الحب السوري.. على كف الريح

هل يحق الحب، للسوريين؟ من حقهم العشق؟
«لاجئ سوري يفر من السجن بمساعدة حارسة سويسرية وقعت في حبه»، خبر تناقلته مؤخرا وكالات الأنباء، وسط كل الأنباء المرّة المتعلقة بالسوريين، فجأة يبزغ خبر ندي بعض الشيء، إنه «الحب»، مثل كلمة شعرية تأتي ضمن نصّ عادي، فتقلبه تلك الكلمة إلى قصيدة.
عشية عيد الحب، أفكر مثل كل سوري وجد نفسه يخوض حربا خططها ورسمها له الآخرون، فأصبح يحلم حلما واحدا: أن يوضع حد لأكثر المراحل التاريخية شؤماً في تاريخ سوريا الحديث. لكن لا أمل، فقط، نتفاوض على تقاسم الخراب.
كيف أتجنب صور شوارع دمشق قبل الأزمة، قبل الثورة، قبل الحراك، قبل العصابات، قبل الحرب على الارهاب، لكم أن تسموا الكارثة التي حلّت بنا ما شئتم، فكل سوري يغني على ليلاه، لكل سوري شعاره، وأيديولوجيته، وعقيدته، وحربه، وثورته، وطائفته، وحقده، وحزنه. الجميع مشغولون بضغائنهم، وأحلامهم، وهروبهم، وخبزهم.

لكن من يفكر بالحب؟!
السوري الذي يرتمي في أحضان البحر والموت والصدفة؟!
أم السوري الذي يرابط عند أرضه ويحارب دون أن يعرف من يقتل بالضبط، ولماذا؟!
أم ذلك السوري القابع خلف شاشة الكومبيوتر، يواصل حربه الالكترونية، عبر توزيع شهادات حسن السلوك، أو تعبئة خانات التصنيف، فلان، مَعْ، فلان ضِد، فلان معارض، فلان ممانع والخ من تلك التصنيفات التي تكفل «المثقفون» تحديدا بوضع قواعدها وشروطها تبعا للجهة التي يقبضون منها؟!
أم ذلك السوري الذي تمترس في دمشق وراح يقذف كل من نجا بروحه وروح أولاده هرباً من الموت، بشتى الاتهامات: عميل، خائن..

ما قبل الأزمة
وهنالك السوريون المغتربون ما قبل الأزمة الذين عاشوا طوال حياتهم خارج سوريا وانهمكوا بلعبة وسائل التواصل الاجتماعي، أي أعجبتهم فكرة تصنيف وتوصيف وتقرير مصير كل من ظل داخل سوريا أو خرج منها، بعضهم وِلِدَ وعاش على أرض بعيدة، قصية، ويدلي بدلوه بالشأن السوري، يسب ويشتم طبعا، تبعا لانتمائه الطائفي أو لمصلحته. الجميع يعمل لمصلحته الخاصة.
من يفكر بالحب؟ لا مكان للحب؟ الكره وحده سيد الموقف؟! تساؤل شرعي، عشية عيد الحب.
أعود إلى شوارع دمشق كما رأيتها في ربيع 2010 تحديدا يوم الفالانتاين، كل شي أحمر، الورود، الدببة، الشموع، أذكر أني يومها كنت مع شلة من الصديقات والأصدقاء، جبنا شوارع دمشق القديمة، احتسينا الشاي في مقهى النوفرة وسمعنا الحكواتي يسرد شيئا من سيرة عنترة العاشق والخائب الأزلي أمام تمنع عبلة وتملصها منه ومن إنجازاته، ببساطة عبلة لم تقع بغرام عنترة، وكل تلك السيرة بنيت على قصة حب بائسة من طرف واحد.
قطعنا كل تلك الحواري ابتداءً من حي القيمرية مرورا بالزواريب التي تربط الحميدية بباب شرقي، كانت دمشق مزدانة بأحمر العشق، لا يمكن لأي سائر في تلك الدروب العتيقة أن يحزر أننا مقبلون على كارثة سورية وجودية.
هل كان ذلك الاطمئنان، وهميا وكاذبا إلى هذا الحد المفجع؟! أم أننا وقعنا في فخ النعامة الشهير، طمر الرأس في الرمل؟!
الحقد يحفر سجونه المظلمة حيث يجد الكره ملجأه الأخير، كل شيء يتجمد حتى الشفقة، فكيف لنا أن نفكر بالحب؟ أين للحب أن يجد مكانا له؟!

اقرأ ايضًا: «فالنتاين» الحب اللبناني في زمن الكمامات!‎
السوريون والحب، نبوءة موت وحسب، تتلوّى أرضنا من فرط الزلزال، من فرط الكره النائم منذ مئات السنين، من فرط النفاق الذي غيّب كل الحقائق المرّة التي نعيشها الآن كسوريين نكره بعضنا بعضا، نتبادل الشتم والسب والقدح والذم، وكل طرف يعتقد أنه يمتلك الحقيقة والحق.
أولئك الذين يجعلون من مَثَل أناهم الأعلى المريض معيارا للحياة، والذين لا يمكنهم استيعاب الآخر إلا مشوَّهاً، وأولئك الذين فرضوا آراءهم الشخصية وجعلوها معياراً للوطنية وعدمها..
إنها فيتوات الحرب المؤقتة والمتنقلة ورياحها النتنة، حيث كل أشكال الجبن، والقذارة، والضغينة المشهرة بوقاحة، تحل محل الحب.
كل تلك الضغائن المستترة التي تعشش في الأحشاء، برزت للسطح لنقتل بعضنا بعضا.

مناديل الوداع
السوريون، وزعتهم كف الريح، تحملهم حسرة المطرود، وحزن المفجوع، كثير من السوريين يدركون أنهم غادروا دون عودة. حملتهم زوارق الموت دون أن تلوح لهم مناديل الوداع، وحده الموج المتوحش يفتح لهم ذراعيه ويقرر مصيرهم.
لم يحظ السوري بذلك المنديل الحنون الذي ذكره يوماً شاعر المهجر، إلياس فرحات:
«مناديل من ودعت يخفقن فوقهم
فلا ترهقيهم يا سفينة أقلعي».
ولن يحظى السوري بذلك الكفن الذي تمناه يوما نسيب عريضة: «عد بي إلى حمص ولو حشو الكفن واهتف أتيت بعاثر مردود» مع كل يوم يمرّ نمعن بالضياع عن هويتنا، وذاكرتنا، وحضارتنا وناقوس الموت يقرع في كل لحظة معلنا موت سوري جديد.
المنافي تتربص بالسوري، مهمة الأمم المتحدة توزيع حصص من السوريين على تلك البقاع المنسية التي يراد لها أيدٍ عاملة.
يحق للبريطانيين الترويج لأغلى باقة ورد بمناسبة عيد الفالانتاين ـ بقيمة 14 ألف دولار- ويحق لي توضيب باقة ورد من شقائق النعمان، تلك التي تنبت في بادية قصيّة، لا يمكنني أن أحظى بها إلا في الأحلام، يكفيني أنها تشرئب في الذاكرة، زهرة، زهرة، حمراء مروية بدم الإله القتيل أدونيس، حتى زهورنا لها سيرة دموية حزينة، ذاكرة تدوّي فيها صرخة الرب السوري العتيق أدونيس المغدور بأنياب خنزير القدر الوحشي. كلنا مغدورون، غادرون، مذنبون، محزونون، ضائعون، تائهون، مفجوعون، كلنا لا نتوقع من الغد أن يكون أفضل، ولا نتوهم عيد «فالانتاين» قادما يمكن أن يعثر له على مكان وسط الخراب السوري العميم، وسط الآمال التي يخالطها اليأس، والهلع، والظلام، وعتمة الفرص الضائعة، وحزن الذكريات، وحزن الغد الذي يصبح اليومَ، الأمسَ، دون أن يتغير شيء.

(السفير)

آخر تحديث: 13 فبراير، 2016 11:13 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>