إنّكِ الغضَبانِ.. أعيرينِيا واحداً منهما

قصيدتي المهداة إلى طرابلس الشام المنشورة اليوم في صحيفة “السفير” ولكنْ بسبب غياب الحركات والشّدّات عن أحرف الكلمات في نسخة “السفير” أنشرها هنا كاملة التحريك:

(قصيدة مهداة إلى طرابلس الشام)

كنتِ فيحاءَ صِرْتِ اخْضِرارَ شكوكي،
زماني العصِيَّ ولمْ يعترفْ بي…
فكيف أردُّ انتحارَكِ في البحرِ
حين تصيرين لحناً لمعزوفة الغاضبين
كإمْرأةٍ
قتلتْ بيديها عاشقَها
قتلتْ نهرَها بيديها
لأنَّ المدينةَ حين يشدُّ الحنينُ الرِحالَ إلى مائها
لن تجِدْ مُضْرَجاً قُرْبَها إلا دمَها

لوْ مررتُ ب”مقبرة الغرباء” فلنْ ألتقي بغريبٍ سواكِ..
لا غريبَ على تربة الغرباء… سواكِ
ولا أهلَ غيرَكِ للغاضبينْ
غضبٌ ممعنٌ في الخسارة لمْ يندملْ عرسُهُ منذ مائةِ عامْ
غضبٌ حَمَلَتْهُ البساتين في حضنها المستريبِ
فيغفو قليلاً وتغفو معهْ …
عندما تستفيقُ ستبكي على نفسها:
هِيَ تبحث عن ضفَّتيْن تحجّرتا كعيون المدينهْ
وهْوَ يسأل عن دفقةِ النهر لمّا توارتْ بمقبرة الغرباءْ

من يواعدُنا في طرابُلْسَ هذا الصباح َ لِنَعْصُرَ من حِمْضِياتِ القلوبِ شرابَ المدينهْ
سَتُطِلُّ علينا، على ساحة التلِّ، مجْدولةَ الشَعرِ والعنفوانِ
وتحمل بين يديها حلاوةَ جُبْنٍٍ
وبقلاوةً للضيوف الكرام…
دائما في الصباحِ هناك انْهماكٌ لطيفٌ لكلِّ المدائنِ في الشام ِ
لنْ ينقضي في عبور النوايا وقد أرّقَتْ ليلَ حاملِها في الحسابِ
وجاءتْ من البيت للسوق بعد الصلاةِ
تُتَمْتِمُ في السرِّ تعويذةً للبقاءْ
في بلاد الشآمِ يشقُّ المدينةَ نهرُ الحنين ويحرسُ حاراتِها أُرْجُوانُ الغضبْ

إنّكِ الغَضَبانِ.. أعيرينِيا واحداً منهما كي أهدِّئَ روحي
فأنا مثْلكِ الآن مصلوبةٌ هامتي فوق أوهامِيا
قلَقي كشراعي، وبي صحوتي وجنوني …

غضبٌ فارتيابٌ فقسوةُ أغنيةٍ لم تصل ْ
واعتذارٌ كنُصْبٍ توسّط ساحةَ عبدِ الحميدِ
أقامتْهُ أخطاءُ جيلينِ بين المقاهي…
وبين الجرائدِ والجامعاتِ
حملتُ ضلالكِ عِقداً من الياسمينِِ فلا تسألي عن يقيني
ولا تصْفَحي مطلقا عن جفائي لأن الحرائق تنشبُ
في راحتي كلما رحتُ أكتبُ مِنْكِ
فلمْ يحمِني من غَوائِكِ إلاّ ابتعادُكِ عنكِ
كإمرأةٍ قتلتْ بيديها عاشقَها
قتلتْ نهرَها بيديها

لا دبيب لهذي العباءات في باطن الأرضِ
ولا سمكاً في السماء يتيح النجاة على فسحة الماءِ..
كلُّ الحوانيت مغلَقَةُ الباب عصراً
لكيْ يستريح المشاةُ
ولا يستريحَ العصاةُ
الذينَ أبوا أن يستريحَ الطغاةُ…
إنها فكرةٌ لطرابُلْسَ غامضةٌ عن ملاذاتها، نفْسِها، لنْ تدوّنها في كتابٍ
وغامضةٌ كعمامةِ درويشٍ صوفيٍّ منسيٍّ عند البحصاصِ
وراء جنودٍ منسحبين
لوادي النيلْ…
فكرةٌ مثلما ينبغي للغموض المعاصر أن يتناسلَ كي يستتِبّا
كالسيولة بين الإقامات والهجُراتْ
كالسيولة بين طيور الجبال وأجساد غرقى أعالي المحيطْ
كالسيولة بين الفرارَيْن موتاً وعيشا…
فهذي طَرابُلْسَ ..
كلُّ المدائنِ في الشرق..
تائهةٌ في فِييِنّا ولاجئةٌ عند سيدْني وواجِفةٌ في نْيويوركْ

غضبٌ كالغضبْ
ضحِكٌ كالغضبْ
سوف تعرفه المدنُ العاثره
مدنٌ قطعتْ نسلَها في بلاد جديده
مدنٌ غيَّرتْ وجهَها غيّرتْ عطرها
فارتمتْ في ظلال التكايا لتبحث عن شال سترتها الحائره
مدنٌ من غضبْ
حجَّبَتْ شمسها
عندما نسيتْ ظلها…
مدنٌ نسيَتْ نفسها عندما خانها ظلُّها.

ِ”خفِّفي الوطْءَ” لا تستجيري أديمَ السماءْ
إنّه البحرُ لا الأرضُ ترويه أجسادُنا في الزمان الجديدِ
وليس بعيداً كثيراً وراء تِلالِكِ أَفتى المعرّيْ مناحاتِنا…
إنما بعد ألْفٍ من السنوات سيُفتي:
“رُبّ لحْدٍ” تقمّص بحراً ستُدْمِعُهُ من “تزاحمِها” الأشباهُ
————————————————-

*قصيدة أبي العلاء:
“خفِّفِ الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجسادِ
رُب لحدٍ قد صار لحداً مراراً ضاحكٍ من تزاحم الأضدادِ”

(السفير)

إقرأ أيضاً: ديك الحج سعد في حرب تموز

آخر تحديث: 20 يوليو، 2016 12:07 ص

مقالات ذات صلة >>

ننصحكم >>