آستانة: تموضع روسيا يكشف ايران

روسيا التي دعت الى مؤتمر الآستانه، ظهر بوضوح أن هدفها منه هو ان تكون هي من يدير الصراع السياسي والعسكري بالدرجة الأولى في سوريا، بغض النظر عن الانقسامات الطائفية والقومية التي تعم المنطقة العربية والإسلامية.

نجحت روسيا في تعزيز حضورها كطرف راع للتسوية بين المعارضة السورية ونظام الأسد، هذا ابرز ما يمكن استخلاصه من مؤتمر استانة الذي انهى اعماله امس وخلص الى بيان ختامي صدر عن الدول الراعية، اي تركيا وايران وروسيا، والأصح عن روسيا التي تقود هذه العملية من المفاوضات لتثبيت الهدنة بين فصائل المعارضة المسلحة ونظام الاسد.

لم تحدّد روسيا اهدافاً لمؤتمر استانة تتجاوز قضية تثبيت الهدنة، تلك التي صاغتها مع الحكومة التركية نهاية الشهر المنصرم بعد معركة حلب وخروج الفصائل المسلحة من المدينة بشكل كامل. عدم تحميل المؤتمر اهدافا تصل الى الانخراط في مشروع تسوية سياسية، يحول دونه اسباب تتصل بمرجعية جنيف والامم المتحدة، لكن الأهم هو عدم مباغتة الادارة الاميركية بخطوات من هذا القبيل لا سيما ان الموقف التقليدي للادارة الاميركية والثابت حتى الآن هو رفض الادارة الاميركية ان تكون روسيا مرجعية الحل السياسي في سوريا.

اقرا ايضًا: بيان استانة الختامي خيب آمال المعارضة فلوحت بعودة القتال

لاشك ان الادارة الاميركية الجديدة لن تخرج عن استراتيجيات حددتها الادارة السابقة على الأقل في المدى المنظور، وبانتظار انتهاء ما يسمى بمرحلة الصمت التي تعقب عملية تنصيب الرئيس المنتخب في الولايات المتحدة الاميركية، فان الادارة الاميركية والمستمرة في التصدي لما يسمى التنظيمات الارهابية في العراق وغيره، ليس من توقعات تدفع نحو خيار اميركي مختلف نوعيا عما كان معتمدا في عهد ادارة اوباما تجاه الزمة السورية، وربما الكلام الصادر عن القناة العاشرة الاسرائيلية في الساعات الماضية، من ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب صرف النظر في الوقت الحاضر عن قرار نقل السفارة الاميركية من تل أبيب الى القدس، يوحي بأن العديد من المواقف التي اطلقها ترامب في حملته الانتخابية سيصطدم بمؤسسات صناعة القرار الاميركي الممتدة من الكونغرس الى البنتاغون والمخابرات، من دون ان يعني ذلك بطبيعة الحال ان ترامب لن تكون له بصماته البارزة على هذه القرارات.

هذا الانطباع الأولي عن عدم توقع سياسات اميركية مختلفة في الحجم والنوع تجاه سورية، لا يعني ان الدول الاقليمية وروسيا ليست في حالة ترقب لما سيصدر عن الرئيس الاميركي الجديد، هو الذي حدد التطرف الاسلامي كهدف للابادة من قبل ادارته، كما انه وجه اكثر من رسالة سلبية لايران، تشير الى ان ترامب لم يكن راضيا على السلوك الاميركي الذي قاده اوباما تجاه ايران. والى ذلك ثمة العلاقة مع روسيا التي تبقى في وعي الناخب الاميركي دولة غير صديقة بل خصم لايمكن ان تكون العلاقة معه ودية. من هنا يبدو الحذر الروسي والايراني من الادارة الجديدة يتخذ سياسات تتسم بتجميع الاوراق في سورية، ولكن هذه المرة بطريقة تدفع نحو توقع مزيد من التباين الروسي-الايراني وليس التطابق في النظرة والحسابات.

هكذا كان مؤتمر استانة ترجمة اعادة التموضع الروسي، بما يحول دون غرق روسيا في الوحول السورية من جهة، وخطوة لاستثمار الزخم العسكري الروسي الذي حال دون سقوط النظام السوري من جهة ثانية  كما صرح وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف قبل ايام، فاذا كانت ايران غارقة في حرب ايديولوجية او اهلية هي رأس حربة احدى جبهتيها، وعاجزة عن لعب دور توفيقي او تسووي بسبب طبيعة انخراطها العسكري والايديولوجي، فموسكو لم تكن يوما امام وهم الانخراط في الانقسام الصفوي-العثماني او الفارسي -العربي او السني-الشيعي، ولا في وارد الانشغال بمواجهة مع اسرائيل، لذا تبدو قيادة الكرملين لديها من القدرة على الوصل والقطع في علاقاتها بما لا يتوفر لدى اي فريق اقليمي او حتى دولي.

اقرا ايضا: بشار الجعفري من استانة: السعودية وقطر وتركيا يدعمون الإرهاب

خرج مؤتمر استانة ببيان صادر عن دول ثلاث، ونكرر هو بيان روسي بالدرجة الاولى، يثبت موقع روسيا كطرف ثالث بين متصارعين اثنين، اقليميا وسوريا، والاهم ان البيان اظهر ان النظام السوري هو طرف في صراع مثله مثل الفصائل المقاتلة ولا يكتسب شرعية التحدث باسم الدولة السورية. وفي ذلك محاولة رسم للاطار العام الذي سيتيح لروسيا ان تدير الصراع السياسي وحتى المواجهات العسكرية من موقع يخفف عنها احتمالات الاستنزاف العسكري ويتيح لطرفي الصراع المزيد من الاستنزاف السياسي والعسكري في لعبة عض اصابع باشراف روسي ومراقبة اميركية متحفزة مع الادارة الجديدة.

  

آخر تحديث: 25 يناير، 2017 5:34 م

مقالات تهمك >>