ويسألونك عن الفيدرالية؟

ما إنْ نزل السوريون إلى الشارع هاتفين بإسقاط النظام الاستبدادي ومطالبين بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية؛ حتى أدرك ذلك النظام أن مواجهة الشعب السوري بمكوناته كلها مستحيلٌ عليه في ظل جغرافية سورية ممتدة لا يستطيع جيشه أن يتمدد فيها كلها؛ لقمعهم.

فعمد إلى تفتيت وتفريق الشارع السوري بتفعيل المخاوف ما بين مكونات الشعب السوري مستغلاً تباين المصالح الاجتماعية والمطالب الحقوقية لتلك المكونات؛ ليستفرد بكل مكون على حدة علّه يقضي على تلك الثورة!؟.

واستغل ظاهرة أسلمة الثورة؛ ليقدم نفسه كحاميٍ للأقليات؛ فعمل بدايةً على استمالة السوريين الكرد من خلال فتات حقوقية؛ رفضها الكرد الوطنيون؛ هنا استغل حزب الاتحاد الديمقراطي تقهقر النظام في اماكن عدة من الجغرافية السورية؛ مستفيداً من الهامش الذي تركه له النظام ليقوي نفسه عسكرياً؛ ويفرض أيديولوجيته على بقية الشارع الكردي الرافض لتوجهاته ومشروعاته.

إقرأ أيضًا: التقسيم في سوريا عدوى يخشاها الجميع!‏

حتى جاء إعلان الفيدرالية من قبل ذلك الحزب؛ لتشتعل معركة بين السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الإعلام؛ المستفيد الوحيد منها هو النظام بعد أن تعرّى سياسياً في جنيف3 وظهر للعالم كذبه ومراوغته وأنه يريد تسوية لا حلاً سياسياً.

والسؤال: ما المراد من هذه الفيدرالية وبهذا الوقت بالذات؟.

الفيدرالية ليست رجساً من عمل الشيطان، إنما هي أرقى أنواع إدارة الدولة الحديثة للتخلص من المركزية البيرقراطية التي تقوي قبضة الأنظمة الاستبدادية، ولكنها تصبح رجساً من عمل الشيطان؛ عندما تكون خطوة باتجاه تقسيم سوريا؛ وتفتيتها إلى دويلات على أساس عرقي أو طائفي أو مذهبي. وهذا ما لايقبله أي سوري حر شريف.

والفارق كبير ما بين اللامركزية الإدارية التي نريدها حتى تكون هناك حيوية ومساحة باتخاذ القرارات النافعة في التنمية ومصلحة المناطق الجغرافية وبين الفيدرالية المطروحة لسوريا؛ فالأولى تتمثل بمنح سلطات إدارية وتشريعية واقتصادية وتنفيذية من الحكومة المركزية لإدارة الأقاليم؛ لقهر البيروقراطية وتيسير عملية التنمية بكل مجالاتها؛ أما الثانية فهي نوع من أنواع الانسلاخ عن الوطن الأم؟!.

ولقد رفض السوريون هذا الطرح؛ كما رفضه قطاع كبير من السياسيين والمثقفين الكرد؛ واعتبروه مصادرة لرأي الأكثرية الكردية من قبل أقلية تعمل لمصالحها؛ بل هناك من اعتبر هذا الطرح الفيدرالي جزءً من نظرية عبدالله أوجلان الخاصة بالأمة الديمقراطية العابرة للأقوام من خلال إنشاء كانتونات إدارة ذاتية متباعدة الجغرافية فيما بينها؛ وهذا واضح حينما جعل حزب الاتحاد الديمقراطي مناطق ثلاث (الجزيرة ـ عين العرب ـ عفرين) من هذه الفيدرالية؟.

الأمر الأهم الذي يجعلنا نخالف هذا الطرح الفيدرالي أن علماء الاجتماع السياسي ودهاقنة السياسة أكدوا على أن الفيدرالية غير صالحة للدول البسيطة وممكنة في الدول المركبة؛ وسوريا دولة بسيطة وبالتالي فإن هذا الطرح الفيدرالي يقوم على أساس تفكيكها لإعادة تركيبها؛ وهذه مخاطرة كبيرة لا يحتملها المجتمع السوري؟!.

والأخطر من هذا وذاك ما طرحه فيصل سلوم رئيس تلك الفيدرالية في مؤتمره الصحفي إذ أعلن أنها فيدرالية توسعية غير ثابتة في حدودها الجغرافيا إذ قال: يحق لنا ضم المناطق التي نحررها من داعش لجعلها جزء من فيدراليتنا.؟.

وهذا ما دفع كثيرين ليقولوا: إنها إمارة لحزب الاتحاد الديمقراطي على غرار إمارة البغدادي؛ تقوم بقوة الأمر الواقع. مما دفع كثيراً من أحرار الكرد لرفضها باعتبارها خدشاً في وطنيتهم وإصرارهم على وحدة سوريا أرضا وشعباً.

أما مَنْ يدعي أن الأنموذج الفيدرالي هو الحل الأمثل عندما تنهار الدولة نتيجة الأزمات التي تمر بها؛ فإننا نقول: ذلك قياس خاطئ عندما تقيس تجارب لدول متقدمة ذهبت للخيار الفيدرالي باتفاق المجتمع كله فيها؛ بمجتمع يقارع الاستبداد وحيداً؛ ويعاني من تعدد خيارات الحل فيه؛ وأن الطرح الفيدرالي هنا هو هروب من الحل؛ وليس حلاً؟.

فالتجارب الفيدرالية في أوروبا وأمريكا؛ وقعت في ظروف تاريخية مختلفة تماماً عن ظرف الربيع العربي؛ فهناك جاءت الفيدرالية نتيجة اتفاق الجميع عليها؛ وليس بفرضها من جانب واحد هذا من جهة؛ وبعد الانتهاء من الحرب الأهلية التي دارت بينها من جهة أخرى، فالشعب كله هو من يقرر شكل دولته ونظام حكمه؛ ولا يحق لأي طرف أو مكون أو جماعة؛ أن يفرض نمطاً محدداً لشكل الدولة في خضم الأزمة؛ لقهر الباقي عليه؟!.

إن الذهاب إلى مثل هذا الحل في هذا المنعطف التاريخي لوطننا هو سُنةٌ سيئة؛ ربما يفتح الباب للنظام الأسدي؛ إذا ما تم إجباره على تسوية سياسية لا يرغب بها؛ بدفعه لإعلان فيدرالية في الساحل؛ كخطوة بدعوة حماية مكونه الطائفي؛ ليقول: لست من ابتدع ذلك ولا أول من دعا إليه.

إقرأ أيضًا: سوريا بلا روسيا تُسقط.. «أساطير الممانعة»

إن المكون الكردي مكون أصيل ومهم في الفسيفساء السورية؛ وإنّ وطنيته لا يستطيع أحد المزاودة فيها؛ كما أن مصادرة القرار الكردي من طرف واحد كمصادرة النظام رأي وقرار الشعب السوري؛ وهذا فيه إساءه لنضال السوريين الكرد باستعادة حقوقهم وحقوق الشعب السوري كله من الاستبداد؛ ولا يمكن أن نستبدل مستبداً بمستبد مهما كانت المغريات أو الدوافع.

من هنا أظن من المفيد لنا كسوريين، أن نفتح حوارا مجتمعيا معمقا حول شكل سوريا المستقبل؛ ليتوافق الجميع عليه؛ بعيداً عن التوظيف السياسي الحالي وتحريض هذا الطرف أو ذاك. وفرض نمط لشكل الحكم دون توافق السوريين كلهم عليه.

(مركز دراسات تيار الغد السوري.)

آخر تحديث: 15 فبراير، 2017 12:43 م

مقالات ذات صلة >>

ننصحكم >>