السيد لا، السيدة برنامج

شاهدتُ فجر اليوم، بتوقيت بيروت، المناظرة التلفزيونية الثالثة والأخيرة بين المرَشَّحَيْن الرئاسِيَّيْن هيلاري كلينتون ودونالد ترامب. في المرتين السابقتين كان اهتمامي كغيري، وخصوصا المراقبين الخارجيين، أن أرصد من يفوز ومن لا يفوز في المناظرة من حيث قوة التأثير والذكاء والكفاءة والحضور السجالي.

وجدتني في المناظرة الثالثة معنيا بأمر آخر كأن معيار الفوز والخسارة هو معيار ثانوي. والسبب أنه باتت لدى المشاهدين فكرة ثابتة وواضحة عن شخصيّتي المرشَّحَيْن ومواقفهما الرئيسية. صار بالإمكان بعد المناظرتين الأولى والثانية استخدام تعبير “لا شك” أما في الثالثة فالبحث مختلف!
لا شك أن هيلاري كلينتون سيدة متّزنة.
لا شك أن دونالد ترامب مرشّح غير عادي
لا شك أن هيلاري كلينتون سيدة مطّلعة وجزء من “استابلشمنت” يدير سياساتٍ بعضُها لا تستطيع بسهولة تبريرها ولاسيما في السياسة الخارجية.
لا شك أن دونالد ترامب شخص شجاع ومتفلّت وغير مهذّب بل ووقِح إلخ…
إذن ما الجديد أو ما المهم فعلا وقد أصبح يوم الانتخاب قريبا؟

المهم هو ما تأكّد في السجال الثالث بينهما:
مع دونالد ترامب نحن فعلا، داخل أميركا وخارجها مع مرشّح خطِر بكل المعاني كما قالت هيلاري كلينتون.
لا يملك أساسا بسبب غياب برنامجه الفعلي سوى أن يقول لا. لا للسياسة الصحية، لا للسياسة الضريبية، لا للسياسة الخارجية دون بدائل منهجية واضحة، بينما هيلاري كلينتون، أيا تكن أفكارها، تملك لا شك برامج فعليّة طالعة من تاريخ تجربتها الداخلية كناشطة وشريكة. ( كان لديه ورقة “منطقية” نادرة هي المتعلقة بداعش من حيث اتهامه كلينتون بالمساهمة في صعود داعش. لكن يجري الآن سحبها منه مع العملية الجديدة حول الموصل).

إقرأ أيضاً: فضيحة جنسية تهدد ترامب.. والجمهوريون ينعتونه بـ«المهرج الخبيث»

بعد المناظرة صار المهم، في ما أظن، أن نأخذ جوهرية الموقف في الحملة الانتخابية:
نحن أمام مرشّح خطِر على أميركا والعالم في موضوعين كبيرين:
الأول هو رفض “المؤسسة” الإعلامية في دولة سُمِّيت ذات يوم: أول “دولة إعلام” في العالم على وزن “دولة قانون”، “دولة بوليسية”.
على هامش هذا الموضوع لفت نظري بأي احترام كبير يتحدث دائما أعلى المسؤولين الأميركيين وفي المقدمة الرئيس عن مقالات في الصحافة الورقية مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست وغيرهما. وهذا مؤشر إيجابي بل رائع لا على استمرار الثقة بالصحافة فقط بل على أهميتها… ينبغي أن تدفع الصحافيين اللبنانيين إلى الثقة بقيمة التقرير والرأي في مهنة الصحافة الورقية. الأخ ترامب وحده خارج هذا السياق.
الأمر الثاني وهذا يحدث للمرة الأولى في التاريخ الأميركي الانتخابي الرئاسي هو التشكيك المسبق بآلية العملية الانتخابية بل النظام الانتخابي. حتى في انتخابات 2001 لم تصل المسألة إلى هذا الحد لأن الخلاف كان على أقلام في فلوريدا وحسمتها المحكمة العليا. نحن هنا أمام تشكيك كامل، وقد رفض ترامب في المناظرة الثالثة أي تعهد بقبول نتائج الانتخابات المقبلة.

إقرأ أيضاً: ترامب يشكك بنزاهة الانتخابات: الموتى يصوتون للديمقراطيين

هذا الرجل لو فاز سيكون هدية لثقافة الاستبداد. وستكون الثقافة الديموقراطية في انتكاسة كبيرة على المستوى العالمي لأن هذه الآراء، في الإعلام والنظام الانتخابي، هي “هبة” مجانية لديكتاتوريي العالم.

رجل خطر، وقح، ملياردير لم يدفع ضرائب. السيدة التي تواجهه لديها أخطاء كثيرة بل وشبهات ولكنها مجرّبة وخبيرة وذات تاريخ نضالي حتى لو كانت جزءاً من “استابلشمنت” كان بإمكان مرشح مثل بيرني ساندرز أن يملك مصداقية مواجهتها.
إنها مرشح عادي وغير عادي معا.

غير عادي أنها امرأة مهمة وقوية ومرتبطة بعدد من الالتزامات- القضايا.
وعادي أنها استمرار للمؤسسة الأميركية الحاكمة: نادي واشنطن.

آخر تحديث: 21 أكتوبر، 2016 6:50 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>