مشكلة النساء مع رجال اليوم

مي الشدياق ارتكبت هرْطقة نسوية لا تقدَّر بثمن: في إحدى الإحتفاليات بمناسبة عيد المرأة، اعتزت باللبنانية التي “تحقق الإبداعات” عندما “تتحين لها الفرصة”، وتتزوج واحداً من الشخصيات العالمية لتصبح بذلك “حاكمة لمعظم العالم عن طريق الأصهرة”؛ زوجة جورج كلوني، زوجة رئيس افغانستان، أو رئيس الأرجنتين، أو الميلياردير غيتي جوزيف، جميعهن نماذج مضيئة…

ولو كان القذافي عائشاً، لأضافت أيضاً زوجة إبنه هنيبعل، القابع الآن في سجن لبناني بتهمة جريمة ارتكبها والده، عندما كان هو في الثالثة من عمره. ولكن مي الشدياق معذورة: هي فقط طوَّرت نظرية لبنانية قديمة تقول ان “قوة لبنان بضعفه”، صاغتها على طريقتها، لتصبح “قوة لبنان بحلقته الأضعف”، أي النساء؛ معتمدةّ في ذلك على معنى “الريادة” اللبنانية، القائمة على الشطارة و”الحرْبَقَة”. إلا انها في المقابل عبَّرت عن مشكلة حقيقية عند النساء اللبنانيات، وربما النساء الأخريات أيضاً. وقوامها، انه مهما تجمّلن، وتأنَّقن، وتبخْترن، مهما “حققن” من “إنجازات”، مهما خفّضن من معاييرهن، فانهن لا يجدن الرجال؛ بل حتى وهنّ برفقة رجال، شركاء كانوا أم أزواج. كأن الرجال اختفوا من الساحة. كأننا وسط سوق جامد، حيث يرتفع العرض من النساء، وينخفض طلب الرجال عليه، أو عليهن. ولا يوجد أي ديناميكية قادرة على خرق هذا الركود، إلا سفر النساء إلى الخارج بحثاً عن الرجال المناسبين، فيُبنى بذلك مجد وطنهن و”ريادته”.

كان الوضع معكوساً في ستينات وسبعينات القرن الماضي. أبناء وبنات جيلي لم يعرفوا هذا النوع من الندْرة. كانت ساحة الجامعة أو التظاهرة أو السوق أو المقهى، أو أي مكان عام آخر، تعجّ بالتناغم بين الجنسين، بالنظَرات المسروقة والإبتسامات. كان الحب على مفترق أي طريق. والزواج، سواء أتى من هذا “الخارج”، أو بترتيب من الأهل، يتم من دون عناء، وأحيانا من دون تفكير. ما الذي تغيّر خلال السنوات الخمسين الماضية؟ ماذا تبدّل بعد نصف قرن؟ ما هو العنصر الجديد الذي دخل على خط تلك العلاقة، بين النساء والرجال؟

اقرأ أيضًا: المرأة، محاولة فهم على هامش يومها

طبعاً، الأشياء التقليدية، من نوع هجرة الشباب والرجال، موتهم أو استشهادهم، في واحدة من دورات العنف الأبدي في ربوعنا؛ المثلية الجنسية المنتشرة بأكثر مما يتصوره المراقبون؛ صعوبات بناء الحياة المشتركة، زواجاً أو غراماً، مع شحّ الموارد، المادية والنفسية، وضبابية المستقبل؛ وكلها أسباب صحيحة، لا تحتاج إلا للدقة بالأرقام. ولكن، خلف اعتكاف الرجال هذا، بل خلف “إضرابهم” عن الحب والزواج، شيء أعمق من الإقتصاد والسياسة. انه الإختلال البطيء، غير المرئي، الذي تسرّب إلى العلاقة القديمة بين الرجال والنساء. كانت نواته نساء أنثويات ورجال رجوليون؛ وصارت والآن شيئاً آخر، أي نساء تشبّهن بالرجال، في مسيرة المساواة، ورجال لم يهضموا هذا التبدل، وربما لم يفهموه؛ فاختلّ الميزان. وكانت تلك الغربة الجديدة للرجال، أمام نساء لا يشبهن الصورة التي ورثوها عن الحب، أو عن الزواج المتوازن، حيث لهم القيادة والسيطرة و”القوامة”…

إذا كبّروا عقلهم واقتربوا من النساء، فلكي يستعيدوا حريماً تخيلياً، جديراً بهارون الرشيد، حيث النساء غبّ الطلب. من الرجل “الحداثي”، “المتنور”، إلى الداعشي، مرورا بالمزواج: كلهم ينشدون وفرة النساء، ويثملون بها، كل النساء… أي ولا امرأة واحدة. ربما لذلك يبقون “بين بعضهم” بين الرجال، يلعبون باعتكافهم عن النساء، يشدّدون شروطهم، العمرية والجمالية خصوصاً، فلا يصنعون، في أجمل الحالات، غير قشرة حب هزيلة ضئيلة؛ لتعود النساء فتسأل: “أين الرجال؟”.

كنا في زمننا، أي قبل نصف قرن، في طور معين من تحررنا النسوي؛ كنا ما زلنا نبني تصوراتنا، ونصيغ عيشنا الجديد، علاقتنا بأحبابنا وازواجنا. وكان هؤلاء ينظرون إلينا بعين الدهشة والإعجاب، فيتوفرون في سوقنا، بل يفيضون أحياناً. اليوم، كما ترون، وصلنا إلى مرحلة من تحررنا النسوي، الناقص حتما وابداً، إختلت فيها علاقتنا الحميمة بالرجال، فأنتجت ما أنتجته من بؤس عاطفي وجنسي وعائلي، ما زلنا أول طريقه. ما الذي حصل بالضبط، بين الجنسين، خلال نصف القرن هذا؟

هل نحن أمام دورة محدَّدة من الثورة النسوية، وما هي طبيعة الحقبات السابقة إذن؟ التساؤلات هنا تولّد التساؤلات، وربما تخلق الموضوع؛ موضوع العلاقة الحميمة بين الرجال والنساء، والذي يجدر متابعته ورصد مكوناته، بالقدر نفسه الذي ننكبّ فيه على “النساء والسياسة”، و”العنف المنزلي”، و”الصحة”، و”العمل والمأجور”…

(المدن)

آخر تحديث: 10 مارس، 2016 8:57 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>