سفاحو داعش… ينتخبون!

غداة اقدام سفاحي داعش على ذبح الكاهن الفرنسي جاك هامل في روان انبرى معظم الصحف الفرنسية الى تخصيص تحقيقات مسهبة مع علماء النفس والاجتماع لمقاربة طبائع الذباحين جنود “الدولة الاسلامية” في الحرب الارهابية على فرنسا من منظار فهم الظاهرة الاجرامية المتحولة حربا اشنع من الاجتياح النازي ودمار فرنسا في الحرب العالمية الثانية. وعلى رغم الطابع الاحترافي العالي الذي تتسم به مقاربات المحللين النفسيين والاجتماعيين الفرنسيين لهذه الظاهرة لا نجدها كافية لاستيعاب كل العوامل التي تجعل ” ذئاب” داعش تندفع بغرائزية دموية لتمزيق اعناق ضحايا مثل كاهن في السادسة والثمانين من العمر. استراتيجية الارعاب الجماعية التي يتبعها داعش أضحت بذاتها عنوان الحرب العالمية الثالثة على البشرية، ولكن التوصيف لا يقدم ولا يؤخر شيئا في احتواء هذه الايديولوجية الظلامية التي تستنفد النعوت في ما عرفته البشرية في تاريخها من ظواهر توحش. واغلب الظن ان الفكر الغربي عموما لا يزال وسيستمر قاصرا عن مستويات فهم العقول المريضة التي تجعل تنظيما مثل داعش وقبله القاعدة ينشئ جيوشا من الذئاب لا بل يستنبت اجيال هذا النوع الفتاك من الغربيين ايضا. ولذا لا يقف الذهول الغربي عند معضلة التمييز بين العامل الديني الايديولوجي المنحرف والعامل النفسي والاجتماعي الاشد انحرافا بل يتخطاه الى ذهول حيال عجز الحملات العسكرية الغربية والعربية في العراق وسوريا وليبيا عن ردع اجتياح الذئاب لعقر دار أوروبا والولايات المتحدة وسواها من انحاء متفرقة في العالم.
يخوض لبنان منذ عام 2000، تجربته المتقدمة مع الارهاب الأصولي الدموي بدءا بواقعة جرود الضنية التي سبقت هجمات 11 أيلول في الولايات المتحدة وصولا الى آخر المواجهات في القاع وعرسال ومن ثم عين الحلوة وما بينها من عشرات المواجهات. منح طول المراس العسكري والامني والقتالي كما التطبع الشعبي مع حرب كهذه اللبنانيين قدرة اكبر على التكيف مع موجاتها والتعبئة المتواصلة في مواجهتها على رغم كل معاناة اللبنانيين جراء تداخل الاستهدافات الارهابية مع أزمة اللاجئين السوريين والفلسطينيين. ومع ذلك فان احدا لا يمكنه الزعم ان نجاحات وانجازات امنية وعسكرية واستخباراتية محققة في الحرب مع الارهاب تمكنت او ستتمكن بسهولة من اجتثاث الأيديولوجية المتغلغلة عبر خلايا الذئاب النائمة او المتوثبة للإنقضاض على بنوك أهدافها اللبنانية في أي لحظة متاحة. الامر الاخطر في المقارنة بين احوالنا واحوال الغربيين ان فهم العقول المريضة لذئاب الظاهرة الاجرامية سيأتي متأخرا جدا عن إيقاع تداعيات غربية جارفة تلوح متسارعة في معظم انحاء الغرب. ولن تكون ظاهرة صعود دونالد ترامب واقترابه المتسارع من البيت الأبيض الا علامة الزمن الذي سينشأ من الولايات المتحدة الى أوروبا وما يشكل عصر الارتداد اليميني الاكثر تطرفا الذي سيكون داعش ناخبه الاول.

(النهار)

آخر تحديث: 29 يوليو، 2016 9:23 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>