41 عائلة فلسطينية من تجمع الشبريحا للاجئين مهددة بالتشريد 

ما هو وضع الفلسطينيين في لبنان وكيف يعيشون وكيف هو شكل علاقتهم بالاونروا والسلطة اللبنانية.

بعد إعادة توجيه إنذارات جديدة للسكان بالمغادرة..

يقرع الباب في وقت متأخر من الليل؟!

من الطارق؟

لا تقلق نحن وفد من بلدية العباسية.. نريد تسليمك رسالة؟

إقرأ أيضا: تحذير مؤسساتي دولي من مخاطر البطالة والفقر بمخيمات لبنان

ترى أيفتح الحاج أبو محمود الحسن الباب وعلامات الخوف والوجل قد بانت عليه، فلم يسبق له أن زاره احد في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل؟ ترى من يكون هذا؟ وما هي الرسالة التي يتحدث الغريب عنها؟ وهل هم بالفعل من البلدية كما يدّعون وإذا كانوا كذلك فما الذي يريدونه في مثل هذا الوقت ولماذا لم ينتظروا حتى الصباح؟ هل الأمر طارىء إلى هذا الحد؟ فالذي يعرفه الحاج بأنه لاجىء فلسطيني مقيم في تجمع الشبريحا للاجئين منذ ما يزيد عن الخمسين سنة وسيرته طيبة وعلاقته مع جميع أهالي التجمع والجوار جيدة إن كان من الفلسطينيين أو اللبنانيين. إذا ما الذي يريده طارق الباب؟ ربما رسالة من ابنه الغائب في المهجر أو ربما من قريب؟ ترى هل الرسالة شفوية أم خطية وما هو نوع الرسالة في تلك الليلة الظلماء؟ وفي وقت تساؤلات الحاج السريعة عاد وقرع الباب من جديد، ليرتعد الحاج خوفاً ؟! لا تخف يا حاج أبو محمود افتح الباب.

وأخيراً وبعد تردد فتح الحاج أبو محمود الباب وتبددت مخاوفه وعرف من كان الطارق، نعم الوفد من بلدية العباسية وجاء ليجول (بهدوء) على بعض منازل التجمع (41 عائلة) يسكنون في 29 منزل، ليسلم كل منزل مظروف فيه خريطة للمنزل مع ذكر مساحة الباطون، ليخبرهم بضرورة التوجه إلى القصر العدلي في مدينة صيدا ابتداءً من صباح الغد 2/4/2005، فمنازلهم مهددة بالجرف بالإضافة إلى مقبرة المخيم بسبب شق طريق “أتوستراد” يربط بين مدينتيْ صيدا وصور.

انقلبت مشاعر أبو محمود رأسا على عقب والخوف الذي تبدد معه معرفة الزائر المتاخر عاد وسيطر عليه من جديد وبدأ قلبه بالخفقان السريع متسائلاً في نفسه، هل ستعود الذكرى الأليمة من جديد بعد أكثر من نصف قرن على مرورها، ترى هل سيعيش تجمع الشبريحا ذكرى اللجوء والتشتيت والتشريد من جديد وقد بدأت معالمه تظهر تباعا؟، فلقد بدأت المسائل تاخذ طابعها الرسمي وهي تعيد للأذهان ما حصل لتجمع درب السيم للمهجرين الفلسطينيين القريب من مخيم عين الحلوة للاجئين في منطقة صيدا في العام 1999 حين تم جرف عدد من منازل المهجرين لنفس الغاية أي لشق نفس الطريق الذي يربط مدينة صيدا حتى منطقة أبو الأسوَد دون أي تعويض يذكر وترك اللاجئون حينها يدبرون أمرهم فمنهم من عاد وهاجر إلى مخيمات صور والآخر إلى مخيمات بيروت أو الشمال..

إقرأ أيضا: الأسيرة المحررة هناء الشلبي: عاتبة على حكومة غزة

تجمع الشبريحا

يقع تجمع الشبريحا للاجئين في منطقة صور ويبعد عن العاصمة اللبنانية بيروت حوالي 75 كلم. يبلغ عدد سكان التجمع حوالي 1500 لاجىء. تأسس التجمع في العام 1952. ورب سائل يسال لماذا وجود هذه التجمعات غير المعترف بها جغرافياً إن كان من قبل الاونروا أو الدولة اللبنانية، ولماذا لجوء الأهالي اليها بعد النكبة بالرغم من وجود المخيمات الرسمية؟ والسبب في ذلك يعود لمسألتين رئيسيتين، الاولى بأن من يسكن تلك التجمعات مثل القاسمية أو البرغلية أو الشبريحا أو أبو الأسود او عدلون او جل البحر وغيرها من التجمعات ..هم من اللاجئين البدو وتجمع الشبريحا جلّ سكانه بدو من عرب السمنية، الحمدون والقديرات التي كانت تسكن قرب القرى الفلسطينية التابعة بمعظمها إلى قضاء مدينة صفد في فلسطين، وللحفاظ على العادات والتقاليد وترابط العائلة والعشائر، ترغب العائلات أن تقيم بجوار بعضها البعض. وأما المسألة الثانية فان البدو يشتهرون بتربية المواشي من الغنم والبقر والدجاج .. فكانت العائلات تختار التجمعات المجاورة للمخيمات والخالية من السكان كمكان لها وللمواشي التي يجب أن تكون بعيدة عن المنازل المأهولة.

لا يوجد في تجمع الشبريحا أي من المدارس أو الرياض أو الأندية أو الأماكن الترفيهية أو أية خدمات تقدمها المؤسسات الأهلية الفلسطينية المحلية او الدولية، ويستفيد الأهالي من خدمات الأونروا من خلال المدارس الموجودة في مخيم البص للاجئين الذي يبعد عن التجمع حوالي خمسة كلم بالإضافة إلى بقية الخدمات. أما عن الماء والكهرباء فإن الأهالي لديهم آبارهم الخاصة التي يستفيدون من مياهها إن كان للشرب أو الغسيل، أما الكهرباء فمن الدولة اللبنانية ويتم دفع الاشتراك الشهري حسب الإستهلاك.

تعود ملكية أرض تجمع الشبريحا للدولة اللبنانية وهي كغيرها من الأراضي التي لم تسأل عنها الدولة منذ 57 سنة من عمر النكبة وهي تابعة قانونياً إلى بلدية العباسية في منطقة صور، والجدير ذكره بأنه إبان حرب المخيمات قد تم إحراق جميع منازل الشبريحا بما فيها من الأمتعة والأثاث، وهُجّر اللاجئون منها إلى التجمعات والمخيمات والمناطق في صيدا وبيروت والشمال ومنهم من هاجر إلى أوروبا أفراداً وعائلات، ومع بداية التسعينيات عاد من استطاع من الأهالي لإعادة بناء منزله من جديد .

إقرأ أيضا: المؤتمر السابع لـ«فتح».. خلفيات وكواليس

مآسي متوقع حدوثها

التقينا بالحاج حسين محسن الحسن أبو محمود من عرب القديرات قضاء صفد مواليد فلسطين في العام 1946 لديه 14 ولد، خمسة صبيان وتسعة بنات، أربعة منهم متزوجين والباقي يعيشون معه في نفس المنزل المهدد بالجرف يحدثنا عن قصة جرف المنازل ” منذ ما يقارب الثمانية سنوات بدا يزور الشبريحا عدد من  لجان المساحة التابعة لمجلس الإنماء والإعمار اللبناني وتكررت الزيارات لعشرات المرات، من قياس للطرقات ووضع العلامات وقياس لمساحات المنازل التي نسكن فيها، وتكررت عملية قياس مساحة منازلنا لاكثر من مرة ولم نكن نكترث للامر معتقدين بانه قياس روتيني، وعند سؤالنا للمهندسين المشرفين، لم يكونوا يقولون لنا الحقيقة عما يجري، وبصراحة فلقد تم استغباء الناس لكي لا تثور عليهم وتمنعهم من استكمال مخططهم من خلال لجوئهم الى السلطات المختصة ومتابعة الموضوع منذ البداية. وعند سؤالنا كانوا يقولون لنا بان القياس بسبب الطريق ولكن كانوا يخبروننا بانه سيكون بعيدا عن منازلنا، ومما نسمعه وليس بشكل رسمي بانهم سيعوضونا عن منازلنا 200 الف ليرة لبنانية عن متر الباطون الواحد اي حوالي 130 دولار وهذا لا يكفي على الاطلاق ان كان لشراء منزل او اعادة بناء منزل، واين سنبني (منازلنا الجديدة )، اذ لا يوجد حتى أمكنة في المخيمات المكتظة اصلا بالسكان، وكما نعلم أيضا بأننا ممنوعون من التملك بقرار من الدولة اللبنانية، وبهذا ستكون النتيجة حتما مزيدا من التشريد والشتات والتفرقة ومن سيدفع الثمن غاليا هو نحن وابناؤنا معنا، ان من تعليم او طبابة، او خسارة ارزاق، والأهم من ذلك التشتيت والتشريد، وعدم الإستقرار النفسي…”

القرار يشمل عائلات لبنانية وفلسطينية

قرار الجرف لم يشمل فقط العائلات الفلسطينية (29 منزل) وانما ايضا سبعة منازل يسكن فيها إحدى عشرة عائلة لبنانية ولكن معظم العائلات اللبنانية هي بالاصل من القرى اللبنانية التي تم تحريرها من الاحتلال الاسرائيلي في أيار2000 ولم تحصل الى الان على تعويض مناسب لكي تعيد بناء منازلها هناك. بالرغم من الماسأة الإنسانية التي أيضا ستقع لدى العائلات اللبنانية ولكن في النهاية من الممكن ومن خلال التعويض أن تعود الى قراها الأصل في المناطق المحررة أو تستطيع شراء منازل في أي منطقة لبنانية. إلا أن المشكلة الأكبر هي لدى الفلسطينيين الذين ليس لديهم أي بديل للذهاب إليه على الأقل في المدى المنظور.

إقرأ أيضا: نساء من أجل فلسطين: مركز إعلامي يشرح معاناة المرأة الفلسطينية

لجنة مختصة للمتابعة

“لا يوجد اي عمل مثمر تستطيع اللجنة الشعبية القيام به وهي التي تعرف بالامر من زمن بعيد، ولم نرى لها اي تحرك” هذا ما يقوله السيد حسن موسى السكران ابو الرائد (57 سنة ) من عرب الحمدون ولديه 15 ولد، أربعة صبيان و11 بنت، يعيش في التجمع منذ العام 1952 تزوج فيه وانجب ابنائه جميعا فيه، يعمل الان بائع في دكانه الصغير لبيع السمانة ولديه 15 قفير لتربية النحل بالاضافة الى بيعه لاشجار الليمون وغيرها من الاشجار، ويساعد ابو الرائد في اعالة العائلة ابنه رائد الذي تخرج من معهد سبلين المهني التابع للاونروا في تخصص تمديد الكهرباء ويعمل مع احدى الشركات.

يضيف ابو الرائد ” ولانه لا يوجد اي من المؤسسات او القوى او اللجان من يتابع امرنا فلقد تم تشكيل لجنة من اهالي التجمع وعقد اللقاء الاول لها بتاريخ 25/5/2005 وتم وضع خطة للتحرك باتجاه الفعاليات والقوى اللبنانية من نواب ووزراء ولكي نكون منصفين فقد زارنا فقط الأستاذ أسامة حمدان ممثل حركة حماس في لبنان ، الذي وعد بالتحرك ومتابعة الموضوع”.

زيارة مفتي الجمهورية اللبنانية

ومتابعة للقضية الانسانية نظمت المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان “شاهد” لقاءً بين مفتي الجمهورية اللبنانية فضيلة الشيخ محمد رشيد قباني وبعض فعاليات التجمع بتاريخ 6/6/2005 لشرح الموقف والنتائج الإنسانية الصعبة التي ستنتج عن جرف المنازل فيما لو تحقق الامر ووعد المفتي بمتابعة القضية مع الجهات المختصة.

إقرأ أيضا: الفلسطيني نزيه البقاعي من مرج الزهور الى غزة مسيرة 21عاما (1)

تعيين محامي

تلقائيا بعد تبلغ الاهالي بضرورة زيارتهم للقصر العدلي لان منازلهم مهددة بالجرف، تم توكيل محامي للدفاع عن الاهالي ومطالبهم وتم تعيين المحامية مريم الشامي، عضو جمعية المحامين العرب، وبالمقابل تم تعيين محامي عن بلدية العباسية التي من شانها تنفيذ القرارات الصادرة عن الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وما ذكرته المحامية مريم بعد ان تم زيارتها من قبل لجنة اهالي التجمع بان “افضل ما سيتم القيام به هو اقناع الدولة بضرورة ازاحة الطريق عن التجمع وهناك مكان يتسع الى ذلك، وفيما لو تم تنفيذ القرار بجرف المنازل، فان ما سيحصل عليه اللاجئون من تعويض لن يكون باي حال من الاحوال كافيا لتغطية جميع الخسارة ” كما يقول الحاج ابو محمود الحسن.

إقرأ أيضا: الجدار العازل في عين الحلوة.. صمت فلسطيني وتصلّب أمني لبناني

وبانتظار ما سيكشف عنه ستار التحرك تجاه الفعاليات والساسة وصناع القرار في لبنان، سيبقى اللاجىء الفلسطيني في تجمع الشبريحا ينتظر بخوف وقلق بالغين المصير المجهول، ويرفع الصوت عاليا تجاه من يجد نفسه معنيا تجاه هذه الكارثة الإنسانية التي لا شك فيما لو حدثت ستكرر وجه من وجوه النكبة القبيح وجه الماسي واللجوء والتشريد.. وان غدا لناظره قريب.

آخر تحديث: 8 فبراير، 2017 3:51 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>