كتاب الحسين

عاشوراء! كل عام على قيد أُنملة أو دمعة من طيف كربلاء يسري الصوت. من أُذين القلب إلى طبقات الأذن يدبّ دبيباً، كأنّما قرية عظيمة من نمل تسرح في شبكة الأعصاب، ومن الأذن إلى العين إلى اللسان إلى اليراع إلى الحبر! ويحفر المشهد. ألملم شلوًا وبقايا من خيمة محترقة، وركوة أعدَّت لريّ العطاش الرُّضّع، فامتلأت رملاً وحضرت الجلجلة.

اقرأ أيضاً: هاني فحص يكشف تفاصيل العلاقة المعقدة والمركبة بين الخميني والصدر

أتّقي عيون الحقل. اتخذ الليل جملاً. أتنكر المسالك السالكة إلى الوعرة. أتّقي عيون العسس، أداري المشهد المغرز في شبكة العين، ومن العين إلى الشفتين تسقط الدمعة مالحة، كأن العين في عاشوراء منجم ملح! ملح في عيوننا وشفاهنا، وبالذاكرة المالحة نملّح أيامنا.

عاشوراء في بواكير الوعي فاجأت عيني. وبدا لي أنها لم تفاجئ القلب، لكأنّ هذا القلب يتربّى ويربو على لبن الفاجعة. نحن نقرأ التعزية في أعراسنا، ونردد أعيادنا مآتمنا، “والحزن يولد في المساء لأنه حزن ضرير” يقول صلاح عبد الصبور.

كنت أعيش في كنف جدتي، اصطحبتني ليلة صيف إلى الجامع العتيق الذي كان يجمعنا، كان من حجر أسمر وطين أملس، يفوح منه عطر البراري، وللجامع ساحة فيها نخلة، وعليها خيمة وعلى الخيمة شجرة كرمة. كانت النخلة ذكراً لا تثمر. كنا (كانت) هذه لليزيد، وكنا نؤذيها بهراواتنا وسكاكيننا الصغيرة. أما الكرمة المثمرة فهي للحسين، وكنا إذا ما تناولنا حبة من حباتها نشعر بالدوار والحمى، ولا نحسن حفظ درس القراءة فتنالنا عقوبة المعلّم. وعندما يعلم بارتكابنا من دون أن يعرف السبب يضاعف العقوبة، وهو ماروني.

عاشوراء

كنا نؤمن بأن الجامع هو بيت الله لأنه كان يجمعنا. هل ما زال يجمعنا الآن؟ هل ما يزال الجامع جامعاً؟ ربما بلغ بنا ضعف البصر والبصيرة أن نرى في الاختلاف الذي هو من أعظم آيات الله في الكون والإنسان سبباً كافياً للخلاف والصراع. والله أبدع الاختلاف سبيلاً إلى الوحدة، ولذلك خلقهم مصدراً للحيوية والإبداع والحركة. كيف ندعي الحركة وكل منا يراوح في مكانه المذهبي؟

من يوم جدتي، أول يوم في عاشوراء، قررت أن الجميع يبكون تضامناً معي، لأن أمي مريضة، وقررت أن أتضامن في الأحزان، وأشارك في الأفراح، وأن أمضي إلى آخر الحزن بحثاً عن الفرح، وإلى آخر الفرح بحثاً عن الحزن.

بعد المشاهدة الأولى آمنت بأن المختلف يأتلف أن يَتلف. ورأيت الوحدة في الكثرة، ورأيت الكثرة تصير إلى الوحدة، إلى الواحد، إلى الله وتجلياته في الشهادة والشهود، حيث يصبح الحسين اسماً علماً وجنساً.

بكى صاحبي وهو يرى لاسهم يخترق نحو الرضيع، طفل الحسين. بكيت وسامحت جاري على هفوة كان قد ارتكبها في حقي. لم أقل له شيئاً. رأيته من خلف دموعي، خلف دموعه، فبادلني الدمع. قرأت اعتذاره في عينيه. كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة. وأخذت أطلب العفو من كل الذين ارتكبت هفوات في حقهم، فعفوا عني.

إني أفتح كتاب الحسين على معاصرة لا تقطع ولا تنقطع. وعلى فضاء بدل الحسار حتى لا يتحول التاريخ إلى منفى أو مغترب، ونفقد لياقتنا وقدرتنا على مواجهة غول الجور والاستبداد، والتخلف والفساد والفتنة والجهل، والمرض والتطرف، وإرهاب الدول والجماعات وإلغاء الدولة بالسلطة، والدين بالجماعة، والجماعة بالفرد.

اقرأ أيضاً: الحضور المسيحي ضمانتي كمسلم

رأسه الجرح والنزيف. رأسه حولكم يمامة تحمل الأرض كالرغيف. رأسه حولكم علامة. “صوت من الماء. الصوت مات لكي ينهي عهد الموت”، كما يقول أدونيس.

(من كتاب على مسؤوليتي – منشورات صوت لبنان)

آخر تحديث: 26 سبتمبر، 2016 5:00 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>