كربلاء ليست شيعية

سأبقى في الماضي القريب والبعيد، لأنه أجمل من الحاضر قطعاً، وسيكون أجمل بكثير من المستقبل القريب على الأقل. فحتى مرارات الماضي احلى من حلاوات الحاضر.

اقرأ أيضاً: لبنان والموارنة

ذكرى عاشوراء هي من اختصاص رجال الدين، هي الحدث، حيث إن يزيد بن معاوية، الفاسق، الفاجر، القاتل، خليفة المسلمين (ليس بالإجماع، إنما هو خليفة)، هاجم في خلال سنتين مدينة الرسول، واستباحها بجيشه، وقتل فيها قراء القرآن، وشخصيات من بني هاشم، من بقايا الصحابة، وعُقدت البيعة من الناس على أنهم عبيد ليزيد. وانتقل جيشه من المدينة إلى مكة، وهاجم الكعبة وأحرقها وضربها بالمنجانيق وقتل ابن بنت الرسول، وكان ذلك عام ستين سنة للهجرة، أي لا زمن طويلاً بين وفاة الرسول ومقتل حفيده الذي يُجمِع المسلمون والعرب والمسيحيون على أنه إمام مستقيم نظيف اللسان والكفّ والعقل والقلب.

عندما كان الحسين آتياً من الحجاز إلى الكوفة، بناء على آلاف الرسائل التي أرسلت إليه، والداعية إياه إلى الحكم بعد وفاة معاوية، وصل إلى مكان أُبلغ فيه أن الناس انقلبوا عليه بالمال والتهريب والترغيب و”قتلوا رسولك مسلم بن عقيل وجرّوه بالأسواق”، ولم يجد مسلم من يحميه، وهو الذي كان الناس يتسابقون عليه. فدخل إلى بيت سيدة كان ابنها غائباً، وعندما عاد ابنها عرف من يكون، فوشى به وقُتل وعُذِّب ومُثّل به قبل وافته.

وحاول معاوية مرات عدة أن يستدرج الأمير عبيد الله بن زياد الذي كان والده والياً على خراسان من قبل الإمام علي، وفي النهاية أخذه، وتولى ابنه الكوفة ليواجه الحسين.

وعرف الحسين بذلك. وقيل له ألا يعود إلى الكوفة لأن الناس انقلبوا ضده. فإن كانت “قلوبهم معك، أي يعرفون الحق والحقيقة، ولكن سيوفهم عليك”.

هكذا يفعل الحاكم الفاسد وزبانيّته. يوقعون الناس بالتناقض ويلهونهم عن دنياهم وآخرتهم. فتعبير الحسين عن هذا المشهد يجعلنا، كرجال دين، ننتبه إلى الجمهرة وكثرة الهتّافين والمصفّقين، الذين تدفع بهم أنظمة إلى اتجاهات أخرى، باتجاه السلبية أو الجريمة أو السكوت عن الجرائم والخيانة. من هنا، يجب أن نعرف ماذا يريد هؤلاء؟

كربلاء

علينا أن نفكّر بالجمهور وبمصلحته وكرامته، وألاّ نترك الجمهور يفكر بعقلية القطيع، وإلا فإننا لا نكون أوفياء له عندما نهيّجه ونستتبعه، وكأننا نتبعه. فإن كان مستواه الفكري عالياً، لا بد من الإصغاء إليه ومناقشته. وإن كان مستواه أدنى نُصْعِدُه إلى مستوانا من دون كسره وفرض ما لا يطيقه.

وقد وقف الحسين وقال: “الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معائشهم، فإذا محّصوا بالبلاء، قلّ الدّيانون”.

أسأل الله ألا يبتلينا وألاّ يبتلي الجماهير العربية التي لم تعد تتقن إلا الكراهية ضد بعضها، وهي أكلت رغيفاً واحداً وعاشت في بيت واحد وفي حي واحد وكنيسة واحدة وجامع واحد وزمهرير واحد وحرارة واحدة وخطر واحد. إنهم الآن على استعداد ليأكل بعضهم لحم بعض. وأن تصل المسألة إلى هذا الحدّ، فمن أجل ماذا؟

هذه لمحة من عاشوراء أرجو أن نقرأها جميعاً على حرف واحد وبحساسية واحدة، وأن نقرأ كل تراثاتنا بهذه الحساسية. كل حادثة وكل تراث لهما خصوصيتهما، خصوصية الناس، الدين، المذهب، الأرض، المكان. إنما في النهاية، هناك قيم عامة وأفكار عامة، سلبية أو إيجابية.

وفي النهاية من يذهب إلى الجلجلة يمر بكربلاء، ومن يمر بكربلاء لا بد من أن ينتهي بالجلجلة. وكربلاء ليست شيعية، وإلا لما كان هناك شيعة وسنّة. والإمام الحسين يقول: “خرجت أريد الإصلاح في أمة جدّي”، وليس بين مذاهب الأمّة.

ومن بين الشهداء مع الحسين كان هناك مسيحيون، على الأقل كان هناك مسيحيان اثنان، ما يعني أن الاستقامة والإمامة، بصرف النظر عن خصوصياتها الدينية، تجذب كل أهل الحق وأهل الخير وكل المشتاقين إلى الانعتاق والحرية والخبز الحلال.

على مسؤوليتي، أنصح بالعودة إلى أجمل ما في الماضي، من أجل أجمل ما يمكن أن يكون في المستقبل.

(من كتاب على مسؤوليتي – منشورات صوت لبنان)

آخر تحديث: 28 نوفمبر، 2016 7:24 م

مقالات ذات صلة >>

ننصحكم >>