حين يأتي ترامب متهيِّباً إلى مبنى «العدو»: النيويورك تايمس

قادت “النيويورك تايمس” بكفاءة سياسية ومهنية عالية حواراً استثنائيا مع دونالد ترامب الذي جاءها زائراً بشروطها بعدما تبين قبل ساعات أن شروطه كانت فخاً وقع فيه كبار الإعلاميين التلفزيونيين. “التايمس” رفضت أن لا يكون اللقاء علنياً بينما التلفزيونات قبلت بـ”الأوف ذي ريكورد”، فانهال عليهم ترامب بالإهانات أي على التلفزيونيين. مع فارق شكلي مهم أن التلفزيونيين جاؤوا إليه في “برج ترامب” بينما هو الذي ذهب الى الصحيفة.
كان حواراً مشرِّفاً للصحافة المكتوبة. مثّلت فيه “النيويورك تايمس” ليس فقط الصحافة الأميركية بل العالمية في تقديم نموذج لحوار متكافئ الاحترام المتبادل لم يستطع أن يخرج فيه هذا الرئيس غير العادي عن “الأصول”، وهو الصانع الماهر في خرق الأصول وتجييرها لنجاحه في الانتخابات. وهو ما استطاعت “النيويورك تايمس” أن تفعله في لقاء أداره بكفاءة ناشرها أرثر سولزبرغر وشارك فيه رئيس مجلس إدارتها وكبار مدرائها ومعلقيها ومراسليها ومحرريها حول طاولة واحدة في مبنى “النيويورك تايمس”.
هنا بعض الملاحظات الضرورية جداً على اللقاء حتى بالنسبة لي كصحافي من لبنان والعوالم العربي والمسلم والثالث:
أُعطِيَ ترامب الفرصة الكاملة بنشر كل ما قاله بل أصلاً بالأجوبة الطويلة بينما الأسئلة كانت قصيرة. ولكنها أسئلة في قلب المواضيع الكبرى التي طرحها وصول ترامب.
كان يتخلل بعضَ أجوبة ترامب مقاطعاتٌ سريعة مهذبة ولكن متهكمة يطلقها سولزبرغر وبعض المشاركين. فإجاباته حول ماذا سيفعل لعدم نشوء صراع مصلحة بين ملكيته لشركة كبيرة وبين رئاسته رافقها بعض الضحك من الصحافيين عندما أشار مرة إلى شريكه الهندي وهل يأخذ أو لا يأخذ صورة معه أو عندما أخبر المجتمعين أن كريمته والعائلة ستتولى الشركة. وعندما سئل عن هل سيبيع الشركة أجاب قاطعاً بل متحججاً بأن بيع الأسهم عملية أبسط من بيع العقارات، كونها شركة عقارات، عملية معقدة… طبعا مع كليشيه أن ما يهمه الآن فقط هو إدارة البلاد.
سوى بعض النقد، وليس الإهانة، إلى الصحيفة على مواقفها “القاسية” منه وعلى إحدى المعلِّقات التي استثناها وحدها وبتهذيب ولكن بصرامة من أي اتصال معها في المستقبل، كان دفاعياً لا هجومياً. بينما سرّب فريقه بسرعة بعد اللقاء مع التلفزيونيين أنه قال لهم أنهم “غير نزيهين”، “عُصاة”. ليس معنى هذا أن رأيه الفعلي إيجابي بصحافيي “التايمس” بل بكل بساطة لأن “ميزان القوى” في الجلسة لم يكن يسمح بالعودة إلى آراء له بالصحيفة شديدة السباب خلال الحملة الانتخابية.

إقرا ايضًا: إيران ضحية إدارة ترامب
لقد قدم عددا من الآراء في المسائل المطروحة مهمة ولافتة وحاول أن يعطي صورة مسؤولة عن نفسه.
أحد المقاطع الطويلة كانت في حديثه عن أسباب نجاحه وخطأ الاستطلاعات. قال إن شركات استطلاع الرأي التي كانت تضعه دائما كخاسر فاتها إضافة أو الأخذ بعين الاعتبار “عنصر الحماسة” بين مؤيديه باستثناء استطلاع واحد في “الواشنطن بوست” وضعه في المقدمة بسبب هذا الفارق بين جمهور منافسته وجمهوره. قال إن مؤيدي هيلاري كلينتون كانت تنقصهم الحماسة بينما مؤيدوه كانوا العكس.
لست هنا في مجال إعادة نقل تصريحاته التي باتت معروفة خصوصاً لجهة إعادة تشديده على أولوية اهتمامه بقضايا الهجرة والرعاية الصحية وإعادة تعديل أنظمة الضرائب لتشجيع عودة وفتح الشركات وخلق فرص العمل.. كذلك ما بدا من بعض السذاجة في قوله أن صهره (اليهودي) يستطيع أن يساهم في حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي!…
ما يعنيني أساساً هنا هو النظر إلى المقابلة نفسها كحدث بل منعطف في علاقة السلطة السياسية بالصحافة والإعلام. حدث أكد الحاجة إلى استقلالية هذا الإعلام والدور النقدي الذي يواصل ترسيخه مع أن تجربة دونالد ترامب نفسها حتى الآن “انتهت” بـ”هزيمة” لقدرة الصحافة على التقدير والتوقع كذلك بتراجعها حيال وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة، وإن كانت، كما يظهر في المقابلة، أكدت قوة الموقع النقدي النخبوي (لأن الصحافة نخبوية والتلفزيون شعبي) حيال قضايا فكرية وأخلاقية وسياسية كبرى.
ما أنا بصدده هنا هو إذن اللقاء كمواجهة بنيوية في النظام الديموقراطي كذلك بعض التقنيات المستخدمة في هذا السياق الحواري التصادمي.
يجب أن تُدرّس هذه المقابلة في كليات الاعلام والعلوم السياسية، ليس فقط في نصها بل الأهم في سياقها. المرحلة الترامبية الجديدة مفتوحة على البدايات وليس على النهايات، شخصاً ومجتمعاً ومؤسساتٍ وثقافة.

آخر تحديث: 24 نوفمبر، 2016 10:16 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>