41 عامًا من الحرب…

الحرب الأهلية لم تنتهِ تركت العديد من الصور ورسخت ثقافة الموت لدى الكثيرين. فماذا تعني هذه الحرب لجيل اليوم، وكيف يقرأ تفاصيلها من "الصور" شابات وشبّان لم يعاصروها..

إستذكر اللبنانيون أمس، 13 نيسان 2016، مآسي الحرب الأهلية التي لم تُمحَ، ولم يُكتب لنا أن نتخطاها بعد. تذكّرنا في الذكرى الـ41 للحرب الأهلية اللبنانية أبرز الأحداث التي تلتها مصائب تلو الأخرى، ليس أولها تفجير بوسطة عين الرمانة، وليس آخرها الفراغ الرئاسي المُستمر، والنفايات والجراثيم والأمراض المنتشرة، والمجلس النيابي المُمدد لنفسه واللائحة تطول.

إقرأ أيضًا: حرب 1975: ركاب البوسطة اللبنانية لم يتغيروا …هرموا فقط
تحت عدّة وسوم(Hash tag)، ملأنا كعادتنا صفحات التواصل الإجتماعي بشعاراتٍ، وصورٍ، ومواعظ. تحت وسم #علمتنا_الحرب_الأهلية، ووسم #حتى_ما_تنعاد، ووسم #ل_يبقى_البلد، كتب العديد من اللبنانيين ذكرياتهم عن الحرب، وإنطباعتهم عنها وتمنيات بعدم تكرارها. ولعلّ الوسم الأكثر صدقًا أمس كان وسم مجموعة ميديا هاشتاغ #يا_ريت_تعلمنا، في إشارةٍ بأننا فعلًا لم نتعلّم من الحرب الأهلية. تحت هذه الوسوم تناقل الناشطون صورًا من حقبة الحرب.

صورٌ لمقاتلين، لصحفيين، لنساء، لقتلى وأسرى، لأهالي المفقودين، ولأطفال.

أطفال الحرب الأهلية

أطفال الحرب الأهلية

إستوقفتني صور الأطفال تحديدًا لما لها من إرتباطاتٍ جذرية في واقعنا الحالي. فمن قاتلوا في السابق، إما قُتلوا، إما هاجروا، إما أصبح بهم من عمرٍ ما لا يسمح لهم بجولة جديدة في الحرب اللبنانية المستمرة.

إستوقفتني صورة لأربعة أطفال إختاروا بأن يلهوا بـ”لعبة الحرب”، فصنعوا لأنفسهم مجسماتٍ على شكل أسلحة، مستخدمين ما وجدوه بين الركام من حديدٍ وخشبٍ وأسلاك، وبقايا طلقات نارية وأحزمتها. وفي صورةٍ أخرى، إثنين من هؤلاء الأطفال، يقفان في الشارع “متقمصين” دور قطاع الطرق على الحواجز، ومقلدين عناصرها بإستيقاف السيارات المارّة. وصورةٌ ثالثةُ، لأربعة أطفالٍ آخرين، يملؤون الأكياس ترابًا من الشارع، قد تكون بغرض وضعها خلف شبابيك منازلهم للحماية، أو حتى ليستخدمها المقاتلون لبناء المتاريس، والتلطي خلفها، وقتل مقاتل آخر، أو حتى مدني.

أطفال الحرب الأهلية

أطفال الحرب الأهلية

هذه الصور ليست عابرة. هذه الصور تشبه صور “الأشعة” لدى المريض، يحدد بعد معاينتها الطبيب، مكان “الكسر” وسبب “الوجع”. في هذه الصور، جيلٌ عايش الحرب وشبّ عليها. جيلٌ شبّ وهو يسمع العبارات التخوينية الطائفية، واليوم، شاب عليها. آباؤنا، أساتذتنا، رؤساؤنا في العمل، إخواننا الكبار، ونحن. جيل الحرب الأهلية. جيلٌ عايش الحرب ويومياتها، جيلٌ بنى المتاريس ليقف آباؤه خلفها، جيلٌ متّع طفولته بلعبة الحرب. كبروا، وإنتخبوا، وتمخضوا فأرًا. فأعادوا أمراء الحرب ونواب ووزراء المتاريس، الذين غسلوا بدلاتهم العسكرية (ممكن لإستخدامها لاحقًا!)، ولبسوا ربطات العنق، وإعتلوا المنابر ليحدثوننا عن “السلم الأهلي، والعيش المشترك، والتوافق…”. الشعارات الرنانة على المنابر، تختلف عن تلك التي تتردد في المجالس الداخلية. وحتى هذه الشعارات الداخلية، تختلف عن أحاديث المجلس.

أطفال الحرب الأهلية

أطفال الحرب الأهلية

فالأولى تأتي بنكهة “الوطنية والوطن والمواطن”، والثانية تأتي بنكهة “الحزب والطائفة والمنطقة”، أما الثالثة، وهي “النكهة” الحقيقية، تأتي عن “المصلحة، والحصّة، والتقاسم”. أمراء الحروب الذين نصبناهم حكامًا علينا، إمتهنوا دور الغراب علينا. يقتاتون من ألمنا ويستثمرون به. فيتفقوا في مجلسهم السري على تقاسم الأرباح فيما بينهم. وإن إختلفوا، يغمزون لأتباعهم لقطع طريقٍ هنا، أو إطلاق مظاهرةٍ هناك، أو حتى إفتعال إشتباكاتٍ مسلّحة… تختلف الحدة بحسب الحصة.

إقرأ أيضًا: وفجأة رأيت شيئاً من ذراعي يتدلى
وبذلك نجزم، بأن الحرب لم تنتهِ، وأن مفاعيلها مستمرة، وبأننا لم نتعلم منها شيء. بقي أمراء الحرب أنفسهم، أو سلّموا أولادهم أو أصهرتهم… بقيت الخطابات في المجالس الداخلية نفسها ترتكز على شد العصب الطائفي… بقيت المعارك مستمرة، بأسلحةٍ أُخرى. فمن السلاح والرصاص والمدافع، إلى النفايات، والفراغ، والتجويع. هدأت “نار الإقتتال”، وبقي الجمر تحت الرماد، بإنتظار “نسمة هواء” حتى يطير الرماد وتنكشف النار. مسلسل الحرب الأهلية اللبنانية... تابع.

آخر تحديث: 17 يونيو، 2017 12:42 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>