هل يكون «الطائف» ثمن عودة حزب الله من سوريا؟!

تكثر الإجتهادات بأن الشرق الأوسط المعروف قد مات. كثر نعوا "سايكس بيكو" والحدود المعروفة منذ عقود، في المقابل يتوق كثيرون إلى لحظة إعلان موت الطائف في لبنان، لأن ظروف اليوم وغداً ستكون أكثر ملائمة لتحقيق غايتهم، خصوصاً أن العقم اللبناني سيستولد تغييراً أكيداً للخروج من دوامة الازمات المتجددة التي يعيشها لبنان منذ سنوات. وعليه يؤكدون أنه لا يمكن للبلد أن يسير وفقاً للقوانين الوضعية السائدة، وفي السياسة لا يمكن لـ"حزب الله" الذي غير معادلات إقليمية أن يبقى راضياً بالطائف.

ينتظر هؤلاء أن يموت الطائف ودستوره، يعتبرون أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، وما الأزمات المتتالية سوى مسوغات الدستورية، تفضي إلى تثبيت نظرية أن الطائف ناقص أو منتقص، أو غير مطبّق، وبالتالي لا بد من تغييره، خصوصاً أنه في محيط يغلي ويتغيّر وتمسح حدوده، ليس كارثة أن يتغير دستور بلد مجاور، أو حتى نظامه السياسي.

يلتقي عند هذه النظرة الكثير من القوى المحلية، مع الدول الإقليمية والدولية المؤثرة، لربما أكثر المتمسكين بالحفاظ على الطائف والكيانية اللبنانية الحالية، هي المملكة العربية السعودية وفرنسا وحلفاؤهما في لبنان، أما ما عداهم داخلياً وخارجياً، فيتوافقون على ضرورة التغيير، تغيير الحدود في المنطقة كما تغيير النظام في لبنان.
الشرق الأوسط الجديد، الذي لطالما اتهم فيه محور الممانعة الولايات المتحدة الأميركية بإرسائه بهدف التقسيم، ها قد أصبح قبلة التوافق بين المحورين النقيضين والمتحالفين حديثاً، لا يضير أميركا المهتمة جداً واستراتيجياً بأمن إسرائيل وتوفير ديمومة استمراريتها، أن يحصل تقسيم في الشرق الأوسط، أو على الأقل فدرلته، أو فرض مناطق نفوذ بالدم أو التوازنات السياسية، هذا الأمر تدفع ثمنه عناصر ومكونات محور الممانعة، سوريا هي الميدان التجريبي لذلك، في موازاة العراق، وتالياً ثمة من يريد سحب ذلك إلى لبنان.
في سوريا، تسيطر طهران وميليشياتها على بقعة جغرافية، والروس يسيطرون على بقعة أخرى، فيما المتشددون السنة يسيطرون على رقعة أخرى، وتحتفظ المعارضة السورية المعتدلة بمناطقها، فيما يفرض الأكراد سيطرتهم على جانب مهم من المناطق الشمالية، أغلبها على الحدود مع تركيا.
تحقيق هذه الأهداف الأميركية – الإسرائيلية الدفينة، يعتبر مكسباً إستراتيجياً لهما، فالتقسيم أو الفدرلة أو مناطق النفوذ على أساس مذهبي، طائفي، أو عرقي، يثبت وجهة نظر إسرائيل بأن لا مجال لدولة تعددية، إنما يعتبر مبرراً لقيام الدولة اليهودية التي تطمح إسرائيل إليها، كما تحقق إستراتيجية أميركية هدفها، إضعاف تركيا بتكتل الأكراد على حدودها، وتعزيز دور إيران عبر تعزيز وجودها في سوريا بعد العراق الذي ينقسم إلى ثلاثة أقسام، الكردي، والشيعي، والسني.
هذه الحدود والمناطق التي ترسم بالدم في العراق وسوريا، يقابلها هدوء سياسي في لبنان، تصفه أطراف الصراع بأنه ربط للنزاع، ولكن على الرغم من المظلة الكبرى المفروضة على البلد الصغير لناحية توفير الإستقرار الأمني، إلا أن كل ما يجري هنا سياسياً مرتبط بما يجري في الخارج، وخصوصاً في سوريا، إن كانت الشقيقة الكبرى للبنان تتعرض لتشريح عنفي على طاولة دولية، فقد يليه الدور سياسياً على الأقل، لا سيما في ظل الأزمة المستعصية التي يعانيها لبنان، وفي ظل وجود قوى وازنة لم يعد يرق لها الواقع القائم وتطمح إلى تغييره.

إقرأ أيضًا: ما بين الموازنة السعودية وتجفيف مصادر تمويل حزب الله
ليست الأزمة الحكومية، والعجز اللبناني عن انتخاب رئيس للجمهورية، سوى دليل على العقم، وعلى سعي جدي من قبل بعض الأطراف إلى فرض معادلات جديدة، تبدأ بعد بروز مآلات الامور في سوريا التي تشهد بموازاة الحرب حراكاً سياسياً مكثفاً، وتلعب سلطنة عمان دور الرابط فيه، وهي التي لعبت دوراً بارزا في التوصل إلى عقد إتفاق الإطار بين طهران وواشنطن بشأن الإتفاق النووي.
 إقرأ أيضًا: العقوبات على حزب الله الى مزيد من التوسّع

كثيرون في محور الممانعة، يهمسون بأن مسقط، ستكون قبلة الجميع لإستنباط الحلول السياسية، وأن لبنان ينتظر دوره للحضور على طاولة التشريح العمانية، حيث هناك، ستجري صياغة نظام جديد، يطيح بالطائف، ولا يكون على شاكلة الدوحة إنما أوسع، نغمة المثالثة تعود من جديد، ويغطيها التكتل المسيحي الأكبر مقابل إنتخابه رئيساً وتحصيله بعض المكاسب السياسية. وبمعزل عن الدخول في التفاصيل غير الواضحة بعد، إلا أن الأكيد، أن الشرق الأوسط المتغير، سينسحب تغييراً بنيوياً في لبنان على حدّ تعبير ساسة بارزين في محور الممانعة، فمع موت الشرق الأوسط، سيدفن الطائف بالنسبة إليهم، عند عودة “حزب الله” في سوريا، يكون البحث عن المكاسب اللبنانية نذير التغيير المرتقب، إن ليس بالدم، فبالسياسة.

آخر تحديث: 2 يناير، 2016 11:23 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>