أيّها الشعر! عذاب ماراتوني

شجعتني «مريام مونتويا» على الذهاب إلى مهرجان الشعر الدولي السابع عشر في مدينة «ميدين» في كولومبيا. قالت: سوف تستمتع وتتسلّى كثيراً. مريام شاعرة كولومبية مقيمة في باريس، عرضت عليّ خدماتها ومرافقتي إلى السفارة الكولومبية لتأمين الفيزا وبطاقة السفر، وأردفتْ أنها أيضاً مدعوة إلى المهرجان وستكون رفيقتي ودليلي عبر المطارات والطائرات باعتبارها ذات خبرة. اتفقنا على اللقاء في مقهى «غامبيتا».

اقرأ أيضاً: لعلّ..

– كيف سأعرفك وتعرفينني؟
– أنا خلاسيّة (ميتيس).
– هذا لا يكفي. في باريس الكثير من الخلاسيات. هل أنت جميلة مثلاً؟
– سوف ترى بنفسك.
– طيب. سأكون مرتدياً قبعة على رأسي.
– اطمئن. رأيت صورتك في دليل المهرجان على الانترنت.
أقبلت مريام مرتدية ثوباً أسود معرّقاً بزهور ملوّنة، يصل حتى ركبتيها ويتهدّل على جسمها، قماش خرير. شعرها أسود مُسدل حتى كتفيها بتسريحة بسيطة جسمها مائل إلى الطول والنحول من دون إسراف. عيناها سوداوان سنجابيتان لماعتان ذكاءً. تبادلنا التحية (سأعرف في ما بعد، أنّ التحية بين الجنسين في كولومبيا، هي تبادل القبلات حتّى من دون معرفة سابقة). المحطات الـ15 في مترو الأنفاق ستكون كافية لبدء التعارف.
مريام شاعرة، عملها الأخير تُرجم إلى الفرنسية بعنوان «جئتُ من جهة الليل»، تعلّم دروساً خصوصية باللغة الأسبانية، وهي إلى ذلك اختصاصية في فنّ الدمى المتحركة (الماريونيت). منذ سنوات تعيش هنا وتواسي قلبها المحطّم. فلقد تركها زوجها ليتزوج بأخرى أصغر منها سنّاً. لقد أحبّته كثيراً وما زالت تحبّه، فهذه جراحٌ لا تشفى. أنجبت منه فتاة أصبحت في الثامنة عشرة الآن، وهي تقيم معها، ولكن سنتعرف إليها في «ميدين» حيث تقضي عطلتها الصيفية في الوطن.
الفئات المثقفة عموماً ترتفع لديها نسبة القلوب المحطَّمة. إذ أنها فئات ذات أمزجة وخيارات عرضة للتقلّب والتأثّر بمجريات العيش. وهي فئات ذات حساسية خاصة لما يُسمّى الحريّة الفردية بينما العلاقات المستقرّة تقتضي استقراراً فكرياً ومزاجياً واجتماعياً وانصياعاً إلى نظام ثابت من التفكير والعيش. نظام ديني أو اجتماعي الخ…

ندوة شعرية
مريام لا تمشي مشياً عادياً بل تكاد تحلّق كعصفور أو فراشة، لذلك كانت تسبقني بأمتار على الأرصفة، ثمّ تلتفت إليّ وأنا واقف أُشعل سيجارتي وتضحك. في العودة، بعد إنجاز المعاملات، دعوتها إلى البيت، فجاءت. كنتُ وحدي وعلينا تناول الغداء. أخذتُ فرّوجاً من البرّاد وسألتها: ما رأيك؟ ماذا نفعل بهذا الفرّوج البريء؟ قالت: عليّ أنا، وانطلقت بالفروج إلى المطبخ لكي تصنع منه «بصليّة» على الطريقة الكولومبيّة.
وجدتُ نفسي متوّرطاً. إذ كان عليّ العودة في اليوم التالي إلى بيروت مزوّداً بالبطاقة والحجز، فإذا بي مزوّد ببطاقة وفيزا إلى كولومبيا، وقاعدٌ أنتظر بصليّة الفرّوج. السفر بعد غد. يعني سأقطع مسافة 11 ألف كلم وسأغيّر طائرتين في مدريد وفي بوغوتا (عاصمة كولومبيا)، إضافة إلى 150 كلم في السيارة إلى ميدين، ما يقتضي قضاء 15 ساعة في الجوّ، إضافةً إلى انتظارات «الإسكال» في كلّ مطار. يعني حوالى 20 ساعة من العذاب والإزعاج، ومن دون تدخين! لماذا؟ من أجل أن أقرأ شعراً هناك وأن أستمع للشعر؟ بالكاد في بيروت أذهب إلى أمسية شعريّة أو ألبّي دعوةً إلى أمسية. لقد تزحلقتُ تزحلقاً في هذه الورطة، ساعدتني مريام على التزحلق. الكثيرون يذهبون يومياً إلى أميركا وغير أميركا. لهم هناك اهتمامات ومصالح. ما هي اهتماماتي ومصالحي في هذا المسار الماراتوني العنيف؟ وماذا أفعل «بالديسك» القابع بين الفقرتين الرابعة والخامسة من عمودي الفقري؟ مصالحي واهتماماتي هي أن أتفاعل مع ثقافات أخرى وشعوب أخرى.
التفاعل واجب قوميّ في هذه المرحلة التي تتعرض فيها البلاد لحملات شديدة الوطأة وإلى اتهامات أقلّها «الإرهاب». ينبغي أن نُبدي ثقافتنا وشعرنا أمام الآخرين. وترى أنّ حقول التفاعل هذه قد تكاثرت تكاثراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. فالمهرجانات الثقافيّة والشعريّة على قدم وساق في فرنسا وأسبانيا وهولندا وألمانيا، وفي العواصم العربيّة، وكذلك الجوائز الثقافيّة والشعريّة، حتى يخيّل إليك أنّ الكثرة من المثقفين والشعراء العرب في حالة طيران دائم. جاءني صوت مريام من (المطبخ تسأل عن أماكن الملح والبهار والثوم والبصل إلخ)…
– ماذا تفعل وحدك؟ تعال نطبخ معاً.
– إنني أسأل نفسي لماذا سأذهب بعد غدٍ إلى كولومبيا؟
– لكي تقرأ شعراً وتستمع للشعر وتتفاعل مع الآخرين. ألست شاعراً؟ قيل لي إنك شاعر معروف في بلادك!
– آه. أيها الشعر!

(مجلة شؤون جنوبية)

آخر تحديث: 26 مارس، 2016 12:09 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>