حنا غريب حاجة نفسية للشيوعيين

ينتهي المؤتمر الحادي عشر لـ”الحزب الشيوعي اللبناني”، اليوم 25 نيسان/ أبريل. وتشير نتائج انتخابات اللجنة المركزية التي فاز فيها “معارضون” بنحو ثلثي الأعضاء (نحو 40 من 60)، إلى أن النقابي حنا غريب هو المرشّح الأقوي إلى “منصب” الأمين العام للحزب. وهذا ما سنعرفه في الساعات القليلة المقبلة، بعدما كان مقرراً أن يحصل أمس. لكن الإرهاق نتيجة “الصراعات الديمقراطية” والتنازلات والتنازلات المضادة، هو ما أخّر هذه الخطوة التي باتت شبه متحققة. فالنتائج هذه كانت متوقّعة، والمعارك التي جرت حول النظام الداخلي وتعديلاته، كانت تصب في هذا الاتجاه، لكن كل فريق سعى إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب. فبينما كان “المعارضون” في حالة هجوم غير مبرمج مئة في المئة، كانت القيادة السابقة في حالة دفاع، وقد استخدمت ما لديها من أوراق معروفة.

ما فعله الشيوعيّون، في الأيام الثلاثة الماضية، بقيادة حزبهم المستمرّة منذ نحو عقد، يشبه الانتقام.

وما يخفف من كونه انتقاماً كاملاً أمران ونصف. النصف هو أنّ الشيوعيين لم يجروا قراءة أو محاكمة سياسيّة للقيادة. وهم في الحقيقة عاجزون عن ذلك، إذ يبدو الحزب، في ظل تلك القيادة، بلا سياسة وحياة سياسية، باستثناء خطاب الأزمة الذي تكرّره القيادة وقد جعل الحزب بلا طعم أو رائحة، وأسهم في إفقاده الوزن والتوازن. ما سيّله بلا سعر أو ثمن حتّى أثناء اقترابه من محور الممانعة، محليّاً وإقليميّاً.

أما الأمران اللذان خفّفا من الإنتقام، فهما:

أولاً، أنّ الشيوعيين اختاروا طريق النظام الداخلي والديمقراطية لإضعاف تلك القيادة، من دون إبعادها كليّاً. وهم في الحقيقة أيضاً غير قادرين على ذلك، ولاسيما أنها كانت تمسك بقواعد اللعبة التنظيميّة ولها امتداد في جسم الحزب عموماً.

ثانياً، أنّ الشيوعيين المعارضين، لم يفوزوا بغالبية أعضاء اللجنة المركزية التي تنتخب الأمين العام والمكتب السياسي. بل يجوز القول، إنّه فيما حافظت القيادة السابقة على ثلث أعضاء اللجنة المركزية، لا أحد يدري إذا ما كان الثلثان الآخران من حصّة المعارضة. لكنّ الإنجاز الأبرز هو “انتقام” المعارضين من عناصر وازنة في القيادة (عبد فتوني، نديم علاء الدين وعلي سلمان)، رغم استثناء الأمين العام السابق خالد حدادة ونائبته ماري الدبس. فهذان فازا بعضوية اللجنة المركزية، إذ لم يشن المعارضون عليهما حرباً إقصائيّة، الأول باعتباره “أنظف” من القيادة السابقة “التابعة سياسيّاً والفاسدة تنظيميّاً وماليّاً”؛ والثانيّة، أي الدبس، لاعتبارات معنوية تتكئ على كونها مناضلة تاريخيّة ورفيقة درب القيادي التاريخي في الحزب خليل الدبس.

وقد كانت معركة كسر شوكة هذه القيادة صعبة قبل الموتمر وخلاله، إذ راوغت وناورت ولعبت أوراقاً وصارعت مستفيدة من كون المعارضين ليسوا موحّدين وليسوا خصوماً في كل القضايا. ما ساعدها في المؤتمر على تمرير أمور تحميها وتحفظ لها بعض المواقع. مثلاً، التعديل الذي أُجري على المادة الرابعة من النظام الداخلي منح أعضاء اللجنة المركزية منذ ثلاث دورات الحق في الترشح مجدداً شرط الحصول على نصف الأصوات للفوز. وهذا، وفّر للقيادة السابقة فرصة الحصول على ثلث اللجنة المركزية الجديدة.

هذا النصف انتقام، النصف انتصار، هو نصف النقمة التي تكوّنت لدى الشيوعيين في العقدين والنصف الماضيين، أثناء تجرّعهم مرارة التهميش السياسي والتراجع الأيديولوجي والنزيف التنظيمي، التي يعتبر كثيرون منهم أنَّ القيادة “السابقة” ساهمت فيها.

النصف الثاني، الأهم، من النقمة يعبّرون عنه بعبارة تكاد تكون لازمة في قلب كلٍّ منهم وعلى لسان كلٍّ منهم: “ضرورة إعادة الحزب إلى دوره رافعة لليسار والقوى الديمقراطيّة والنضال من أجل الفئات المسحوقة، في وجه القوى المذهبية والنظام الطائفي، وضد الظلم والفساد واحتكار الثروة والتفاوت الطبقي…”.

اقرأ أيضًا: مصدر شيوعي مسؤول لجنوبية: لا نقاتل في القلمون ولا في جرود عرسال

هكذا، يحلو للشيوعيين مع جرعة التفاؤل التي تنشّقوها باقتراب اختيار النقابي حنّا غريب أميناً عاماً للحزب، أن يقولوا إن المعركة بدأت وهي صعبة. ويقصدون أن لتلك المعركة جبهتين:

الأولى داخليّة تنظيميّة وعنوانها، أو عناوينها، ترتيب البيت وإطلاق عجلة الإصلاح وانتظام عمل الهيئات، تقليم أظافر مَن بقي مِن القيادة السابقة، والسعي إلى إعادة مَن غادروا الحزب والتنظيم في السنوات الماضية.

والجبهة الثانية خارجيّة سياسيّة، وهي استحقاق بقدر ما يوجد خارج الحزب موانع تحول دون نجاحه فيه، هناك موانع داخليّة، ليس أقلّها المساكنة الساخنة بين القيادة الجديد والقيادة السابقة. ولا يقل عن هذا أهمية إفتقاد الحزب إلى “آلة إنتاج” سياسي وفكري. فحنا غريب “المتوّج” أميناً عاماً بحب رفاقه وتقديرهم له ولنضاله، آتٍ من تجربة نقابيّة مطلبيّة ونادراً ما تجاوز كلامه السياسي شعارات “هيئة التنسيق النقابيّة” ثم “اللقاء النقابي”. وفوق هذه “الثغرة” السياسيّة القياديّة التي يحتاج لمعالجتها إلى سنوات، هناك حقيقة أنّه رغم رمزيته ورغم وصوله إلى الأمانة العامة بالاختيار قبل الانتخاب، هو يأتي بعد معركة انتخابيّة قاسية وإنقسامية مهما جمّلها الشيوعيّون ووصفوها بالعرس الديمقراطي. ومَن واكب المؤتمر يدرك أن الجرح نازف ومؤلم. ما يعني أن مهمة توحيد الشيوعيين واستقطاب النازفين ليست سهلة على غريب، كما أُوحي وروِّج قبل الانتخاب. وإضافة إلى الظروف السياسيّة القاسية، التي تنبذ وتنادي في الوقت نفسه الأحزاب والتشكيلات غير المذهبيّة، لا يمكن التنبؤ إذا ما كان إيجابيّاً أم سلبيّاً، قوّةً أم ضعفاً، وصول قيادة جديدة على رأسها حنا غريب من دون تيّار وبلورة سياسيّة. فكيف ومع من سيخوض حنا غريب معركة الإصلاح واستعادة الدور والخطاب؟ وهذا ليس سؤالاً عرضيّاً إنّما هو مصيري، ولاسيما إذا لاحظنا أن حنا غريب وصل كرمز وبديل معنوي أكثر منه مشروعاً، كحاجة إلى وضع حد للقائم أكثر منه خياراً استراتيجيّاً، كتشبث بالنضال في وجه التدهور والهامشية، كنموذج شخصي كاريزمي في مقابل أشخاص “غير مرئيين”.

عليه، يبدو حنا غريب حاجة نفسية، يفلح هو ويفلح الشيوعيّون إذا حوّلوها مرحلة إنتقاليّة. وهذا يشترط الإنتماء إلى الزمان والمكان وليس إلى التاريخ و”أمجاده وآلامه”، أو إلى كوما القيادة السابقة.

(المدن)

آخر تحديث: 25 أبريل، 2016 9:57 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>