الخلافة وأزمة الأيديولوجيات الاسلامية الصاعدة

تقوم الأحزاب السياسية الإسلامية باكثريتها الساحقة على مبدأ ضرورة تطبيق الإسلام في المجال السياسي كما في المجالات الأخرى من الحياة الاجتماعية والثقافية.

سماحة العلامة المفكر الاسلامي السيد محمد حسن الامين متفهم لدوافع الرغبة التي تنطلق من أن المجتمع الإسلامي استطاع في مرحلة معينة من التاريخ أن يقيم دولاً ومجتمعات كانت حينها متقدمة على العالم السائد آنذاك، وترى هذه الأحزاب أن قيام نظام إسلامي في المرحلة التاريخية الراهنة هو الكفيل باستعادة تلك الأمجاد الغابرة، ويفوتهم في كثير من الأحيان أن العالم في القرون المتأخرة وفي زمننا الراهن، يختلف عن العالم السابق الذي أشرنا إليه، وبالتالي فإن حلم استعادة المعادلة القديمة هو حلم لا يمكن تحقيقه بالأدوات التي جرى فيها ذلك التقدم الإسلامي التاريخي في السابق. كما أن التحليل الذي تعتمده الأحزاب الإسلامية لإنجاز هذا التقدم هو تحليل خاطئ، لأنه في نظرنا تحليل مثالي تلعب فيه الرؤية الروحية الدينية الدور الأساسي، بل كامل الدّور الذي يتطلبه التقدّم، والذي يعتبر أن مجرّد استعادة الروح الدينية لدى الشعوب المسلمة هو العنصر الوحيد لإنتاج النقلة من واقع التخلّف والضعف إلى بلوغ مستوى الازدهار والقوّة”.

اقرأ أيضاً: الشيعة والسنة مذهبان دينيان أم حزبان سياسيان؟

ويؤكد السيد الأمين انه بالنسبة لموضوع الحكم الاسلامي “نحن لا نقول بمثل هذا الرأي لأننا حين نراقب برامج وإيديولوجيات الإسلامية الحزبية، لا نلحظ في برامجها ما يشير إلى امتلاك رؤية علمية وفكرية واقتصادية تشكل برنامجاً علمياً للتحرك في واقع ينقل التخلف إلى واقع التنمية والتقدم. ونلاحظ أن الأيديولوجية التي تقوم عليها أفكار دولة إسلامية، لا تتضمن أكثر من شعار أن هذه الأمة لا يمكن أن تتقدم إلاّ بعودة الإسلام ديناً ومعتقداً، وأن هذه العودة هي الكفيلة وحدها بتحقيق عناصر التنمية ومكافحة الفقر والتخلف والضعف”.

ويلفت السيد الأمين انه “في لقول الشائع بأن بنية الغرب المتقدمة هي بكاملها بنية كافرة ولا يمكن أن تكون موضع قدوة لإحداث تحوّل في عالمنا الإسلامي الراهن، فإنني هنا أريد أن أضرب مثالاً عن أعرق وأقدم حركة إسلامية في عصرنا الراهن وهي حركة الإخوان المسلمين، الذين وصلوا لبرهة قصيرة إلى الحكم وامتلكوا السلطة في أهم بلد عربي إسلامي وهو مصر، فمن يتابع أدبيات هذه الحركة لايجد فيها سوى مقولات مثالية تفتقر إلى حضور مشروع سياسي تنموي يمكِّن مصر من الانتقال ضمن برامج محدد من واقعها المتخلف إلى الدرجة التي تجعل منها دولة من دول العالم الحديث”.

الحضارة الاسلامية

الايديولوجيا الدينية
وفي محاولة تفسير ما طرحه بالنسبة للأيديولوجية الدينية يقول السيد الأمين “هي محاولة لفرض نهج خاص وأنماط خاصة في السلوك على المسلمين من قبل فريق أو حزب يؤمن بهذه القيم التي يفرضها، فإنّ هذا يصطدم مع أشرنا إليه من سماحة الدين وقبول التعدّد والتنوّع في فهمه وفي إداء السلوك الذي يراه البعض او كثير من الناس منسجماً مع فهم للإسلام وبالتالي يجيز لهم رفض ما أسميه بالأيديولوجيات الدينية التي أعني بها فهماً خاصاً للدين لدى فريق من المتدينين يحاول أنه يفرضه على الآخرين، أي رؤية بشرية للدين ولأنماط السلوك والتفكير والاجتماع، هو أيديولوجيا وليس دين.
ولا أستثني في هذا المجال بروز أيديولوجيات منغلقة في هذا الزمن الراهن، تعمل على فرض فهمها الأيديولوجي الخاص وإخراج من لا يلتزم بهذا الفهم من دائرة الدين والتديّن.
ويوضح السيد الأمين: “ان الوعي ونسبته المرتفعة في المجتمعات هو ما نحن بحاجة إليه كنمط في الفكر والثقافة والتربية غير متوفر مع الأسف في هذا الواقع الذي نعيشه الآن والذي يريد الفصل بشكل كامل بين المنجزات البشرية الإنسانية وبين الدين.
فبعض الإسلاميين الأصوليين يتحدثون عن علوم إسلامية،فيما أن هذه العلوم هي إنتاجات بشرية ومستقلة عن التعليمات والمفاهيم الدينية السائدة. مثلاً الحديث عن اقتصاد إسلامي، قد يجوز أن ندخل بعض القيم الأخلاقية في البنى الاقتصادية، ولكن لا نستطيع أن نكتشف في الإسلام نفسه برنامجاً اقتصادياً شاملاً، لأنه يحتاج إلى فكر بشري بما يعني أن بإمكاننا أن نستعين بالنظريات الاقتصادية التي أنجزها الإنسان في بناء حضارات المتقدمة دون أن يعني ذلك أننا خرجنا عن القيم الإسلامية التي يمكن الاستفادة منها في بناء الاقتصاد”.

اقرأ أيضاً: هل الإنقسام بين السنّة والشيعة هو سياسي أم فقهي؟

وينهي السيد الأمين حديثه بأن “الإسلام أو القرآن أو الدين لم يتنزلوا على الإنسان ليقدموا له جميع العلوم التي يحتاجها لتطوير حياته البشرية، بل من أجل حثّه على أعمال العقل والنظر في الكائنات والمخلوقات والقوانين الطبيعية التي تشكل مصدراً للمعرفة التي هي نتاج عقل الاجتماع الإنساني”.

آخر تحديث: 8 نوفمبر، 2016 8:55 م

مقالات ذات صلة >>

ننصحكم >>