قراءة في الدستور الايراني(3): مؤسساتُ في خدمة الأيديولوجيا

عرفت النخبة السياسية الجديدة، أي التيار الديني، وعلى رأسه الخميني، أن الأساس الديني لشرعية النظام، بعد هدم شرعية النظام البلهوي، لا يكفي وحده لإستمرار النظام، وانه لا بدّ من تدعيم شرعية النظام الجديد، بطرقٍ وأساليب متعددة: أولاً من خلال إنشاء مؤسساتٍ إجتماعية وإقتصادية وعسكرية وقضائية ودينية وتعليمية وأمنية وقمعية جديدة، تتوافق مع الأيديولوجيا الجديدة للنظام السياسي، والتي تقع فكرة ولاية الفقيه في صميمها؛ وثانياً من خلال إعطاء دور مميز لرجال الدين وآيات الله في داخل البناء السياسي للدولة، وفي داخل تلك المؤسسات، لكي يتمكنوا من فرض رؤيتهم الدينية والفقهية على شكل هذه المؤسسات التي يتم من خلالها إدراة كافة الشؤون في البلاد، وبالتالي إحكام قبضتهم على كل صغيرة وكبيرة في البلاد، وعلى كامل السلطة في إيرا

أغلب هذه المؤسسات تمّ إنشاؤها من خلال تأميم ومصادرة الأموال والشركات والمؤسسات الاقتصادية والتجارية والعقارية والبنكية التي كانت تابعة للشاه وحاشيته والمقرّبين من نظامه.

ومن أبرز تلك المؤسسات التي يتولى القائد والعلماء والفقهاء العدول الإشراف عليها :

١- مؤسسة المستضعفين التي كانت تُعنى برعاية معوّقيّ الحرب وأُسرهم بعد اندلاع الحرب الإيرانية – العراقية، والتي تتمتع بميزانية ضخمة. وقد أُسندت اليها بعد عام ١٩٨٩ مهام خارجية وأمنية، وساهمت في نشر النفوذ الإيراني عن طريق مساعدة المستضعفين من الشيعة في الدول المختلفة، وأبرزها لبنان.

٢- مؤسسة الشهيد التي كانت تتكفل بعوائل الشهداء الذين سقطوا في أثنار الحرب العراقية – الإيرانية، عن طريق دفع الرواتب الشهرية للأرامل، وتقديم الخدمات التعليمية والسكنية والرعاية الصحية لأبناء الشهداء .

٣- مؤسسة إمداد الإمام التي تُعنى بأعمال الإغاثة، وتقديم المساعدات المتنوعة للمحتاجين .

٤- مؤسسة ١٥ خرداد ( حزيران ) التي اعلنت عن جائزةٍ مالية ضخمة ( ٣،٣ مليون دولار) لمن يقوم بإغتيال “سلمان رشدي” صاحب كتاب” آيات شيطانية “، بغية إجتثاث المؤامرات المعادية للإسلام .

٥- مؤسسة جهاد البناء التي اهتمّت ببناء الجسور والطرق وغيرها من الأنشطة في أثناء الحرب .

وهذه المؤسسات ذات الطابع الخيري والانساني والاقتصادي، قد مدّت عملها وأنشطتها الدعائية الى خارج إيران، حيث قامت بإنشاء بعض المدارس والمراكز الثقافية والطبية في بعض الدول الإفريقية والعربية. وهي خارجةٌ عن رقابة الدولة، ولا تخضع لأيّ محاسبة قانونية او إدارية، وهي تمتلك ميزانياتٍ ضخمة نتيجة الخُمس (أو سهم الإمام ) والتبرعات المختلفة من رجال البازار (التجّار الإيرانيون) الداعم التقليدي لرجال الدين في ايران، وهي تخضع لمكتب الولي الفقيه القائد الذي يقوم بتوجيه الإنفاق فيها، بحسب ما يراه، وترتبط به ارتباطاً مباشراً، تكويناً وإدارةً وتنفيذاً لتوجهاته وأجندته وأولوياته . وقد نجحت هذه المؤسسات التي تستفيد من موارد الدولة المالية والاقتصادية، في تثبيت قواعد الأيديولوجيا الجديدة، وفي توسيع قاعدة المستفيدين من النظام القائم، وفي الحصول على الولاء له من شرائح واسعة من الجماهير، ولاسيما الفقراء الذين كانوا ولا زالوا، وقود الثورة؛ وفي نشر ” التشيّع” خارح إيران.

وتجدر الإشارة الى أن ” حزب الله ” اللبناني الذي يرتبط مذهبياً وعقائدياً وأيديولوجياً بإيران، ويتلقى منها معونات مالية تُقدّر بملايين الدولارات سنوياً، قد قام بإنشاء مؤسسات تحمل نفس الأسماء، وتقوم بنفس الأدوار والوظائف داخل البيئة الشيعية للحزب.
وهكذا يمكننا الإستنتاج أن القائمين على الثورة وصنّاع القرار، لم يستطيعوا التخلّص من المؤسسات التقليدية التي كانت فاعلةً ومتحكّمةً في عهد الشاه، لذا قاموا بإنتاج مؤسساتٍ رديفةٍ لها، تكون بمنزلة أذرع سياسية واقتصادية ودينية وعسكرية وأمنية للنظام ، تحدّ من تأثيرها، وتضبط عملها بضوابط الرؤية الجديدة لمصلحة النظام: رئاسة الجمهورية يقابلها ولاية الفقيه، مجلس الشورى الاسلامي (البرلمان) يقابله مجلس صيانة الدستور، الجيش النظامي تقابله قوات الحرس الثوري والباسيج، المحاكم المدنية العادية يقابلها المحاكم الشرعية، المدارس والجامعات التقليدية يقابلها التعليم الديني التقليدي في الحوزات، جهاز الإذاعة والتلفزيون يقابله خُطب الجمعة التعبوية في المساجد…. وجميع هذه المؤسسات كانت أداةً مناسبةً لتحقيق أعلى درجات الإنضباط الجماهيري وراء الوليّ الفقيه والدولة؛ ولتكريس ” التوأمة” بين المؤسسة الدينية والنظام السياسي .

الأساسُ الإسلامي للنظام الإيراني

يقول الخميني “إنّ المؤسسات الإستعمارية كلها وسوست في صدور الناس أنٌ الدين لا يلتقي مع السياسة، وأنّ الروحانية ليس عليها أو ليس لها أن تتدخّل في الشؤون الإجتماعية، وليس من حقّ الفقهاء أن يعملوا لتقرير مصير الأمة . ومن المؤسف أن البعض منا قد صدّق هذه الأباطيل ” (5) .

وتعود نشأة المؤسسة الدينية في إيران الى الدولة الصفوية في القرن السادس عشر، حينما قام مؤسس الدولة الشاه “اسماعيل الصفوي”( ١٤٨٧ – ١٥٢٤) الذي إدّعى الإنتساب الى الإمام السابع موسى الكاظم، بإستقدام العلماء من جبل عامل في لبنان والبحرين والجزيرة العربية، من أجل فرض عقيدة التشيّع في أوساط الجماهير الإيرانية التي كانت تدين بالمذهب السُنّي آنذاك. وقد أدّى قيام أول نظامٍ سياسي أو أول دولةٍ شيعيّة في التاريخ الاسلامي، في إيران، الى صبغ ” التشيّع” بصبغة قومية إيرانية (فارسية)، والى إيجاد التمايز بين التشيّع الإيراني والتشيّع العربي في لبنان أو الخليج العربي .وبعد نجاح الثورة الخمينية، تسلّمت المؤسسة الدينية من جديد، مقاليد السلطة بإيران، معلنةً تبنّي الدين الإسلامي قانوناً وحيداً للبلاد، والمذهب الشيعي مذهباً رسمياً للبلاد .
وقد قامت معارضة – حتى من كبار رجال المؤسسة الدينية وآيات الله – على انخراط رجال الدين في الأمور السياسية اليومية؛ وعلى الطريقة التي نُفذَت بها ولاية الفقيه التي تُعتبر العمود الفقري في النظام الجديد؛ وعلى تدخّل الفقهاء في الحكم بالصورة التي أقرّها الدستور، معتبرين أن دورهم يجب أن يقتصر على النصح والإرشاد والقضاء والفتوى في الأمور الفقهية. ورغم انهم كانوا من كبار المنظرّين للثورة الإيرانية، إلّا أن صراعاً قام بينهم وبين النظام الإيراني الجديد، انتهى بإسكات أصواتهم وإنهاء أدوارهم، إما بالعزل والوضع تحت الإقامة الجبرية ( آية الله حسين علي منتظري ) أو بالضغط والترهيب والدفع الى إعتزال العمل السياسي ( آية الله طالقاني) او بالتجريد من اللقب والحرمان من التدريس ( آية الله محمد كاظم شريعتمداري). وجريمة هؤلاء العلماء انهم تجرّؤوا على الاختلاف مع الخميني، وقاموا بمراجعاتٍ نقديةٍ لنظرية ولاية الفقيه المطلقة، لإظهار مواطن الخلل والزلل والخطورة في تطبيقاتها، ودعوا الى العمل على تصحيحها قبل ان تصبح مصدراً للإستبداد والديكتاتورية اللاهوتية التي لا يوجد ” للشورى” أو للإرادة أو المرجعية الشعبية إذا ما تعارضت مع مرجعية القائد، أيّ دور أو قيمة .
وهذا ما حصل أيضاً مع الدكتور”أبي الحسن بني صدر” الليبرالي والإقتصادي، والمعارض لنظام الشاه، الذي دعم الخميني وصوله الى سدة الرئاسة، والذي رأى لاحقاً، بحكم إنحيازه الى منطق الدولة، أنّ على الفقهاء ان يعودوا الى مساجدهم وحوزاتهم العلمية بعد انتهاء الثورة، وأن يُفتح المجال أمام الثورة المدنية. وكانت النتيجة أن رفض الخميني والتيار الديني هذا المطلب والتوجَه، مما اضطر بني صدر الى الهروب الى خارج البلاد، حرصاً على حياته، وخوفاً من إتهامه بالخيانة العظمى. أما المهندس الليبرالي ذو التوجّه الاسلامي “مهدي بازركان” المناصر للثورة على الشاه، الذي كلّفه الخميني بأول حكومةٍ بعد الثورة، بغية طمأنة القوى الليبرالية بأنه لن يؤسس دولةً دينيةً ، فلم يلبث أن قدّم استقالته، بعد أن أدرك عجزه عن تأسيس حكمٍ ديمقراطي إسلامي منفتح، في ظلَ تنامي قوة ونفوذ التيار الديني في إيران بعد الثورة .

يقول الخميني ” إنّ تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن، لا تخصّ جيلاً خاصاً، وإنّما هي تعاليم للجميع في كل عصر ومِصر، والى يوم القيامة، ويجب تنفيذها وإتّباعها ” (6) . وقد قام المشرّع الإيراني الذي كان يخطط كي يقبض التيار الديني بعلمائه وفقهائه ومجتهديه ومراجعه الدينية، على مفاصل الدولة الناشئة، بضبط كل مناحي الحياة بالضوابط والمعايير والموازين الاسلامية، بغية المطابقة التامة بين جهاز الدولة والنظام السياسي والإسلام، بحيث تصبح أي معارضةٍ او نقدٍ او رفض لهذا النظام، هي معارضةٌ ونقد ورفض للدين الاسلامي نفسه .

وقد ورد في مقدمة الدستور، إن الدستور ” يجب ان يكون وسيلةً لثبيت أركان الحكومة الاسلامية، ونموذجاً لنظام حكمٍ إسلامي جديد على أنقاض نظام الطاغوت السابق “؛ وأنّ إدارة المجتمع بناءً على التشريع الإسلامي، يجب ان يشرف عليها “علماء المسلمين المتّصفون بالعدالة والتقوى والإلتزام ( الفقهاء العدول ) ” .

أما المادة الثانية، فقد نصّت على أنّ “نظام الجمهورية الاسلامية يقوم على الإيمان بالله الأحد (لا إله إلّا الله) وتفرّده بالحاكمية والتشريع ولزوم التسليم لأمره “، وعلى أنّ “الموازين الاسلامية يجب ان تكون اساس جميع القوانين والقرارات المدنية والجزائية والمالية والاقتصادية والادارية والثقافية والعسكرية والسياسية وغيرها .. ويتولّى الفقهاء في مجلس صيانة الدستور تشخيص ذلك ” ( المادة ٤ ). ولا يغيب عن بال المشرّع الإشارة الى أنّ ما يميّز الثورة التي قادها الخميني، عن ” سائر النهضات التي قامت في إيران خلال القرن الأخير، إنما هي عقائديتها وإسلاميتها ” ( المقدمة ) .

ولذلك يجب على ” مجلس الشورى إرسال جميع ما يصادق عليه، الى مجلس صيانة الدستور الذي عليه دراسته وتقرير مدى مطابقته مع الموازين الاسلامية ومواد الدستور ” ( المادة ٩٤ )؛ وعلى السلطة القضائية ” أن تمارس وظيفتها وفقاً للموازين الإسلامية، وتقوم بالفصل في الدعاوى وإقامة الحدود الإلهية ” ( المادة ٦١ ). أما الصحافة والمطبوعات فهي “حرّة في بيان المواضيع، ما لم تخلّ بالقواعد الاسلامية والحقوق العامة ” ( المادة ٢٤)، ويجب على وسائل الإعلام ( الإذاعة والتلفزيون )، أن تعمل ” على نشر الثقافة الاسلامية .. وان تحترز بشدة من نشر وإشاعة الإتجاهات الهدَامة والمعادية للإسلام” ( مقدمة الدستور ) .

أما الأحزاب والجمعيات والهيئات السياسية والأقليات الدينية المعترف بها، فيقرر الدستور أنها “تتمتع بالحرية، بشرط ألٌا تناقض أسس القيم الاسلامية وأساس الجمهورية الاسلامية ” ( المادة ٢٦ ). أما بالنسبة الى الإقتصاد فيجب “بناء إقتصاد سليم وعادل وفق القواعد الاسلامية من أجل توفير الرفاهية والقضاء على الفقر وإزالة كل أنواع الحرمان ” ( المادة ٣) .

وحتى المجالس البلدية المنتخبة من الشعب ” في المحافظات والأقضية والمدن والقرى، والموكلة بتفيذ البرامج الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والصحية والثقافية والتعليمية وسائر الخدمات الاجتماعية – فيجب أن لا تتعارض قراراتها مع الموازين الاسلامية ” ( المادة ١٠٥) .

بالإضافة الى ذلك، ينصّ الدستور على أنّ ” الحكومة مسؤولةٌ عن إعداد البرامج والإمكانات اللازمة للتدريب العسكري لجميع أفراد الشعب، وذلك وفقاً للموازين الاسلامية ” ( المادة ١٥١) .

إقرأ أيضاً: قراءة في الدستور الإيراني (1): تكريسُ السلطة المطلقة للوليّ الفقيه

والحقيقة إن هذه التأكيدات المتتالية على عقائدية الثورة وإسلامية النظام، لا هدف من ورائها سوى تكريس سلطة رجال الدين في كل مناحي الحياة، ليصبحوا الجهة الوحيدة التي تمنح المشروعية لأيّ فعلٍ أو تحجبها عنه، وكذلك لربط حياة الناس ومصالحهم، برؤيتهم الدينية وفتاويهم وتفسيراتهم واجتهاداتهم الفقهية. ولا يتمّ ذلك إلا عن طريق تسييس الدين، وتديين السياسة، وإقحام البُعد اللاهوتي والغيبي والأسطوري، في الميدان السياسي والمالي والاقتصادي والعسكري، وإسباغ مشروعية إلهية على قرارات النظام ومشاريعه وطموحاته، التي تُقدّم للناس على أنها “تكليفات” شرعيّة من الإمام المعصوم .

وبعبارة أخرى، إنّ هذا الإغفال المقصود للفروق الجوهرية بين الميدانين (الأرضي والسماوي، الواقعي والأسطوري، المعقول واللامعقول، السياسة والعقيدة الإيمانية …) ليس سوى وسيلة لتثبيت أركان الدولة الثيوقراطية، ولتفرّد الفقهاء ( وليس الله ) بالحاكمية والتشريع والتحليل والتحريم والسلطة والنفوذ ولزوم التسليم لأمرهم؛ ولتبرير أي ممارسات قمعية او إلغائية ضد مَن يتمّ تصنيفهم بالخونة والعملاء والمتآمرين؛ ولإقفال الباب نهائياً امام حدوث أي تغيير مستقبلي .

إقرأ أيضاً: قراءة في الدستور الإيراني (2): مؤسساتٌ دستورية تحت سلطة الوليّ الفقيه

ولعل الطريقة التي تعاملت بها السلطة الدينية – الأمنية مع “الثورة الخضراء” التي اندلعت تظاهراتٍ واحتجاجاتٍ شعبية في ايران في عام ٢٠٠٩، ضد النظام، هي الدليل الساطع أولاً، على كيفية توظيف “العنف الشرعي” الذي تجابه به سلطةُ “الإمامة – الملكية” غير المقيّدة وغير المشروطة، أيّ تهديدٍ بتغيير موازين القوى التي أرستها بقوة الدين والمقدس والعصمة والإمامة والإيمان والتقليد والإتّباع؛ وثانياً على أنّ الجمهوريات الناشئة في العالم الثالث، ما هي إلّا تطبيقات وتعبيرات شوهاء عن قيم الحداثة ومفاهيم الحرية والديمقراطية؛ وثالثاً، على أن هذا النظام اللاهوتي يستحيل أن يقدّم “نموذجاً ” ناجحاً يصلح ” تصديره “الى خارج الحدود.

آخر تحديث: 8 فبراير، 2016 6:25 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>