المحكمة الدولية في ظلّ إتحاد المصالح

إحدى عشر سنةً من عمر الأحياء قضتها التّحقيقات في حل لغز إغتيال الرّئيس المظلوم رفيق الحريري، مئة وإثنان وثلاثون شهراً كُتبت خلالها آلاف التّقارير وتمّ الإستماع إلى مئات الشّهود، ثلاثة آلاف وتسع مائة وستون يوماً جُمعت فيها العديد من الأدلّة وسُطّرت بموجبها مذكرات إستدعاء بحق متّهمين مفترضين طالبتهم المحكمة الدّولية الخاصّة بلبنان بالمثول أمامها.

بدأت المحكمة أعمالها منذ آذار2009، ومازالت حتّى يومنا هذا في سنتنا هذه تستعرض صوراً وأفلاماً ووثائقاً وتصريحاتٍ وتسجيلاتٍ وتقاريراً حملتها معها من لبنان إلى لاهاي على دفعاتٍ بطائراتٍ، حتّى أجمع الكلّ بمن فيهم المتّهمين على إعتبارها كافية وكفيلة بأن تخدم العدالة وأخلاق الواجب وقادرة على أن تزيل ستار الجهل ببساطةٍ عن جريمة العصر، وتتجلّى إذا ما أهملت ولربما قاومت نظريّة المصلحة المتبادلة المسيطرة على عالم موسوم بالفطرة على نفعيّة بنيويّة مقنّعة.

اقرأ أيضاً: الممانعة بدأت تأكل أبناءها

إحدى عشرة سنةً على التّوقيت البشري قادرة من دون أدنى شك على إحقاق عدالة ممتلئة، ولكنّها عجباً إلى الآن أبقت عليها في إطار العدالة النّحيفة المتجسّدة في القصص الروائية المنقولة والمعادة بحيث بات يُخشى عليها (إن بقيت كذلك) أن تُمسي مع الوقت مادة شبيهة بما يعرض على شاشة التلفزيون الرسمي يتجاهلها اللّبنانيون بل وكثير منهم لا يتذكّرون.

العدالة كما قال الفيلسوف الأمريكي جان رولز مثل الجسد الذي لا تتجلّى بنيته إلا بوجود خطر محدق بالحياة، وهي بالوقت عينه قد تختفي بحسب المسار التّجريبي للمجتمعات الغائية المتصارعة إذا ما تعانقت المصالح أو حصل بين المتخاصمين إتفاق. فعندها ستتحول الأولوية (نظراً لما هو مستجد) إلى إيجاد فائدة أكبر تقضي بإصلاح ظروف سيئة هي بالأصل قائمة ولتحل فضيلة محل فضيلة هي في مفهوم البعض الآن غائبة، فتستحيل علاقة محكومة بالعواطف وغالباً ما تجعل هذه الظّروف العدالة تسود بشكلٍ أقل وينتج عنها ما يمكن تسميته بعدالة التّسوية المصلحيّة.

المحكمة الدولية

هذا العالم عالم مملكة الغايات، إنّه عالم ماوراء الظّاهر، عالم مؤلف من عابري سبيل لامبالين إلا بالذات وهم لذلك ما عادوا يميّزون بين النذلاء والقديسين، عالم الأسياد وأصحاب الأنا والميول الحرّة المفرطة في إستعمال الإفتراضات والتّبريرات، تلك اللاهثة وراء مصالحها ومصالح من تجمعهم بهم فرصة تحقيق الغايات.

قد يكون من أبغض الأمور وأشنعها أن يعيش المرء شك خصمه وييأس من الحصول على حقّه، في وقت يمجّد الخصم في سيرته السّيف الذي بحدّه قوّم الإعوجاج وأرسى العدل. نومينية (أي طريقة التّفكير العقليّة المحضة) إستغنت عن فينومينيتها الحسيّة (أي عالم المحسوسات) أو إستقلت عنها فانقلبت مثالية متعالية تراقب العواقب وتوصّفها لكنّها عبثاً لن تسلم من نوائبها، الشّرعية الزائدة عبثاً تمسي ناقصاً إن هي عجزت عن جلب نفعاً ودفعت ضرراً.

اقرأ أيضاً: نصرالله تغيّر.. من سيّد المقاومة إلى قائد فيلق عسكري

إنّ إتحاد المصالح بإختصار قد يعبّر عن مصادفة يكون فيها للأطراف الحاجات نفسها وقد يصل إلى حدٍ يجعلها تسعى إلى التّعاون فيما بينها من أجل منفعة مشتركة، وهو أمر كما يقرّ فلاسفة السّياسة لا يحدث بفعل الطّبيعة الذاتية بل بفعل المصادفة السّعيدة للظّروف.

 

آخر تحديث: 12 فبراير، 2016 1:44 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>