زمن الانقلاب الترامبي

المشهد الترامبي شبيه بالمناخات الانقلابية، فالرجل يتصرف بصفته زعيما انقلابيا، فهو منذ لحظة دخوله إلى البيت الأبيض لا يقوم سوى بالتوقيع على أوامر رئاسية هدفها إحداث تغير جذري في المناخ السياسي الأمريكي والعالمي. أوامره الرئاسية تشبه البلاغات العسكرية، وأداؤه المسرحي يشبه أداء عقداء العالم الثالث في الزمن الانقلابي، وإعجابه بنفسه لا يتوقف عن التضخم، بحيث صار العالم اليوم أمام لحظة لا تذكرنا سوى بصعود النازية والفاشية.
والرجل الذي يتباهى بثروته ويستخف بالآخرين، يقدم لنا نموذجا حيا عن معنى التراجيديا الكوميدية في السياسة. لم يعد يحق لأحد أن يتساءل كيف سُمح لهتلر بتسلق السلطة، إذ نحن اليوم أمام مشهد مشابه، فصعود المهرجين السفاحين إلى السلطة لا يحتاج إلى أكثر من اجتماع أزمة اقتصادية مع أزمة قيم أخلاقية في المجتمع، عندها يأتي من يتحايل على الشعب باسم الشعب، فيمتطي السلطة ويقود الناس إلى الهاوية.

انقلاب في أمريكا؟

هذا هو المحال، لكنه محال يتحقق بطرق ديموقراطية، أو لنقل بطرق تستخدم الديموقراطية من أجل قتلها. الترامبية ليست سوى انقلاب، وهو ككل الانقلابات يأتي مفاجئا، أو لنقل انه يفاجئ النخب والمثقفين.
وأمريكا ليست دولة عادية، إنها الامبراطورية، والامبراطورية تتهاوى من الداخل، يفترسها مرضها العنصري، ويهيمن عليها قيصر أعمى، يعتقد أن العودة إلى منطق القوة والتهديد سوف ينقذ امبراطوريته، وأن الشرط الأول للإنقاذ هو إعادة العبيد في الداخل والخارج إلى الحظيرة.
وبمقدار ما يبدو ترامب مهرجا فهو يثير الرعب، بدأ بمنع رعايا سبع دول إسلامية من الدخول إلى أمريكا، حتى ولو حمل بعضهم «البطاقة الخضراء» للإقامة الدائمة، وألغى التأمين الصحي، وأعلن البدء ببناء الجدار، وأهان رئيس المكسيك، ويهدد الصين، ويريد تأبيد الاحتلال الإسرائيلي عبر نقل سفارة بلاده إلى القدس، والحبل على الجرار.
أما في الداخل الأمريكي فإن كل منجزات حقوق الإنسان من الحقوق المدنية إلى حقوق المرأة مهددة بشكل جدي.
والرجل الذي يحيط نفسه بالعنصريين واللاساميين لا يتوقف عن إبداء إعجابه بالاحتلال الإسرائيلي، فهو لا يحفل بمنطق الحقوق، منطقه الوحيد هو الربح المادي وتسيّد الرجل الأبيض.
ترامب هو نوستالجيا الفاتحين الأوروبيين الذين اجتاحوا القارة الجديدة بالحديد والنار. فلا وجود لأي رادع أخلاقي أمام جبروت الإنسان الأبيض، كل شيء يجب أن يكون في خدمة جشعه وتسلطه وتعطشه إلى الثروة.
وترامب ليس معتوها، إنه رجل عقلاني جدا، يزن مصالحه الخاصة بدقة، تمرجل على مواطني الصومال لكنه لم يجرؤ على الاقتراب من مواطني آبار النفط، يقرأ العالم بعيون التجار، معتقدا أن الثروة تجيز له كل شيء.
لكنك لا تحتاج إلى أن تكون معتوها كي تقود العالم إلى العُته، خطر ترامب الأكبر في أنه ظاهرة كونية، من بوتين إلى لوبين وفيّون ومستبدي العالم الثالث. هؤلاء هم أنبياء انحطاط العقل، وشيوع ثقافة ما بعد الحقيقة، وعودة الغرائز العنصرية والدينية إلى واجهة العالم.
إنه زمن السقوط المدوي للرأسمالية التي كان انتصارها في الحرب الباردة بداية هزيمتها الأخلاقية والسياسية. فالحرب الباردة كانت في أحد أوجهها حربا أخلاقية، حرب قيم ضد قيم، ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي ومنظومته من داخل فساد نظام الاستبداد الستاليني، وجدت الرأسمالية المنتصرة نفسها حرة إلى درجة التخلص من قيمها الليبرالية نفسها، فتوحشت، وقادت إلى أزمات اقتصادية مستعصية، سمحت للخطاب الفاشي بالعودة إلى المسرح والاقتراب من لحظة الهيمنة عليه.
العالم اليوم أمام الخطر الفاشي، وهو خطر جدي لأنه يهدد الشعوب والأفراد، ليس في القارة الأمريكية فقط، بل في العالم بأسره.
وأول الطريق إلى مقاومته يبدأ بالتأكيد على القيم الأخلاقية، وعلى رأسها قيم العدالة الاجتماعية والمساواة وحقوق المرأة ورفض الطائفية والعنصرية والاحتلال.

اقرا ايضًا: ترامب وجه هتلر في أميركا
والمعركة ليست في أمريكا وحدها، على الرغم من ضرورة أن يلعب الأمريكيون دورا حاسما فيها، إنها معركة في العالم بأسره، وهدفها هو منع الفاشية من الانتصار وحماية الحقوق التي اكتسبها الإنسان في العصر الحديث منذ الثورة الفرنسية.
لا مجال للحياد في هذه المعركة البالغة الصعوبة. فعالم اليوم يبدو وكأنه سقط في أسر لغة الاستبداد، بين ترامب وبوتين أكثر من رابط، على الرغم من اختلاف الأداء بين القيصرين، إنهما منحازان إلى منطق القوة، ويروجان وإن بوسيلتين مختلفتين للاستبداد.
وفي هذه المعادلة يبدو العالم العربي من مشرقه إلى مغربه خارج اللعبة، أو هو مجرد ساحة لها، ويصير موتنا العربي هو أحد أثمان صعود الترامبية في العالم. لكن هذا الواقع يزيد في مسؤوليتنا، فاستعادة لغة الحق في بلادنا، من الحق في الحياة الكريمة (سوريا) إلى الحق في مقاومة الاحتلال والتطهير العرقي (فلسطين)، مرورا بحقنا في أن نكون مواطنين أحرارا في بلادنا، يجب أن تكون جزءا من هذه المعركة الكبرى التي تخوضها شعوب العالم ضد الفاشية الجديدة.
دونالد ترامب هو الأخ الأبيـــــض لعيدي أمين دادا، وسيكون فضله الكبير إنه أنهى الحلم الأمريكي وحوله إلى كابوس.
النضال ضد الترامبية في الشارع والقضاء والجامعات، وفي كل مكان، هو عنوان معركة الدفاع عن قيم الحرية والمساواة في العالم.
إنها معركة ضد هذه الكوميديا المأسوية كي نستعيد حقنا في أن نكون بشرا وتكون لنا كرامة إنسانية.

آخر تحديث: 31 يناير، 2017 11:49 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>