أين هي الصورة المدنيّة للشيعة اللبنانيين؟

هل يمكننا إعادة النظر بالصورة التي قدّمها الشيعة اللبنانيون عن أنفسهم بعد عقود طويلة؟ هل يمكن إظهار الوجه المدنيّ لهذه الطائفة الغنيّة بالكوادر العلميّة والثقافيّة؟ هل لا زال ممكنا إزاحة من احتكر التحدث باسمنا عن الشاشات؟

يحتاج الشيعة في لبنان بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على نهضتهم بوجه الغبن، الى نهضة جديدة تسير بهم الى جادة المدنيّة، بعد ان صعدوا جادة التشدد الديني الذي لم ولا يتناسب إطلاقا مع تاريخهم العريق في جبل عامل.

فطيلة عقود كان الزعماء الشيعة وعلماؤهم وسطيون. لكن صوت المعركة طغى وأسكت كل من أراد مساحة من حرية. وكانت المعركة حينها بوجه الصهاينة طبعا.

وقد نبتت الفروع التي جاءت من بيئات وسطيّة في أحضان العلم والتعلم والقيادة والإدارة، فلم تعد بحاجة لإعتراف من بيئة كانت تنبذهم بطريقة من الطرق، غير الواضحة تماما.

هذا النبذ أو الغبن هو الذي جرّهم الى نهر التشدد منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي وليس هذا بتبرير أكثر مما هو توصيف. فانخرطوا بداية مع الحركات اليسارية ثم اتجهوا صوب الحركات المذهبيّة، ومنها الى بحر التشدد الديني الغريب عنهم.

لكن كل هذا الميل نحو أقصى الخيارات لم يمنعهم من مراجعة نقديّة أعادتهم – كما كثير من اللبنانيين- الى فكرة لبنان الوطن النهائي لجميع اللبنانيين. لدرجة ان جميع القيادات السياسيّة اللبنانية اعترفت بهذه المقولة رغم انها كانت قد قامت وبرزت على الترويج لنقيضها تماما عدا القوى المسيحية أو ما عُرف باليمنية آنذاك.

واليوم ثمة حاجة للإضاءة على بعض الوجهاء والتيارات والنُجباء منهم لأجل إشاعة الجوّ المدنيّ لهذه الطائفة التي ظُّلمت مرتين، مرة في مرحلة الغبن الطويلة، ومرة في المرحلة الحاليّة، أي مرحلة الإحساس بفائض القوة فيها.

صحيح ان حركة أمل تبدو للجميع أنها حركة غير متشددة دينيّا، وتعرّف عن نفسها أنها حركة “نحو الأعلى”، إلا أنها أظهرت بعد تسلّم مناصب الشيعة في الدولة اللبنانية -كما ينص العُرف السياسي- حجم الإنتقام من فكرة الدولة والمؤسسات، فعملت أقصى ما مكنّته أيدي منتسبيها على تهشيم صورة الدولة في ذهن أفرادها من خلال استباحتها.

الشيعة في لبنان

وصحيح ان حزب الله حرّر الأرض من إسرائيل، لكنه همّش هذه الدولة في فكرتها كحاميّة للأرض والوطن، وأقصاها فعليّا وذهنيّا، متسلمّا السلطة الدفاعيّة عن كل القوى الأمنيّة والعسكريّة، وإن أبقى عليها شكليّا، سواء جنوبا أو شمالا أو داخلا.

فمن هم الذين يمكن ان يعبّروا عن صوت الشيعة المدنيّ الذي لا يحارب الدولة وفكرتها، بل يدعمها للقيام بدورها ويدعم قواها الأمنيّة أيضا؟ من هم غير المثقفين والمتعلّمين والوسطيين الذين خَبروا الحرب، وخَبروا السلم، وخَبروا أوجه الصراع الإقليمي على أرضنا، وخَبروا أضرار انهيار السلطة، والتفلت، ومساوئ غيابها؟

إقرأ أيضاً: الشيعة: طائفة منتهية الصلاحية

هم الذين عاشوا مع الناس وبين الناس، عاشوا معاناتهم ومآسيهم، فنادوا بإنسانية الإنسان وحرّية الخيارات، والتفكير الحرّ، والإبتعاد عن العصبية، والدفاع عن المدنيّة بكافة أشكالها، وان الدين خيار شخصي وخاص، وليس من صفات المواطنيّة الصالحة وشروطها، كما هو حال الدولة الدينية؟

اليوم نرى إنموذجا حيّا لهؤلاء من أجل الترويج لأفكارهم التي ستساعدنا على الإنتقال من حالة التشدد والتطرف الى حالة الوسطيّة والمدنيّة وعلى رأسهم فقه المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله ومؤسساته التي خلّفها، والدكتور كامل مهنا بمؤسسته ايضا، وما كتبه السيد هاني فحص بتجربته التي رواها لنا، وبحبيب صادق الذي يكمل نهجه الثقافي المستقل، وبرباب الصدر بمؤسساتها، وبمؤلفات الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين التي اسست لإسلام حضاري، وبالفكر الديني المستنير للعلامة السيد محمد حسن الأمين،اضافة لعدد من الاساتذة الجامعيين المستقلين.

إقرأ أيضاً: الشيعة والسنة الى أين؟

فهؤلاء بتنوّعهم وصورهم المختلفة، ومواقفهم المتنوعة، يقدمون صورا، لا صورة واحدة مُطابقة عن الشيعة، صورة حقيقية تتطور. فيتكاملون معا كما أيّ جسم لا يمكنه الحياة في جزء دون الآخر.. وطبعا تنضم إليهم المؤسسات المدنيّة للأحزاب بعيدا عن إيديولوجياتها القاسيّة والمريعة مهما إدعت من ليبرالية..

فليس من الحق أن نُصنف أينما ذهبنا كمنتميّن الى جهة سياسيّة محددة تمثلنا طائفيا، وليس من العدل ان ندخل القالب فنخرج منه شكّلا واحدا بألوان وقياسات متنوعة.. هذه هي الأدلجة بحد ذاتها التي تلغي كل تنوّع.

آخر تحديث: 9 أغسطس، 2016 3:12 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>