طيف هاني فحص في عامية انطلياس

من أبيها تعلّمت ان الطريق الى الله يمرّ عبر الجمال، وان لا دين خارج المحبة، وأن الشفاء بالآخر المختلف هو الشفاء الحقيقي، هذا ما قالته بادية فحص قبل ايام، عندما وقفت خطيبة في عامية انطلياس، في ذكرى عيد مار مارون، على المنبر نفسه الذي كان قد اعتلاه يوما أبوها القديس الشيعي الراحل هاني فحص.

أيها الأحبة…
أقف على هذا المنبر وطيفُ أبي يلوح لي خطيبا في عيد مار مارون مرة، ومرة في ذكرى عامية إنطلياس، وكان قد قرر اصطحابي إلى قداديس إلهية، يوم رصد جفاء أصاب علاقتي بالله، وهنا، اكتشفت مثلَه عالما روحانيا جديدا موازيا لعالمي الخاص، فأعاد تقريبي من السماء.

إقرأ أيضاً: طيف هاني فحص في عامية انطلياس
كان أبي مؤمنا أن الطريق إلى الله تمر بالأشياء الجميلة حصرا، منها تجويدُ عبد الباسط ومحمد رفعت وتسابيحُ شيوخ الطريقة والموسيقى الكنسيةُ المفعمةُ بروحانية الرهبان المتنسكين. لذلك كان حريصا على سماع الترانيم، حرصَه على سماع التلاوة، يتباهى بحفظه ترنيمةَ “أنا الأم الحزينة”، كحفظه سورةَ مريم. ومرة، في عز انزلاق مصر نحو هاوية الفتنة الدينية، قال لي: لو أن المصريين يصغون للموسيقى القبطية الكنسية، لتغلبوا على شياطين العنف الذين يحاصرونهم.
إخال المتعصبين لأديانهم، على كثرتهم وقلةِ عقلهم هذه الأيام، ينفرون من هذا الكلام، أو يستخفون بمعناه الإنساني والروحاني، ويعتبرون أن الشفاء بالآخر المختلف، انتقاصٌ من الذات أو نقصانٌ فيها، ويظنون أن غنى الجماعات يكون باستغنائها عن بعضها وليس بالحاجة المتبادلة. لا لوم عليهم، فقد اختلط عليهم فعلُ الإيمان بما هو طمأنينةٌ وأمان وفعلُ الدين بما هو طقوسٌ وتقاليدُ ومظاهر.
في عيد مار مارون القديسِ الذي لا سقف له، في هذه الكنيسة التي تحمل اسمَ العامية الذين كانت السماءُ سقفَهم، وقف أبي يوما، مظللا بسماء جادت على البشرية بحواريين أنقياء الفطرة والفكرة والإيمان. هنا تجلى يوما، ثالوثٌ مقدسٌ.
قوامُه: قديس كدح إلى ربه كدحا، وثائر قاد الكادحين نحو انتزاع الحق والعدالة ورجل دين كدح من أجل هدم كل الحواجز المصطنعة التي فرضتها الدنيا على الدين وليس العكس.
أيها الأحبة….
حين اختار مار مارون الإلهي من هذه البرية الواسعة هيكلا وثنيا ليتعبد فيه، إنما أراد أن يعلمَنا أن الله لا يحتاج إلى بيوت على اسمه لنرفع فيها ذكرَه، أما حين تنسك واعتزل الدنيا وظل متواصلا مع محيطه إرشادا ووعظا وشفاء، فليعلمَنا أن عبادة الله لا تستقيم إلا بخدمة عباده.
مار مارون برع في توليف التناقضات الحادة، ونحن أخفقنا ليس في اسلتهام تجربته كنموذج للتفاعل والتواصل وخدمة الناس فقط، بل في تعزيز مشتركاتنا وتقريب متباعداتنا ومقاربة اختلافاتنا.
وأجتزئ في هذه المناسبة، من كلام للأباتي يوحنا تابت عن الليتورجيا المارونية أن “الطقسَ الماروني هو طقسُ منتصف الطريق”، استنهاضا لهمم شعب مارون، بأن يحولوا هذه الخاصيةَ الدينية، لما تحويه من معاني الاعتدال والوسطية، إلى رسالة إنسانية ومهمة وطنية، يحتاجُها طقسُ لبنان الملبدُ بغيوم التحزب والتطرف والتشنج والاحتقان الديني والطائفي والمذهبي لينقلب معتدلا.

إقرأ أيضاً: هاني فحص الفقيه العضوي
أيها المحتفلون…
في داخل كل منا قديسٌ، ليس بالمعنى الطقسي للكلمة بل بمعناها الإنساني والوجداني. فلنترجم هذه القداسة بالوحدة، لأن الوحدة بين الناس على اختلاف أعراقهم وقومياتهم ودياناتهم ومذاهبهم هي انعكاس لله فيهم. ولأن لا اكتمال لأي تجربة دينية أو دنيوية إلا بالتجرد من الذات والاتحاد بالآخر المختلف، فلنجعل من التجربة الوحدوية التي مرت على هذه الكنيسة، طقسا دينيا وسلوكا دنيويا، ولنسْقها بالإيمان والمحبة ليظلَ أصلها ثابت وفرعها في السماء. وليجتمع الكل في الواحد، فعندما يصبح الكثيرون واحدا، يضحي الواحدُ كثيرين.
وكل عام وأنتم بخير……

آخر تحديث: 14 فبراير، 2016 1:21 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>