنينَةُ الحشود. أي منطقة الذات الخالصة لا الفردية أو العرَضية، التي يكون القلقُ والسؤالُ والتفكرُ فيها، قلقٌ وسؤالٌ وتفكرٌ عنى وعنك وعنه وعنا جميعاً، أي عن كل البشرية.

الكتاب ثمرة مسعىً لفهم الذات واستعادتِها في آن، وللحدِّ من ابتلاع موضوعُ البحث لها، بعد أن كانت في فترة معتدةٍ من وجودها مُنتجاً من منتجاته. هذا المسعى ليس تأملاً استبطانياً خالصاُ، بل هو فعلٌ ارتجاعيٌ إلى الوراء، انكفاءٌ متواضعٌ، خروجٌ من حروبِ إثبات الذات أمام الآخرين وتفوقها عليهم، ارتدادٌ إلى أرض العوالم الخلفية لكل قيمة، والأسس الأخيرة أو الأولى لكل صحة أو صلاحية.

إنه – اي المسعى- عودةٌ إلى منطقةِ الحرية التي يمنحُها الشكُّ طاقة تحررٍ عجيبةٍ من سطوةِ أفكارِ الحقيقةِ وشمولِ التمثلاتِ المزيفِ. فالشك ليس ضياعاً أو قلة إيمان كما يظن البعض، بل هو وقايةٌ من سذاجة الجموع ، وتكنيسٌ لترسباتٍ دفينة سُرِّبَت إلى داخلنا أو دست فينا من دون علم أو إرادة منا. هو هذا الصوت الداخلي الذي ينكد طمأنينَتَك، ويُقطِّعُ أوصال اليقين اللاغي لكل وجوه الإحتمال والتعدد، وينتزعك من حقل إمكاناتك الفائضة. ما يجعله، أي الشكَ، منبَعَ الحريةِ التي لا يحدُّها شيءٌ، وأصلَ حقيقةِ الذات ويقينَها الأول، إنه الملاذ النهائي الذي يضمن لك البقاء الأخير بعد أن يتداعى في داخلك ويتحطم أمامك ومن حولك كلُّ شيء. (عودة إلى الكوجيتو، ليس بالضرورة صياغاتها الديكارتية الاولى، بل لحظتها اللحظة الضرورية الأولى لكل مسعى في تفحص الصحة أو إعادة تأسيسها من جديد، تجعلك ذاتك تحت سيطرتك لا سيطرة الآخرين، واجعلك فوق في نهاية المطاف فوق الحقائق كلها التي هي آخر الأمر من صنعك)

*************

موضوعُ التشيُّعِ، مثلُه مثلَ أيِّ موضوعٍ ديني، يحمل في جانب منه وازعاً إيمانياً محمَّلاً بادعاءات واثقة وتعالِياتٍ تُطلُ على معاني المطلق والخير والحق وما يجب أن يكون، وفي جانبه الآخر يستقي مادة حقائقه من أحداث التاريخ العرضية وصوره الجزئية وعشوائية سيلانه المتدفق وتتابع أحداثه غير المتوقعة، أي تاريخٌ متخمٌ باللاحتم واللايقين والإحتمال والإمكان وحتى الفوضى.

هذا يضعُ الإنسانَ في كل لحظاته داخل دائرةَ وجودٍ، يسميها البعض بالدائرة التأويلية، يكون فيها الكليُّ والضروريُّ والثابتُ والحتميُ والنهائيُّ أوصافاً مؤقتة لخارج ووقائع وموضوعات وصور حياة يملك اللامعنى واللاعقلي دائماً حصة الاسد فيها. (

ولا أقصد باللامعنى أو اللاعقلي هنا انتفاء المعنى وتعطيل العقل، بل العجز عن الوصول إلى معان محكمة للأشياء أو حصرها في كليات أو تمثلات عقلية نهائية).

هذه الدائرة أشبه بدولاب متحرك في مجرى الزمن الإنساني، تحدث في كل دوران جديد بداية جدية ومعنى جديد لتحقق إنساني جدبد. (الوجود بحسب هايدغر حقل تأويل، والتحقق أو الانوجاد هو فعل الفهم والتأويل نفسه) .

ما يعني أنها- أي الدائرة- ذات سمة أنطولوجية متحركة للوجود الإنساني لا تتوقف ولا يكبح دورانها إلا سلطةً من خارجها (الدائرة لا تنتج ثباتاً بل كل شيء فيها سيال، والثابت لا يأتي منها، بل من خارجها وينزع إلى إيقافها وتعطيلها)، مصدرها الأساس الميتافيزيقيا والمقدس (وكلاهما وجهان لعملةٍ واحدة)، تخرج المعنى من السيلان الدائم ، وتعلن ثبات الحقائق وأزليتها. عندها تنفصل المعاني والكليات والمبادئُ عن دائرة الوجود الإنساني، وتغترب عنه، وتتخذ لنفسها وجوداً خاصاً بها، بعدما كانت لحظة من لحظات وجود الإنسان وتحققاته. في تلك اللحظةِ ندخل تاريخ وعصر الملل والمذاهب، ويبدأ علم اللاهوت أو الكلام أو علم العقائد.

********************

قد يقول البعض ما علاقة كل هذا بموضوع الندوة؟ أقول أنه صلب الإشكال الذي يشمل الكتاب ويتعداه. إنها قضية صراع الإنسان مع حقائقه التي تجيء في لحظة تاريخية خاصة لتشبع قلقه المعرفي وظمأه الوجودي، ثم تنقلب عليه في فترة أخرى لتلغيه وتختزله وتستتبعه.

فبقدر ما تستجيب العقيدة، أية عقيدة، التي هي صناعة تاريخية لزمن تأسيسي خاص، لرهانات لحظتها التأسيسية الأولى، فإنها تحجب معان ورهانات أخرى، بل تحجب موضوع العقيدة نفسه، بعد أن تخنق ظهوراته المتعددة ووجوهه المحتملة والممكنة.

تكون العقيدة بهذا المعنى تنزيلٌ وإلغاءٌ:

* هي تنزيلٌ مصطنع لرهانٍ تاريخي جزئي وخاص نُزِّل منزلة اللازمني، والجائز منزلة الحتمي، والمحتمل منزلة اليقين.

* وهي إلغاءٌ لوجوه موضوعها المتعددة ودلالاته المحتملة ورهانات وأفاق أزمنة أخرى.

هذا يجعلُ العقيدةَ شكلاً من أشكال التمويه بأزلية حقائقها، والتقنيع في إخفاء أصلها التاريخي وظرفها الآني الذي ولدت فيه، لتوهم متلقيها المتأخرين عن زمانها، الذين هم نحن، تعاليها على أية مشروطية تاريخية، وتفرض عليهم الخروج من أفاق أزمنتهم وتلبس ذهنية ومشاعر أزمنة أخرى في فهم حقائق تاريخهم ودينهم.

بهذا فإن التأسيس الأصلي، أو التمذهب الذي يفرض نهايات وحتميات، على ظاهرة متدفقة وسيالة، هو يملي إكراهاً على الإرث الشيعي بتأبيد فهم آحادي حوله يحجب احتمالات فهم أخرى، ما يجعلنا نتلقى التشيع بالواسطة لا مباشرة، بالتلقين لا بالقراءة، بالاتباع لا بالفهم.

عندها يتخذ التشيع وتيرة حضور واحد وثابت في التاريخ، ويغيب الكثير من أبعاده، ويحوله إلى ظاهرة منعزلة ومعلقة في الهواء، ما يتسبب بالفصل بين الظاهرة الشيعية وتاريخها، ويخلق اغتراباً بينها وبين حقائقها وظهوراتها، امتنع معه تفسيرها بحسب ظهوراتها التاريخية بل وفق سر غامض يقف ورائها، يفصح عن نفسه حيناً ويتركنا حيارى ومرتبكين حيناً آخر.

*********************

كانت مهمة الكتاب إعادة ظاهرة التشيع إلى أصولها ومنطقة اشتغالها لكي تفصح عن خصوبتها، أي إعادتها إلى التاريخ الإسلامي وحتى الكوني واعتبارها جزءاً منه، لا أمراً طارئاً عليه أو سراً خاصاً اعتقدته جماعة من المسلمين، وتناقلته عبر أجيالها المتعاقبة بتقية متقنة.

فالتشيع ليس مجموعة معتقدات ظهرت دفعة واحدة منذ أول أمرها، وليس حقيقة منجزة ملقاة علينا من خارج التاريخ أو متعالية على تحولاته ومتغيراته، وبمنأى عن محدودية أحداثه وعشوائيتها فوضويتها وانتظامها، زيفها وأصالته.

هو ظاهرة لم تتخذ شكلا موحداً في التاريخ، ولم تحصل بفعل تآمر خارجي، ولا بفعل عناية إلهية مباشرة، بل ظهرت من رحم الواقع، واستعارت منه مكوناتها الاجتماعية والثقافية وخطابها وتضامناتها. إنها مشهد داخلي نابع من صميم الواقع الإسلامي، ويندرج ضمن التفاعلات التاريخية التي حصلت في المجال الإسلامي، بحيث لو حذفت وأقصيت أو إمحيت وقائعها، فإن أصل الذاكرة الاسلامية يتعرض للتزييف والتشويه والتلاعب

كان غرض الكتاب قراءة المذهب الإمامي الشيعي، لا لنتعالى به أو نتهمه، مثلما درج النقاش المتبادل بين الإمامية وخصومها، بل نتعامل معه بصفته منتجاً إسلامياً، ظهر ونما واستقر داخل سياق تفاعلي بين المكونات الإسلامية المتعددة، وفَرضَ وضعه السياسي اتخاذَ هيئة اجتماع وتكوين عقائدي خاصين يتمايز بهما عن التكوينات الإسلامية الأخرى، من دون أن يفارق الأرضية المشتركة الرافعة لكل المذاهب والتيارات. نحن أمام واقع إسلامي أنتج تنويعات متعددة كان التشيع أحداها، وليس أمام إطار مصطنع لمسارات متجاورة ومنفصلة عن بعضها.

لذلك حرصنا على رؤية المشهد من داخله مثلما حرصنا على رؤيته من خارجه. إذ إن التشيع نتاج الداخل والخارج معاً. فالخارج فرض عليه تموضعاً خاصاً داخل شبكة القوى وموازينها، والداخل كان نتاج دينامية تكيفه مع المتغيرات والأوضاع المتقلبة.

ما جعل التشيع حصيلة تفاعلات سياسية-دينية ممتدة في التاريخ، وظاهرة لم تأخذ شكلاً تضامنياً واحداً ولا بنية عقائدية ثابتة. فكان في جميع مراحل تكوينه الأولى مرآة للواقع السياسي والفكري السائد، الذي استعار منه مقولاتَه المتداولَةَ، السياسية والعقلية والعلمية، لصياغة خطابه وبناء رؤيته وتوليد حججه، فكان نتاج واقع محموم بصراع الخيارات المحتملة متخمٍ باصطفافات تداخلت فيها عناصر الثروة والعصبية القبيلة والوجدان الديني.

*****************

حين يتحول التشيع إلى مذهب عقائدي صارم، فإنه لا يُحدث قطيعة مع غيره فحسب، بل قطيعة مع نفسه، مع تدفقاته التاريخية ولحظاته الإنسانية الكبرى، حيث يحجب الإعتقاد المافوق إنساني في رموز التشيع الأوائل رؤية الإنسان الذي دفع برهاناته إلى تخوم المغامرة الإنسانية الأخيرة. إذ كل ما هو فوق تاريخي هو خارج التاريخ وممتنع عليه، وكل ما هو فوق إنساني هو لا إنساني، لن نجده سوى في تمثلاتنا المتعالية.

لذلكك، لست بحاجة أن أرى في علي خصوصية إضافية فيه، أكثر من هذا الصفاء الإنساني الذي مارسه واختبره حين قال: ” وَ اللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا ، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ ، وَ إِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي (السلطة) لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضُمُهَا”.

لست بحاجة إلى أي اعتقاد حق أو باطل، خير أو شر، أو لائحة لعنات وإدانات لأدرك قيمة الحرية التي مارسها الحسين (الذي حصل في التاري لا علاقة بسوء النوايا بل تطور طبيعي لشبكة مصالح فرضت نفسها، بل إن أعداء الحسين حاجة لاكتمال عناصر المشهد الحسيني، فلولا هذا الوضع لظل الحسينية أمكاناً مفترضاً لا تاريخاً فعلياً متحققاً).

فالحرية لا تتجلى في القوة والجاه والسلطة التي تمنحك القدرة على أن تفعل ما تريد، بل تتجلى حين تتقطع بك السبُلُ كُلُّها، وتلوذ بوسيلة حريتك الأخيرة، وهي أن تعدم وجودك لتهزم موت الذل، دافعاً الحريةَ بذلك إلى ذراها القصوى. كانت لحظة الحسين لحظة اختبار أصلية للإنسانية كلها.

التشيع في أصوله الأولى موقف إنساني واختبار نُمتحن فيه نحن البشر في كل اللحظات التي تضعنا أمام خيارين: خيار أن توجد ميتاً (الذلة) أو تنوجد بالموت (السلة). وهي صورة لا يمكن رؤيتها لو كان علياً أو الحسين عندي عقيدة نهائية أو تمثلاً متعالياً أو رمزاً لخلاص حصري.

آخر تحديث: 10 مارس، 2017 5:10 م

مقالات ذات صلة >>

ننصحكم >>