فيروس الليبرالية و اللوثة اليسارية

“الفيروس الليبرالي” عنوان كتاب للاقتصادي الماركسي المصري سمير أمين، نشر بالفرنسية في العام 2003 وصدر بالعربية عام 2004 عن دار الفارابي في بيروت. رن هذا المصطلح في أذني خلال اجتماع للمجلس الوطني للحزب الشيوعي، على لسان كبير اقتصاديي الحزب في حينه، رحمه الله، تعقيباً على نقاش دار حول موضوع الصراع، وكيفية تجليه كصراع طبقي في الاقتصاد والسياسة والمواجهات الدولية، واحتمال أن يكتسي طابعاً طائفياً أو عشائرياً أو قومياً، وما إذا كانت حمولته الاقتصادية تبقى غالبة عليه، لكونه يتحدر من مصطلح الطبقة المشحون بمضامين اقتصادية تطال كل ما له صلة بالانتاج وقوى الانتاج وعلاقات الانتاج؟؟

قال “كبير اقتصاديينا”، في حينه، أن صفحة المخابرات المركزية الأميركية على الأنترنت لا تبخل على زوارها بكلام صريح عن “اللوثة” الليبرالية التي يجري تعميمها على قدم وساق في صفوف المثقفين العرب لتفسد أفكارهم ووعيهم الطبقي وتستدرجهم إلى موقع الدفاع عن قضايا ثانوية، من بينها الديمقراطية، ولتزيح اهتمامهم عن القضية المركزية في الصراع الطبقي، أي المواجهة مع الامبريالية والصهيونية. جاء ذلك في إطار الرد على من كان يطالب بعدم التحالف، فقط عدم التحالف، مع من اغتالوا مهدي عامل وحسين مروة …مع مرور الوقت، نحت الخشبيون أو نقلوا أو ترجموا أو اشتقوا من المصطلح الأول واحداً جديداً وعمّموه في نصوصهم وخطاباتهم تحت اسم النيوليبرالية. تمضي نحو سمير أمين لتستشير كتابه بحثاً عن مضمون المصطلح ودلالاته ومصدره ونعوته. وقبل الوصول إليه تجد المعنى الموجود في الطرقات، بحسب تعبير الجاحظ، يقول إن الليبرالية تيار نادى بالحرية الاقتصادية منذ كانت المعادلة المصوّبة نحو رأس المال”دعه يعمل دعه يمر”، وبالحرية السياسية منذ أن ظهر مصطلح الانسان الفرد والكوجيتو الديكارتي وتبدلت صورة الكون وصارت الأرض هي التي تدور والانسان هو المحور بدل السماء. يفاجئك سمير أمين، الذي لا يحسب بين العاديين من أهل الاختصاص ، بل هو العالم في حقل الاقتصاد، عندما يحتار بين المفاهيم الاجرائية والنظرية.

فهو يرى “أن النضال من أجل عالم جديد وعولمة بديلة … لن يفضي إلى تحقيق تقدم اجتماعي ذي مغزى، إلا إذا تخلص من هذا الفيروس”. وفيما هو يقول بأن الديمقراطية هي أحد الشروط الحتمية للتقدم الاجتماعي، وأنها كانت ضرورة “للتحرر من الانحرافات الخاصة بأنظمة السلطة السابقة على الرأسمالية”، فهو يقدم الذريعة في مكان آخر “لليسار التاريخي” الذي، بدل أن ينتصر للربيع العربي، راح يتحالف أو يتضامن مع قوى الممانعة، بحجة أن ديمقراطية الربيع المنشودة هي صناعة أميركية خليجية نفطية من واجب أنصار الصراع الطبقي محاربتها. قد يعذر سمير أمين لأن حقل البحث عنده يتسع للنظرية الاقتصادية التي أرسى ماركس أسسها، ولا ينحصر في جغرافية العروبة التي ينتمي إليها مكانياً، ويتجاوزها بعلمه الغزير وكتاباته المعمقة في حقل الاقتصاد إلى أبعد من حدود الشرق الأوسط، ليبلغ العالمية في كتاباته عن الاقتصاد المعولم. لكن أحداً من تلامذته أو المعجبين به، ونحن منهم، لن يغفر له وقوعه في شرك المركزية الأوروبية التي انتقدها بحدة.

فهو في كتابه عن الفيروس الليبرالي حصر كلامه عن الرأسمالية في الثالوث، أميركا وأوروبا واليابان، مجسداً في ذلك اعتماده مقام “المركزي الأوروبي” في تحليل أزمة الرأسمالية من غير أن يلتفت إلى الأطراف، ولا سيما العالم العربي، كأنما يغيب عمداً ما اكتشفه في إنجازه النظري الكبير عن “المركز والأطراف”؛ كما أنه شجع، ربما عن غير قصد، مناضلين محليين على الهروب من مهماتهم المحلية الملحة إلى عالمية مزعومة لا يملكون كفاءة الإقامة حتى على تخومها، تملصاً من مواجهة المخاطر الملموسة التي تهدد مصائر شعوبهم والدول والكيانات العربية كلها. يتجاهل سمير أمين ما سبق له أن وضعه شعاراً نضالياً أمام المفكرين الماركسيين حين دعاهم إلى أن يستكملوا إنجاز ماركس الاقتصادي ببحوث سياسية عن الدولة. وهو لو عمل بموجب هذا الشعار لاكتشف أن البلدان الواقعة خارج ثالوث العولمة قصرت عن اللحاق بركب الحضارة الرأسمالية بسبب عوائق وضعت أمام دخولها من الباب السياسي، باب الدولة الحديثة والديمقراطية والحريات وحقوق الانسان، ولاكتشف أيضاً أن الاستبداد بجميع أشكاله وصوره ومصادره، هو العائق السياسي، الأساسي قبل الصهيونية والاستعمار، الذي يسد طرق التطور أو التقدم الحقيقي على كل الصعد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية وسواها.

لو فعل ذلك لاكتشف أن مشكلة الشرقين الاسلامي والعربي هي في رسوخ التقاليد غير الديمقراطية التي تضع شعوبها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما استبداد الأنظمة الوراثية أو الحروب الأهلية، وأن مشكلة اليسار التقليدي تكمن في التشخيص المغلوط لأزمات بلداننا: مشكلة اليسار هذا ليست في عدم قدرته على تجاوز الرأسمالية بل في عجزه عن الدخول إليها. مشكلته في كونه تحالف مع أنظمة استبدت به وبشعوبها وبلدانها وحالت دون نقلها إلى مستوى الأوطان.

ما لم يستدرك”اليسار التاريخي” أخطاءه ويقرأ ماضيه قراءة نقدية ويميز بين أنجازاته، وهي كثيرة، وعثراته وهي خطيرة، ويعرف كيف يخرج من عباءة الاستتباع لأنظمة الاستبداد والممانعة، ليعيد بناء نفسه على أسس جديدة، سيكون هو من يستحق نعته بالفيروس المضاد للتقدم. اليسار الحقيقي، هو من ينشد الديمقراطية ولا يخشاها، ويعرف أن نواقص الديمقراطية لا تعالج إلا بالمزيد من الديمقراطية. يسار الأطراف على وجه التحديد، لا يسار المركز الأوروبي الأميركي الياباني، هو الذي يناضل، بالدرجة الأولى، من أجل مهمة ملموسة لم تكن مدرجة في النصوص الكلاسيكية، هي مهمة بناء وطن سيد ودولة ديمقراطية.

(المدن)

آخر تحديث: 13 يناير، 2016 9:14 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>