رؤية السعودية 2030 … ملاحظات وتساؤلات

وافق مجلس الوزراء هذا الأسبوع على رؤية السعودية 2030، وكان الإثنين بالفعل يوماً استثنائياً يسجل في تاريخ المملكة، إذ تسمّر الملايين حول الشاشات انتظاراً لإعلان الرؤية، وكان الجميع على موعد هو الأول الذي يتحدث فيه ولي ولي العهد رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان الأب الروحي لهذه الرؤية، وبكل شفافية وحضور ذهن عنها، ويجيب بكل ثقة ومعلومة حاضرة عن كل الأسئلة المطروحة حولها.

 

 

الرؤية بالفعل كبيرة، ولا يمكن قراءتها والتعليق عليها في سطور محدودة، ولكن يجدر ذكر بعض الملاحظات حولها، ومنها:

 

 

أولاً: الرؤية هي أول خطة كبيرة على مستوى البلاد تصدر من أعلى سلطة فيها، فمن أعدها وأشرف على كل تفاصيلها هو الرجل الثالث في هرم السلطة، وهو ما يعطيها قوة وصدقية ويضمن تنفيذها- بمشيئة الله – بكل جهد وإتقان، إذ كان المعتاد سابقاً أن تقوم وزارة الاقتصاد والتخطيط برسم خطط تنموية لا ينفّذ منها شيء على أرض الواقع.

 

 

ثانياً: الرؤية متوازنة في طرحها، وقابلة للتنفيذ، فالرؤية – بحسب علمي- سبقها تقدم كل جهاز حكومي بما يستطيع إنجازه فعلياً، وعرض كل جهاز خطته، ومن ثم بُنيت الرؤية على المقدرة الفعلية للجهات، ولم تأتِ بأرقام مغالى فيها. ولهذا جاءت أرقام خفض البطالة وزيادة توظيف المرأة ورفع مستوى التملّك السكني معتدلة وواقعية، وإذا أخذنا في الاعتبار نسبة نمو الخريجين وعدد النساء الداخلات لسوق العمل وتنامي عدد طالبي السكن خلال فترة الرؤية (15 سنة) فسنعرف أن الأرقام كبيرة، حتى وإن بدت صغيرة كنسب مئوية، ولا معنى لإدراج أرقام كبيرة يصعب إنجازها أو لا ينجز منها شيء.

 

 

ثالثاً: الرؤية حتى وإن كانت اقتصادية وتنموية في جوهرها إلا أنها لم تهمل بقية الأبعاد الأخرى، فقد شملت التعليم والثقافة والرياضة وغيرها، وهو ما يجعلها رؤية شاملة لكل الأبعاد تقريباً، وحتى وإن لم تتطرق الرؤية إلى تفاصيل هذه الأبعاد، إلا أنه ليس مطلوباً منها ذلك، لأن التفاصيل لكل بعد سيتم إعلانها وكيفية الوصول إلى ما اشتملت عليه من أرقام في وقت لاحق.

 

 

رابعاً: تضمنت الخطة العمل على أمور لا تقبل التأجيل وكانت سبباً لكثير من القصور في البلد وخصوصاً أداء الجهاز الحكومي، إذ شملت الرؤية أهدافاً جيدة لرفع فعالية أداء الجهاز الحكومي، والعمل على استكمال الحكومة الإلكترونية، وهي خطوة مهمة جداً تحسب للرؤية بقوة.

 

خامساً: تضمنت الرؤية وحديث الأمير محمد بن سلمان في إجاباته عن الأسئلة خلال المؤتمر الصحافي عدم تأثر أصحاب الدخول المنخفضة بالرؤية، التي تشمل تحولاً اقتصادياً يتضمن خفض الإعانة، وترشيد الإنفاق، وهي أمور يتأثر بها بالدرجة الأولى أصحاب الدخل المنخفض.

اقرأ أيضًا: هل يأتي «التغيير العميق» من السعودية؟

بالطبع، الرؤية تضمنت الخطوط العريضة للتنمية والتطوير، وبقي الأهم، وهو الخطط التفصيلية الواضحة للتنفيذ لتحقيق أهداف الرؤية، فكل هدف تحدثت عنه الرؤية يحتاج إلى شرح وتفصيل عن كيفية تحقيقه، والمدى الزمني لتحقيقه، وكيف سيقاس خلال مراحل الإنجاز، وهي أمور ستناقشها وتعالجها التفاصيل التي ستعلن نهاية أيار (مايو) المقبل.

 

على الجهة الأخرى، وكما أن هناك ملاحظات، هناك أيضاً بعض التساؤلات التي يجب نقاشها اقتصادياً على نحو واسع، ومنها:

 

أولاً: غياب الهدف العام للاقتصاد، فالرؤية لم تتطرق له، فهل سنكون في 2030 بلداً يعتمد على الصناعة أم على الزراعة أم على قطاع الخدمات، أم خليط منها كلها؟ وكم النسبة التي نبحث عن الوصول إليها في كل قطاع، وكيف سنقيسها سنوياً حتى يتحقق الرقم المستهدف في 2030؟

 

ثانياً: مناسبة حجم الصندوق المتوقع أن تصل ممتلكاته إلى تريليوني دولار، فهل الأنسب أن نملك صندوقاً ضخماً بهذا الشكل؟ أم الأفضل تنويع الاستثمار في صناديق متعددة وكل منها موجّه إلى نوع من الاستثمار، فكبر حجم الصندوق يعني كبر حجم المخاطر أيضاً.

 

ثالثاً: ما هي المجالات الاقتصادية التي يسمح للصندوق بالاستثمار فيها محلياً؟ فالصندوق يجب ألا يدخل في قطاعات كثيرة، لأنه سيخلق ظاهرة «التزاحم»، ويطرد المستثمرين والقطاع الخاص من المجال الذي سيدخله للاستثمار، فمن يستطيع أن ينافس صندوقاً حجمه تريليونا دولار؟ وللسبب نفسه يجب ألا يدخل الصندوق منافساً على الاقتراض من سوق الائتمان الداخلي، لأنه سيرفع كلفة الاقتراض في السوق على قطاع «البزنس» والمواطن العادي.

 

ختاماً، الرؤية حملت خطوطاً عريضة جيدة ومتوازنة وقابلة للتنفيذ، وتبقى تفاصيل التنفيذ وخطوات العمل للتنفيذ الفعلي لأهداف الرؤية هي الفيصل والأهم. وكل الدعاء للأمير محمد بن سلمان وفريق عمله بالتوفيق لتنفيذ رؤيتهم الطموحة والكبيرة لاقتصاد يستحق مركزاً أفضل مما هو فيه حالياً.

(الحياة)

آخر تحديث: 30 أبريل، 2016 9:36 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>