الإمام شمس الدين يحضر في ذكرى غيابه السادس عشرة

تحلّ الذكرى السادس عشرة لوفاة الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والمسلمون في أشد حاجة للعودة لفكره الذي كان استشرق بواسطته الأحداث المأساوية التي تحلّ حاليا بالعديد من بلداننا العربية والمسلمة بفعل الاستبداد المزدوج من الحكام الظالمين من جهة، ومن المشاريع الاسلامية الطائفية المتناحرة فيما بينها من جهة أخرى.

مع سقوط  الاسلام السياسي وتجارب حكمه في العديد من البلدان العربية والاسلامية التي لم تسفر الا عن مزيد من خراب سياسي واقتصادي وأمني، اضافة الى تفريخه لعدد من التنظيمات الارهابية الطائفية التي اطاحت بسمعته بشكل نهائي، فانه يجري اعادة الاعتبار لفكر عدد من الفقها المتنورين الذين تنبأوا للاسلام السياسي بهذه النهاية المأساوية وعلى رأس هؤلاء فكر الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى في لبنان الذي توفي منذ 16 عاما تاركا ثلاثة أقانيم لا بدّ للمسلمين من اعتمادها للنجاة بدينهم ودنياهم من أطماع الثيوقراطية واستبدادها وهي: “ولاية الأمة على نفسها” (الديموقراطية)، التي يجب ان تنتج “الدولة المدنية” (دولة غير عسكرية وغير دينية)، وأخيرا وجوب “عدم لالتحاق بمشاريع طائفية مستقلة عن الأوطان”، تلك  الأوطان التي يجب أن تكون جامعة لكل الطوائف والأعراق.

 

يقول الكاتب والفقيه اللبناني الراحل السيد هاني فحص  “كان الإمام محمد مهدي شمس الدين، قد تخلص نهائياً من طموحات البداية. وكانت تأسست على فكر الإخوان المسلمين، وعلى كتاب “معالم في الطريق” وسيد قطب والإسلام السياسي. إسلام الدولة الإسلامية، أي الدينية، وجاهر بالدولة الإسلامية، عندما انخرط في المجتمع اللبناني وثقافته التعددية، واكتشف أهمية التعدّد وحيويّته وفكرة الدولة المدنيّة ودورها”.

 

تقوم “الدولة المدنية” من خلال نظريته (ولاية الأمة على نفسها) على عدم إدخال الدين في السياسة،”، فالأصل الأولي هو عدم ثبوت ولاية أحد على أحد، فالإنسان وليّ نفسه، حرّ بطبيعته ومن حقه التعبير عن إرادته وتقرير مصيره”. وفصل الدين عن السياسة لا يعني عند الامام تهميش الدين، أو جعله في حيز ضيّق في حياة الفرد. فالدين يعيش في ضمير الأمة كلها، وهي التي تحميه لا الدولة. في المقابل ، يجب ان تحترم الدولة المدنية خيارات الناس، وتؤمن مناخاً تسود فيه حرية المعتقد وإقامة الشعائر الدينية، كما أن عليها ألا تتدخل في عمل المؤسسات الدينية.

 

وجواز فصل الدين عن الدولة  بنظر الامام شمس يعود لحقيقة أن الشريعة مكونة من فقه عام وفقه أفراد. فقه الأفراد، أو فقه العبادات يسود في المجتمع، بغض النظر عن شكل الدولة ومؤسساتها، ويحتل موقعاً رئيساً في الشريعة، إذ هو فقه وضَعَ أسسه الرسول صلى الله عليه وسلم خلال فترة المدينة، بينما لم يحدد وظائف مؤسسات الحكم، ولا الحكومة وأشكالها. والأمة من بعده هي التي حمت فقه الأفراد. أما الفقه العام فهو الفقه الذي يُعنى بالحكومة ووظائفها ومصدر شرعية الحكومة. والفقه العام أقل شأناً من فقه الأفراد، لأنه ليس نصياً، بل خاضع للاجتهاد، ويتسم بعموميته وتاريخيته، ولا يخوض بالتفاصيل، بالإضافة إلى أنه وضع لزمن غير الزمن المعاصر، بينما أحكام فقه الأفراد توقيفية، أي لا تتغير بتغير الزمان، و نصية، أي غير قابلة للاجتهاد.

 

ويؤكد الإمام شمس الدين على أن الحكومة الإسلامية بذاتها غير مقدسة ولم يأتِ بها تشريع، إنما المطلوب أن يكون الإسلام حاضراً في المجتمع، وليس من خلال الدولة التي أصبحت أداة يخضعها المجتمع لتلوينه الثقافي العقائدي. ولقد تبنى الشيخ الديمقراطية بوصفها آلية للحكم، تنفذ مبدأ الشورى الإسلامي، ولا تتعارض مع الأحكام الإسلامية الأخرى.

 

وطالب الامام الراحل شمس الدين الشيعه في لبنان والعالم العربي ان يندمجوا بأوطانهم وان لا ينخرطوا في مشروع خاص، اليوم المكونات الشيعية في العالم ان يندمجوا ضمن مجتمعاتهم  وان لا يعتنقوا مشاريع الأيديولوجيات السياسية، ويحضّهم أيضا على اتباع الطرق السلمية في المطالبة بأي حق يرون أنه قد أُخذ منهم، ويشدّد في الوقت نفسه على احترام القوانين المشرّعة والالتزام بها وفق الآليات الديموقراطية .

ومن هنا كانت معارضة الامام شمس الدين لمبدأ تصدير الثوره الايراني، فحفظ الدماء لا يكون الا بالابتعاد عن الفتن وعدم تلبية الدعوات المتسرعه للقتال، والجهاد لا يكون الا ضمن أطر مشروعه لا من أجل التبشير بدعوة مذهبيه تثير العصبيات والأحقاد .

ولمّا كان الأصل الأولي عند الشيعة في قضية بناء الدولة الإسلامية لا يجيز مشروعية تسلط إنسان على إنسان، فإنّ ولاية الأمة على نفسها تدحض “ولاية الفقيه” التي جعلها الامام الخميني أساسا لشرعية الحكم في ايران.”فالدولة حتى ترقى إلى مرتبة الأصل الأولي، لا بدّ من أن تنتهج خيار الديموقراطية في انتخاب الموظفين والمسؤولين الإداريين من طريق مجالس الشورى المنتخبة، أو بواسطة السكان بصورة مباشرة”. باعتبار أنّ هذه الطريقة الديموقراطية هي أقرب”إلى ما يقتضيه الأصل الأولي في باب السلطة، وأقرب إلى دليل التقييد مما إذا مارست الحكومة سلطتها في تعيين المسؤولين والموظفين الإداريين في معزل عن رأي الناس واختيارهم، فإن هذا أبعد مما يقتضيه الأصل الأولي، وقد لا يكون داخلاً في التقييد. أمّا بعده مما يقتضيه الأصل الأولي فمن حيث أنّ الحكومة تمارس سيادتها وسلطتها في إنشاء وفرض سلطة جديدة على الناس، وتعيين متسلط عليهم بغير اختيار منهم، وهذا واضح”.

آخر تحديث: 12 يناير، 2017 1:51 م

مقالات ذات صلة >>

ننصحكم >>