السيد محمد حسن الأمين في ذكرى الثورة الايرانية(2): إيران بين الدولة والثورة

يتحدث العلامة المفكر الاسلامي السيد محمد حسن الامين في الحلقة الثانية، عن تجربته الشخصية في مواكبة الثورة الاسلامية في ايران في السنوات الاولى التي تلت انتصارها في العام 1979، بقيادة الامام الراحل اية الله الخميني.

لحظة انتصار الثورة مبهرة، يتذكرها السيد الأمين ويقول مستعرضا ذاك الزمن: “إن زمناً طويلاً كهذا يفصلنا عن لحظة الانتصار وما رافقها من مشاعر جيّاشة وحماسة كبيرة متوقّدة لهذا الحدث الذي اعتبرناه آنذاك حدثاً مفصلياً في تاريخ الشعوب الإسلامية على الأقل، لا يمكن وفق الطبيعة البشرية المعتادة أن تستمر هذه اللحظة وبالحرارة نفسها، وبالحماس الذي رافقها، ولا شك أن مرور الزمن وتوالي الأحداث والظروف الإيرانية والإقليمية والدولية باتت أكثر حضوراً في تقييمنا لمسار هذه الثورة وتحوّلها إلى دولة، ودولة إسلامية بالذات، لنكتشف أول ما نكتشف، أن هذا الحدث هو حلقة من حلقات تاريخنا السياسي المعاصر، لا بد من الاعتراف بأنه تميز ليس بقيادته الحكيمة وحسب المتمثلة بالإمام الخميني، ولكن في هذا الاصطفاف النادر للشعب الإيراني بمجمل مكوناته لإنجاز هذا الحدث الإنقلابي، بما يصحّ فعلاً أن نسميها بالثورة، وهو ما يميزها عن أي انقلاب عسكري حصل ويحصل في المنطقة العربية على الأقل، ولكننا في الوقت نفسه، لا نتحرَّج من القول بأن الطبقة السياسية التي تولّت السلطة بعد انتصار الثورة لم تكن الطبقة المثالية التي حلمنا بها وحلم بها كلّ قطاعات الشعب الإيراني وحتى الشعوب الإسلامية والعربية، فطبيعة الأمور تقضي أن تواجه القيادة السياسية والإدارية في هذه الدولة كما في غيرها مشاكل ومضاعفات وصوراً طبيعية وغير طبيعية أحياناً، من التنافس والاختلاف بين هذه القيادات البشرية. وأن نشعر بأن كون الثورة إسلامية لم يغيّر كثيراً من بنية النظام السياسي كما هو في دول كثيرة”.
وعن سبب عدم انجاز تحولات جذرية عميقة تليق بثورة الامام وشعبه يشرح السيد الأمين انه “من الطبيعي أن قيام الدولة الإسلامية لم يكن كافياً لإنجاز تحولات جذرية وعميقة في المجالات السياسية والاقتصادية والإنمائية، وإن كانت الدولة الإسلامية ظلت إلى حد كبير محتفظة وملتزمة بشعاراتها السياسية المبدأئية ومنها الموقف من القضية الفلسطينية، كما أنها ساهمت وبصورة واضحة في تظهير الأبعاد المكتومة والغامضة لإمكانات الإسلام الكبيرة على المستوى الثقافي والاجتماعي، وهذا ما زوّد الكثيرين برؤية جديدة لطبيعة الإسلام بوصفه بنية ورؤية كاملة لقضايا الإنسان والحياة والإجماع البشري”.
ولما كان السيد الامين كثير التردد الى ايران في المرحلة الاولى، نسأله عن لقاءاته وطبيعتها فيجيب: “في البدايات كانت هناك علاقات وثيقة مع رموز كثيرة للثورة الإسلامية ومنهم الشيخ رفسنجاني، وآية الله طالفاني والشيخ منتظري وغيرهم، وكانت لنا لقاءات تفصيلية مع رموز تمثل هذه الشخصيات، وكان أحد موضوعات هذه اللقاءات هو الوضع اللبناني وبناء استراتيجية لعلاقة الثورة بلبنان عموماً وبالطائفة الشيعية بشكل خاص.

كانت وجهة نظري في أغلب هذه اللقاءات التي حصلت في طهران وأحياناً في بيروت تتنافى مع رغبة بعض الأخوة اللبنانيين وبعض الأخوة الإيرانيين مع مبدأ قيام حزب خاص للجمهورية الإسلامية، وكنت أحاول أن أوضح أن الولاء الوطني اللبناني وخاصة الشيعي بصورة عامة، هو أوسع من أي إطار خاص يمكن أن يقلّص من هذه العلاقة الشاملة والواسعة ويحصرها في هذا الحزب وأذكر أن كثيراً من القيادات والقيادات الوسيطة للثورة الإسلامية كانت توافقني الرأي على ذلك في بداية الأمر، وهنا أودّ أن أذكر بأن الإمام الخميني رحمه الله، لم يوافق أن يقوم في إيران حزب تحت عنوان “حزب الله”، وقال “إن المسلمين كلهم أمة حزب الله”.
ولكن يبدو أن السياسات النافذة في إيران رأت أن للبنان وضعية خاصة، وأن هذه الوضعية تستدعي تشكيل حزب لبناني وهو الذي سمي لاحقاً بـ”حزب الله”، ولا ننكر دوره النموذجي والمميز في مواجهة العدو الإسرائيلي، ولكننا في الوقت نفسه، كنا نفضّل أن تكون المقاومة مقاومة وطنية شاملة دون أن نقلّل من شأن الثورة الإسلامية الإيرانية في تبنّي هذه المقاومة وما زلنا نرى أن توسيع إطار المقاومة هو بالإضافة إلى كونه تعزيزاً لها، فإنه بالإضافة إلى ذلك يتضمن دوراً بالغ الأهميّة في تعزيز الوحدة الوطنية اللبنانية”.

إقرأ أيضاً: السيد محمد حسن الامين في ذكرى الثورة في ايران (1): يتذكّر الامام الخميني

بين الدولة والثورة:

ويلفت السيد الأمين ان “ما انتهت عليه ايران هو انها الآن دولة وليست ثورة، وأن طبيعة الدول تختلف عن طبيعة الثورات، لذلك تراجع هاجس الحماس لتصدير الثورة لحساب الضرورات التي تمليها مصالح الدولة وضرورة توسيع علاقاتها في العالم والتوقف عن تداول الشعارات الثورية، ونلاحظ أن إيران بهذه السياسة حققت إنجازاً اقتصادياً وسياسياً فيما يتعلق بالملف النووي وهذا كان نتيجة النزعة الواقعية التي اتسمت بها السياسية الإيرانية ولوفي وقت متأخر.

إقرأ أيضاً: السيد محمد حسن الأمين: لا «تبشير» بين المذاهب الاسلامية بل «حوار»

وعن السبب الذي جعل ايران تحجم عن تأييد الثورات العربية وخصوصا في سوريا يجيب السيد الأمين استطرادا” في موضوع الدولة ومصالحها التي تختلف قليلاً أو كثيراً عن مبادئ الثورة، فإن موقف إيران إزاء قضية الثورات في العالم العربي وثورة الشعب السوري تحديداً، نضعه في دائرة النقد ونعتبر أنها ابتعدت عن الحدّ الأدنى من التزامها في الوقوف إلى جانب الشعوب المقهورة واتخذت بكل أسف موقفها إلى جانب النظام السياسي في سوريا، وأحسب أن هذا الموقف كانت تملي على السياسة الإيرانية اعتبارات بعيدة عن مبادئ الثورة، وقد تكون قريبة من مصالح الدولة وتطلعاتها في توسيع دائرة نفوذها، وهو ما اعتبره شخصياً وجهة خاطئة وغير مصيبة وقد ساهمت إلى حدّ كبير في تراجع الكثير من الشعوب العربية عن حماسها، بل واحتضانها أحياناً لمبادئ إيران وثورتها التي كانت محلّ تقدير وحماس عميق عند أغلب مكونات الشعوب العربية بعيداً عن الاعتبارات الطائفية والمذهبية البغيضة التي تعصف الآن في كثير من بلدان العالم العربي ويبرز فيها شعار الصراع بين الشيعة والسنّة، علماً أنّ أحد أبرز مبادئ الثورة الإسلامية وعلى لسان الإمام الخميني نفسه هو شعار وحدة الأمة الإسلامية.

آخر تحديث: 13 أبريل، 2017 2:26 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>