قراءة في الدستور الإيراني (1): تكريسُ السلطة المطلقة للوليّ الفقيه

أعّدت الدكتورة هلا رشيد أمون دراسة حول الدستور الايراني الذي كرّس السلطة المطلقة للمرشد ولي الفقيه، ابرزت فيه اسلامية ومذهبية النظام الإيراني، وسننشر هذه الدراسة على عدّة حلقات متتالية.

طُرح الدستور الايراني على الإستفتاء العام، فحصل على موافقة الأغلبية الساحقة من الجماهير الإيرانية ( ٩٨،٢). ولكن التطورات التي حدثت لاحقاً في ايران (الحرب الايرانية – العراقية، تصفية معظم قوى المعارضة الداخلية التي شاركت في الثورة، عزل آية الله منتظري من منصب نائب الامام الخميني…) أوجدت الحاجة الى مراجعة الدستور بغية تعديله. وقد تمّ تغيير خمسين مادة من مواد دستور ١٩٧٩، وارتفع عدد مواده من (١٥٧) مادة الى (١٧٧) مادة، وازدادت عددُ فصوله من (١٢) فصلاً الى (١٤) فصلاً. وكان الخميني نفسه وراء عملية التعديل، ولكن التصويت على الدستور، حصل بعد وفاته، ونال موافقة (٩٧،٣) في المائة من أصوات الإيرانيين في عام ١٩٨٩ .

وأبرز الملاحظات حول هذا الدستور، هي أنه تضمّن بعض التشريعات والمبادئ والثوابت التي تُعتبر مفتاحية ونهائية وجوهربة للنظام، يحظر المشرّعُ تغييرها أو مسّها، وهي المتعلقة بأعمدة النظام الاسلامي الأساسية، مثل: منصب الإمام، وصلاحيات القائد، وإسلاميّة النظام، ومذهبيته.

إقرأ أيضاً: خفايا حياة خامنئي (1): الوجه الآخر للزعيم الزاهد

أ – دولةُ الوليّ الفقيه المستقلّة

” وإنّ من ضروريات مذهبنا، أنّ لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملكٌ مقرّبٌ، ولا نبيٌ مرسلٌ”

لقد سعى النظام الجديد الى تحويل شرعية الثورة وشرعية الكاريزما القيادية التي كان يتمتع بها الإمام الخميني، الى شرعية مقنّنة في الدستور أولاً، وفي المؤسسات التابعة له ثانياً. ولذلك تمّ التأكيد في عددٍ من مواد الدستور على الدور القيادي والمؤثّر للخميني في الثورة الإسلامية، وإحتلّ هذا القائد التاريخي، موقعاً يتجاوز من حيث الأهمية وسِعة الصلاحيات والسلطات، باقي مراكز صنع القرار في البلاد، ولا سيما بعد أن صار منصب المرشد الأعلى للثورة مقنّناً في الدستور الإيراني الذي وضعه فوق السلطات الثلاث المعترف بها في داخل أيّ نظام (التنفيذية والتشريعية والقضائية) وجعله غير خاضعٍ للمحاسبة والمساءلة المباشرتين من أفراد الشعب، ولا من ممثّليه في البرلمان، بل من خلال “مجلس خبراء القيادة “. ومن المسائل التي قوّت هذا المنصب داخل النظام، هي ارتباطه المباشر وتحكّمه بالعديد من المؤسسات الاقتصادية والسياسة والقضائية والأمنية التي لا تخضع للمجلس النيابي الشرعي المنتخب من الشعب.

وقد تعددت المواد الدستورية التي تناولت مسألة القيادة والصلاحيات والشروط اللازم توفّرها في “القائد” الذي وصفته المادة (١٠٧) من الدستور، بأنه “المرجع المعظّم والقائد الكبير للثورة الاسلامية العالمية ومؤسّس جمهورية إيران الإسلامية، سماحة آية الله العظمى الإمام الخميني (قُدَس سرّه الشريف) الذي اعترفت الأكثرية الساحقة من الناس، بمرجعيته وقيادته “.

آية الله الخميني

آية الله الخميني في حديقة منزله بمدينة نوفيل لو شاتو (فرنسا 1978)

ونشير بدايةً الى المادة (١١٠) التي عدّدت معظم مهام القائد ووظائفه وصلاحياته، بإعتباره رأس الدولة، وهي إحدى عشر وظيفة وصلاحية، ومن ضمنها: تعيينُ السياسات العامة لنظام الجمهورية، والقيادة العامة للقوات المسلّحة، نصبُ وعزل فقهاء مجلس صيانة الدستور ورئيس الجمهورية وأعلى مسؤول في السلطة القضائية ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون والقائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية والقيادات العليا للقوات المسلّحة وقوى الأمن الداخلي؛ إعلان الحرب والسلام والنفير العام؛ إمضاء حُكم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه؛ العفو عن بعض العقوبات، وحلّ الخلافات التي تنشب بين السلطات الثلاث .
وقد أشار المشرّع الإيراني في مقدمة الدستور، الى مسؤولية الدستور بإعداد الظروف المناسبة لتحقيق قيادة الفقيه جامع الشرائط، الذي يعترف به الناس قائداً لهم، حتى لا يحدث إنحراف في الوظائف الاسلامية للحكومة، لأن (مجاري الأمور بيد العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه).

إقرأ أيضاً: خفايا حياة خامنئي (2): فريق حمايته وأسفاره وتجاراته

وتنص المادة الخامسة على أنه “في زمن غيبة الإمام (عجّل الله تعالى فرجه) تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الاسلامية، بيد الفقيه العالي المتقّي، البصير بأمور العصر، الشجاع، القادر على الإدارة والتدبير”. ولذلك، فإنّ “السلطات الحاكمة في جمهورية ايران الإسلامية هي: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وتمارس صلاحياتها بإشراف وليّ الامر المطلق وإمام الأمة” ( المادة ٥٧).

أما بالنسبة “لصلاحية المرشحين لرئاسة الجمهورية، من حيث توفّر الشروط المعيّنة في الدستور فيهم، فيجب أن تنال قبل الإنتخابات موافقة مجلس صيانة الدستور، وفي الدورة الأولى تنال موافقة القيادة ” (المادة ١١٠). ويُعتبر “رئيس الجمهورية أعلى سلطةٍ رسمية في البلاد، بعد مقام القيادة، وهو المسؤول عن تنفيذ الدستور، كما انه يرأس السلطة التنفيذية، إلا في المجالات التي ترتبط مباشرةً بالقيادة ” ( المادة (١١٣)؛ وهو ” مسؤولٌ امام الشعب والقائد ومجلس الشورى الاسلامي” ( المادة ١٢٢). ويتولّى “رئيس الجمهورية والوزراء ممارسة السلطة التنفيذية، بإستثناء الصلاحيات المخصصة للقائد مباشرة ” (المادة ٦٠). وفي حال ” صوّتت أكثرية الثلثين من النواب على عدم كفاءة رئيس الجمهورية، فإن ذلك يُرفع الى مقام القيادة، لإطلاعها عليه ” (المادة ٨٩). و”يقدّم رئيسُ الجمهورية إستقالة الى القائد، ويستمر في القيام بوظائفه، الى أن تتمّ الموافقة على إستقالته. وفي حال وفاة رئيس الجمهورية أو عزله أو استقالته … ووفاة المعاون الأول لرئيس الجمهورية، تُعيّن القيادةُ شخصاً آخر مكانه” (المادة ١٣٠)

ويقرر الدستور تشكيل مجلسٍ بإسم “مجلس صيانة الدستور” يتكّون من (١٢) عضواً، ” يختار القائدُ ستة أعضاء من الفقهاء العدول العارفين بمقتضيات العصر وقضايا الساعة ” ( المادة ٩١) . أمّا القانون المتعلق بعدد أعضاء “مجلس الخبراء” ، والشروط اللازم توفرها فيهم ، وكيفية انتخابهم ، والنظام الداخلي لجلساتهم ، فيجب إعداده بواسطة الفقهاء الاعضاء في اول مجلسٍ لصيانة الدستور ، ويصادق عليه بأكثرية أصواتهم ، وفي النهاية يصادق قائدُ الثورة عليه ” ( المادة ١٠٨) .

إقرأ أيضاً: خفايا حياة خامنئي(3): ثروة المرشد النقدية ومصدرها

وكذلك يتمّ ” تشكيل مجمع تشخيص مصلحة النظام بأمرٍ من القائد ، لملاحظة مصلحة النظام في حال وقوع اي خلاف بين مجلس صيانة الدستور ومجلس الشورى الاسلامي ، حول بعض القرارات التي قد تخالف موازين الشريعة او الدستور ، وكذلك للتشاور في الامور التي يوكلها القائد الى هذا المجمع . ويقوم القائد بتعيين الأعضاء الدائمين والمؤقّتين له . وكل القرارات التي يتخذها تُرفع الى القائد ، لتتمّ الموافقة عليها (المادة ١١٢) .

ويتمّ تشكيل “مجلس الأمن القومي الأعلى” برئاسة رئيس الجمهورية . وأبرز مهامه ” تعيين السياسات الدفاعية والأمنية للبلاد في إطار السياسات العامة التي يحددها القائد . وتكون قررات هذا المجلس نافذة المفعول ، بعد مصادقة القائد عليها ، الذي يُعيّن مندوبين إثنين له في هذا المجلس ” ( المادة ١٧٦) .

ويشير الدستور الى انه يمكن إعادة النظر في دستور جمهورية إيران الاسلامية في الحالات الضرورية على النحو التالي :
“يقوم القائد بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام ، بإقتراح المواد التي يلزم إعادة النظر فيها أو تكميل الدستور بها ، وبالدعوة الى تشكيل مجلس إعادة النظر في الدستور . ويعيّن الولي الفقيه او القائد عشرة اشخاص في هذا المجلس . وقرارات هذا المجلس يجب ان تطرح للاستفتاء العام بعد ان يتمّ تأييدها والمصادقة عليها من قبلالقائد ” (المادة ١٧٧) .

إقرأ أيضاً: الحرية الجنسية في إيران بين العرف والشرع

وبهدف أداء مسؤوليات السلطة القضائية في جميع الأمور القضائية والإدارية والتنفيذية ، ” يُعيّن القائد شخصاً مجتهداً وعادلاً ومطلّعاً على الامور القضائية ومديراً ومدبّراً ، لمدة خمس سنوات ، بإعتباره رئيساً للسلطة القضائية ، ويُعدّ أعلى مسؤول في السلطة القضائية ( المادة ١٥٧) . ومن وظائف وصلاحيات رئيس السلطة القضائية الذي يعيّنه القائد : ” توظيف القضاة العدو واللائقين ، والبتّ في عزلهم وتنصيبهم ونقلهم وتحديد وظائفهم وترفيع درجاتهم وما شابهها من الامور الإدارية ( المادة ١٥٨) . وهو يعيّن ايضاً رئيس المحكمة العليا والمدعي العام للبلاد اللذين يجب ان يكونا مجتهدين وعادلين ( المادة ١٦١) . وهو يشرف ايضاً على تشكيل ” ديوان العدالة الإدارية” المكلّف بالتحقيق في شكاوى الناس على مؤسسات الدولة وموظفيها ( المادة ١٧٣) ؛ وعلى تشكيل ” دائرة التفتيش العام ” المتخصصة في الإشراف على التنفيذ الصحيح للقوانين في المؤسسات الادارية ( المادة ١٧٤) . ويستطيع القائد ان يوكل شخصاً لأداء بعض وظائفه وصلاحياته في مسألة العفو او التخفيف من عقوبات المحكوم عليهم ، في اطار الموازين الاسلامية ( المادة ١١٠) . وكذلك فإنّ من صلاحيات هذا القائد ، “تعيين رئيس مؤسسة الاذاعة والتلفزيون في جمهورية ايران الاسلامية ، وإقالته ” ( المادة ١٧٥) .

وبالإضافة الى كل هذه الصلاحيات الدستورية ، وكي يتمكن القائد من القيام بمهامه ، فإنه يقوم بتعيين “ممثّلين ” له ، ينتشرون في كافة مؤسسات الدولة وأجهزتها، وفي كل الوزارات والسفارات والمراكز الثقافية داخل إيران وخارجها ، وفي محافظات ايران الثماني والعشرين . وهؤلاء هم “ممثّلو الإمام” المسؤولون أمامه شخصياً، والذين يبلغ عددهم نحو ألفيْ ممثّل .

هذه هي صلاحيات القائد الفقيه الذي يتمتع بولايةٍ عامة وسلطةٍ مطلقة على شؤون البلاد والعباد ، بإعتباره ممثّل الإمام الغائب ، والوصيّ على المقلَدين القاصرين في غيبة المهدي المنتظر ، والمفّوض من السماء ، والمزوّد بسلطاتٍ إلهيّة ، والآمر الناهي ، والمبتدأ والخبر . وتُعتبر هذه الصلاحيات المطلقة للفقيه ، من المسائل الخلافية التي لا تحظى بإجماع الفقهاء الشيعة ، لا قديماً ولا حديثاً ، والذين خصّوا الفقيه العادل بالولاية الخاصة وليس بالولاية العامة ، وأكدوا عدم وجود دليل قطعي من آثار الأئمة المعصومين ومروياتهم على الولاية العامة ، ذلك ان طاعة الفقيه المطلقة تؤدي الي التسوية بينه وبين الامام المعصوم نفسه ، وترفع درجته الى مقام الائمة المعصومين ، وهذا ما لا تؤيده حجة من عقل او دين .

إقرأ أيضاً: هكذا تحيا إيران… ويموت أتباعها من الشيعة العرب…

والواقع ان هذا التصور لمنصب القائد : صفاته ووظائفه وسلطاته وصلاحياته ومهامه وأدواره .. أتاح له بأن يقيم “دولة ” داخل “الدولة” ، وأن يكون فوق القانون وفوق إرادة الشعب ؛ وجعله أقرب الى مواصفات فراعنة مصر وملوك وأكاسرة فارس في الامبراطوريات الشاهنشاهية ، والمكرّسة في الثقافة السياسية الفارسية التي تعود الى مئات السنين ، منه الى صورة وأدوار وصلاحيات “الحاكم” مقيّد الصلاحيات ، المنصوص عليها في دساتير الدول الحديثة ، والتي توصلت الشعوب والمجتمعات الى رسمها وتكريسها، بعد تراث طويل من التفكير السياسي والتنظير الفلسفي والنضالات والثورات المجتمعية . بل إن هذه الصلاحيات تفوق بأبعادها الدينية وطابعها الفقهي والأسطوري ، الصلاحيات التي كان يتمتع بها الشاه “محمد رضا بهلوي” الذي اندلعت الثورة ضده ، والذي وصف الثوّار – وعلى رأسهم الخميني نفسه – نظامه بأنه نظام ملكي أبويّ إستبداديّ متسلّط بطّاش ، يتسم بتركيزٍ شديد للسلطة المطلقة بيد شخصٍ واحد هو الشاه !

آخر تحديث: 5 فبراير، 2016 2:48 م

مقالات ذات صلة >>

ننصحكم >>