إنتخاب الملكة وإنتخاب الرئيس

جرت إنتخابات ملكة جمال لبنان لعام 2016 في موعدها. كما في كل سنة. من دون تعطيل ولا مناورات، ولا آلام الفراغ وتطيير الجلسات. هيمنت عليها الألوان والأقمشة ولزوم البريق كله. داعبت العيون البصْاصة، خصوصاً في فقرة عرض المرشحات للمنصب بثياب البحر. إنتخابات بعيدة كل البعد عن ضجيج السلاح، عن الميليشيات التي يمكن ان تدعم هذه المرشحة أو تلك. لا تحتاج سعيدة الحظ للصواريخ الخلفية، ولا التحالفات الإقليمية، ولا “التسويات” مع الكبار والصغار. أما تأثيرها، أو آثارها على الصبايا التواقات إلى الجمال، فلن يتعدى تصوّرهن للجمال والجاذبية. ولكن هذا التصوّر له معاييره المعولمة، الموحّدة، المنسوخة عن كاتالوغ “علماء” التجميل، خريجي المعاهد المعولمة. لذلك تجد كل المرشحات متشابهات: الشعر، الحواجب، العيون، الشفاه، المشية، الطول، العرض، أسنان النجوم الساطعة الناصعة، قصّات الفساتين، التي هي من تصميم لبناني عالمي… ولمزيد من التوحيد، كانت الأسئلة الموجّهة إلى المرشحات، البلهاء المتذاكية، والإجابات المطابقة لها.
وهذه النقطة الأخيرة، هي التي تصل هذه الإنتخابات الجمالية بانتخاب الرئيس: فبمعيار الضجر والتسلية، يمكن القول ان الرئاسية أكثر تشويقاً، فيها الجدة والمفاجآت والحركة الحثيثة، واللقطات النادرة، تقابلها الجمالية منها، التي لم تأتِ بجديد، لكثرة ما هن متشابهات، أولئك المرشحات. والإنتخابان حُضِّر لهما، وراء الكواليس. فكان لإخراجهما وقع متفاوت، وإن رافقت الإثنين الطنْطنة والدعاية المتواصلة. وانتَ المواطن البسيط، يمكنكَ ان تحدسْ مدى الجهد والسهر والركض والتوتر الذي بُذِل من أجل إنجاح هذا الإخراج. وانتخاب الملكة يبدو للعيان بأنها غير طائفية، أكثر ديموقراطية، رغم معاييرها الإعتباطية للجمال. فهي لم تعلن سلفا عن الفائزات بها، تركت مكانا للرهانات والتوقعات؛ أما الرئاسية، فكان عليها لكي تُعقَد، أن تحدد الفائز بها، وإلا عُلّقت، أُجّلت.
والجمالية لم يقف خلفها حلفاء تنال صواريخهم الأخضر واليابس، ولا كانت مدعومة من أهم دولة إقليمية، أو من ضغط التظاهرات والشعارات “الميثاقية” والتهديد بفرط الحوار والحكومة ورفع التظلمات الميثاقية. وفّرت على الوطن مشقة إنقساماته العميقة ووحّدته للحظات، عندما ستمثله الملكة في إنتخاب ملكة جمال الكون. مع الفرق الجوهري، هنا أيضاً، ورغم فارق السن، ان ملكة الجمال لن يدوم عرشها أكثر من سنة، وهي بالكاد ستذوق خلالها طعم خيراته، وتنعم ببريقه. فيما الرئيس يستعيد هذا الطعم، بعد حرمانه منه لمدة 26 سنة. وقد تمتد رئاسته لأكثر من ست سنوات، عنوة، كما مع بعض نظرائه من الرؤساء. ومن طبائع هذا الرئيس أن تمتد ولايته أبعد من أي رئيس سبقه. مع ان في ملكة الجمال والرئيس مشترك نفسي واحد: الأولى تحلم باعتلاء عرشها “منذ الصغر”، كما قالت بشفافية تامة، تعبيراً عن شهوتها للسلطة الجمالية. والثاني، لا نعرف إذا كانت الرئاسة حلم طفولته، ربما أفصح عنها، لا نعرف. ولكن الأكيد انه عقد العزم على استعادتها منذ ربع قرن، وفعل كل شيء، استراتيجي، تكتيكي… من أجلها.

إقرأ أيضاً: رئاسة عون برعاية الأسد ونصرالله

في الانتخابين أيضاً، مسْخرة موصوفة، وإن اختلفت أنواعها. فلا الملكة جديرة بلقبها، لشدة ما تشبه منافساتها، المستنسخات عن النماذج الرائجة، الفارضة لمعايير تعتقد انها جمالية. ولا الرئيس جدير أيضاً؛ وهذا ليس بالموقف السياسي، إنما موضوعياً، من دون تزيين ولا تنميق: ما هي مواصفات المرشح لرئاسة الجمهورية، في هذه اللحظة بالذات؟ وهل يتمتع مرشحنا بها؟ وهل يحتاج الجواب على ذلك إلى تفكير طويل؟ حاول ان تحصل على “برنامجه”، على تصوره للحكم الرئاسي، فلن تجد غير رسائل خاوية، موجهة للخصوم والحلفاء، ودعوة إلى الإعجاب اللامتناهي به… كلمات جوفاء، مثل “الرئيس القوي”، لا تعطي عن المستقبل أي أفق مختلف، كما يُفترض بالعهود الجديدة. رسائل فقط هنا وهناك، تتطاير في الهواء الطلق بلا حساب. كلمات الملكة على الدرجة نفسها من السطحية، وخير فعلت انها لم تتكلم كثيراً. والقليل الذي تفوهت به رفع من درجة ركاكتها، إذ قالت، بعد سؤال عن “برنامجها”، خلال هذه السنة من اعتلائها للعرش، انها “اختارت”، كما يختار المرء لون سيارته، أن تهتم بذوي الإحتياجات الخاصة، منوّهة بـ”أهمية” هذه المشكلة بالنسبة للعائلات…

“رئيس صُنع في لبنان”، مثل “ملكة صُنعت في لبنان”، نقطة أخرى كاذبة تضاف إلى سجل الإثنين. فلا حاجة إلى تبيان “برانية” صناعة الرئيس، وكل التشابكات الحاكمة لها، والتدخلات والموافقات والفيتويات… ولسنا هنا إلا بصدد تسجيل هذه الكذبة الموصوفة. فيما الملكة أُخضعت لفحوص وتدقيقات وإمكانيات تلبيتها للذوق “العالمي”، بمقاييسه الرسمية الموحّدة؛ تمسك بها “لجنة تحكيم” مبهمة، تختار من بين وجوه الشمع هذه، شبيهات نجوم الفيديو كليب. “صُنِع” هذا الجمال في مختبرات علماء التجميل ومصممي الأزياء وصانعيها ومجلات الموضة المروجة لبضائع التجميل الخ.

إقرأ أيضاً: ملكة جمال لبنان على مشرحة مواقع التواصل الاجتماعي: واسطة أم عونية؟

حفل تنصيب ملكة الجمال إنحصر بالشاشة الصغيرة، من دون لافتات ولا مهرجانات في الشوارع والساحات؛ وكان “نجمها” المغني وائل الكفوري، الذي خصّص أغنية للمناسبة. أما حفل تنصيب الرئيس، فينتظر مهرجانات، لا مهرجان واحداً، وأُعدّت له أغنية، كرمى المناسبة. صوت “النجم” الآخر، معين الشريف، سوف يصدح بها، ويملأ قلوبنا فرحا ومحبة لهذا الرئيس الذي سيقلب ميزان حياتنا، ويحولها إلى حلَبة صراع؛ فيما الملكة المسكينة، لن نسمع بها خلال كل هذه السنة من توليها العرش، إلا في الإجتماعيات والمنافسات العالمية، التي لن تغير حياتنا إلى أحسن أو أسوأ.

آخر تحديث: 27 أكتوبر، 2016 10:53 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>