تجربة خاصة: أنا وعيد العمال وقلمي والطغاة

تعبَ الأحرار من كلام العُتاة المُنمّق من على المنابر، صُمّت آذانهم من صرخات المظلومين الذين يقبعون أسفل المنابر يُصفقون. الأحرار عمال العالم يكدّون بسواعدهم لترتفع مباني الطغاة السياسية نحو العُلى، لتتداول الأحزاب السلطة بين الزعيم وابنه، بين الرئيس وأزلامه..

كان والدي رحمه الله من فئة العمال، وتربيت على ذلك بكل فخر ولم أكن يوما اطمح لأن أخرج من هذه الطبقة التي كانت في زمن اليسار اللبناني محترمة وذات قيمة إجتماعية. لكن هذا اليسار تلاشى، وبقيّ العمال في مكانهم.

وبعد دخولنا زمن الإيديولوجيا الدينية، اعتقدنا ان الحق سيصل الى العمال، بناء على قول علي سلام الله عليه: “أدوا العامل حقه..”.

دخلت الجامعة اللبنانية جامعة الفقراء، واشتغلت في السنة الأخيرة منها كعاملة أيضا في دار للنشر.. وبقيت عاملة لكن مع فرق واحد هو انتقالي من عاملة في طبقة البروليتاريا، الى عاملة في طبقة المستضعفين.. ويا ليتني لم أفعل.

لم يتغيّر الأمر بالنسبة لي سوى بالمصطلحات. بقيتُ أعمل وأنفق راتبي الهزيل على نفسي.. مات والدي وصرتُ يتيمة، فقيرة، بروليتارية ومستضعفة معا. فقد جمعت مجد الفقر من طرفيه. ولكني، والحمدلله، لم انتقل الى فئة “المحرومين”.

اليوم، وبعد شقاء طويل داخل الطبقة الدنيا اقتصاديا، ورغم الخبرة في العمل الصحفيّ امتدت على مدى ربع قرن وزيادة، الا اني لازلت ثابتة في زاوية مربعة من الطبقة المُعدمة التي لا تملك من الشبكات العلائقيّة المطلوبة جدا، إلا صفرا مكعبّا لكوني – وبسبب التربية الحقانيّة- التي إتبعتها والدتي معنا، وللعلم هذه المدرسة لا تعترف لا بالإسلوب “المصلحجيّ”، ولا بالمنهج “التكويعي”، ولا بالطريقة الإذلالية، وهي كلها أساليب وطرق ومناهج قديمة وبالية، لم تعد معتمدة في لبنان بسبب انتشار تكنولوجيا التكاذب والنفاق الشديدة الإنتشار على نسق متفجرات “السي فور”!

إقرأ أيضًا: «العمال» يدعون لحركة نقابية «ديموقراطية مستقلّة»

من مؤسسة الى مؤسسة انتقلت، وعملت، وتعبت، ولكن تعرّفت على وجوه ملوّنة تصلح أكثر ما تصلح لأن تلعب على مسرح “الكلوون”. وانا كنت لا أزال من تلامذة الأبيض والأسود.

من مؤسسة إعلامية الى اخرى، اكتشفت كم ان جهدي جهد ضائع في البرية. فكل مؤسسة عملت بها امتصت رحيق جهدي، وبنت عليه خاصة في أماكن أسستُ فيها، وجهدتُ خلال عملي، وأخلصت لها، ومع هذا لم يعترف بي كعاملة صالحة لركوب الأسنسور، بل دوما كنت أصعد الدرج. فقد كان المطلوب دوما صفة واحدة، أعاني فيها من نقص شديد وحاد، كما نقص الحديد في الجسم الذي يؤدي الى العطالة، هذه الصفة هي التلوّن التي ينتج عنها “التزلف والتمريق”.

ولم تكن تلك الوريقات الخضراء الآتية باردة من البنوك، نهاية كل شهر، تقدّر حجم الإخلاص والتفاني والحب والإبداع، هذه الوريقات الخضراء لم تف العامل في داخلي حقه. بل كان ان زاد الأمر سوءا في المظلوميّة.

إقرأ أيضًا: 100 ألف متظاهر في الساحة الحمراء في موسكو بمناسبة عيد العمال

فيا أيها الفراعنة مدراء المؤسسات التي عملت فيها، لستم بأفضل من فرعون مصر، ولا أفضل من شاه إيران، ولا بصدام العراق، ولا ببشار سورية، ولا بأي طاغية على مستوى الأوطان العربية والإسلامية كلها، بل أنتم الطغاة الصغار، والظلمة العُتاة، المتفشين في بيئتنا الصغيرة المتواضعة.

وأحمد الله أن القلم الذي أكتب به لم يزل حرّا، غير مُقيد، وأنه لازال يُغضب الكثيرين، ويُغيظ الكثيرين، ويُخيف الكثيرين، وغير مرضى عنه لدى أحد منكم الى أيّ جهة إنتميتم.. فموتوا بغيظكم أيها الكثيرون المتكاثرون جدا.

آخر تحديث: 4 مايو، 2016 1:27 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>