هاني فحص.. سيّد الدولة بولائها الوطني لا الطائفي

في موضوع إشكالية العلاقة بين مفهوم الولاية العامة ومفهوم ولاية المرجع المحدودة، يرى السيد أنه عندما غلب البعد السياسي على البعد العلمي الديني في ولاية الفقيه بعد وفاة الإمام الخميني (حيث اجتمع البعدان في شخصه ظرفياً)، أضحت ولاية الفقيه عملياً، ولاية سياسية تتذرع بالدين، أي أنها تبحث عن ذرائع دينية لجعل الولاية وبهذا المفهوم العام جزءاً من العقيدة. يلاحظ السيد هاني بثاقب نظر “إن الجهود تعاظمت وتضاعفت بعد الإمام الخميني لتحويل نظرية ولاية الفقيه إلى أصلٍ من أصول العقيدة الشيعية” والتي يعني إنكارها الكفر أو الردة على الدين أو المذهب (ص94). ينتقد السيد هذا الاتجاه مستشهداً ببعض المفكرين الإيرانيين، وفي طليعتهم عبد الكريم سروش، في أن هذا المسار من شأنه تحويل الحوزة الدينية إلى “حوزة دولة” أو إلى “الدولة – الحوزة”. وفي هذا التباس خطير في الأدوار وخلط مسيء لأدوار الطرفين. فالحوزة مكان علمي ينتج معرفةً والدولة مكان سياسي ينتج سلطة وتسويغاً، فلا يجوز التداخل أو التطابق بين الدولة والحوزة، لأن في ذلك قطعاً للحوزة عن وظيفتها المعرفية ومصادرة لها ولدورها من قبل الدولة.. (ص95).

كذلك هو الأمر في موضوعية العلاقة بين الديني والسياسي، وبين الديني والمدني، يجد السيد في مقولة الشيخ محمد مهدي شمس الدين “ولاية الأمة على نفسها” بديلاً من ولاية الفقيه العامة، كما يجد في مفهوم “الدولة المدنية” الذي استخدمه الشيخ، صيغاً مناسبة لبدائل في العمل السياسي الإسلامي المتنور والمتقدم لحفظ الدين ونجاح السياسة.

بل إن النتيجة المترتبة على هذا الفصل أو التمييز هي اعتبار المواطنة في الدولة، الأصل في بناء الدول/الأوطان. من هنا تأتي الدعوة الملحّة والضرورية لانخراط الطوائف ذات الخصوصيات في دولها الوطنية وفي نسيج مجتمعاتها الأهلية والمدنية. كان هذا نداء الشيخ شمس الدين في جولاته في الخليج وفي مواقفه ودعواته اليومية، وكان هذا أيضاً نداء السيد في محاضراته ومقالاته وكتبه، مع تأكيد دائم على أولوية بناء الدولة وتحقيق شروط “الولاء الوطني” من خلال توزيع المسؤولية على الطرفين: الدولة والطائفة.

 

يقول في مقالة الشيعة والولاء الوطني:

 

“عندما لا تريد الدولة في أي بلدٍ عربي، أو لا تستطيع أن تجمع مكوناتها المتعددة اثنياً أو دينياً، من خلال الالتزام بكونها جامعة لهذه المكوّنات… فإنها تدفع هذه المكونات أو التي تهمّش منها نحو العزلة… وتشجعها على إقصاء أو تعطيل المتغير الثقافي – الاجتماعي بالثوابت الطبيعة، ثم ترجيح الجامع السلالي العصبي على الجامع الوطني والقانوني”، وبذلك تدفع الدولة جماعاتها إلى الاستقواء عليها، أو الاستقواء بالخارج اضطراراً لضيق أو عجز…

 

وحتى بالنسبة للمقاومة فلا يصح أن تكون مسوّغاً لعلاقة استقواء، ولا لحصر المقاومة بالشيعة. يقول “ان اختزال المقاومة في الشيعة، ثم في حزب الله من الشيعة كان مشروعاً متفقاً عليه بين أطرافٍ غير لبنانية وبين حزب الله. وبهذا يفسر الكثيرون الحروب المعلنة والسرية التي جرت، من حرب المخيمات إلى حرب حركة أمل – حزب الله، بعد الزام التيارات القومية واليسارية بالكف عن المقاومة” (ص55).

في الحالة الشيعية، يشرح السيد بصراحة وموضوعية ملابسات علاقة الشيعة العرب بإيران الدولة الشيعية، فيميز في المنظومة الفقهية الشيعية بين المعرفة بالموضوعات من جهة وترتيب الأحكام عليها من جهة ثانية. فهذه المعرفة هي شأن المكلفين. يشرح السيد هذا التمييز كما يلي: هذا يعني “ان المسألة الوطنية اللبنانية أو الكويتية أو البحرينية هي شأن المواطن، لا شأن الفقيه أو الحاكم الديني، فالمكلف هو الذي يقدر الأمور لأنها مجال خبرته، بينما خبرة الفقيه تنحصر في الأحكام، وهذا هو نصاب المرجعية فليس من شأن الفقيه أن يحكم بأن ما في الكأس خمرة أو أن العلاقة بين الشيعي اللبناني ودولته يجب أن تقوم على القطيعة وعدم الولاء، بل شأن الفقيه أن يقول أن الخمرة حرام، وان الرضا بالجور حرام، أما أن ما في الكأس خمرة أو ماء أو أن هذه الدولة جائرة وتستحق المعارضة فهذا ليس شأن الفقيه الإيراني أو العربي، وإنما شأن الجماعة الوطنية(…)، أي أن الموقف الشيعي الوطني أو اللاوطني هو خيار أفراد الشيعة، غاية الأمر أن يكون صائباً مرّة وخاطئاً مرة أخرى. وفي كل الأحوال يجب البحث وطنياً عن أسباب الصواب وعن مسوّغات الخطأ التي لا تسوغ واقعاً ولكنها تقتضي العلاج لا الشتيمة أو التهمة” (ص57 – 58).

وجيه كوثراني

 

باحثاً في الاجتماع السياسي، نقرأه في العديد من مباحثه: في سلوكيات الجيل السياسي الشيعي، في إشكالية الديني والسياسي، في الجنوب والشيعة والثقافة المغيبة، حول موقع الشيعة ودورهم في لبنان، سنّة وشيعة – مخاطر تأسيس الصراع، ولكن الأبرز والأجرأ والأكثر صراحة مقالته عن “الدولة اللبنانية والدولة الموازية”. يقرأ السيد في هذه المقالة تسعة شواهد على قيام هذه الدولة الموازية في الاجتماع السياسي والثقافي والتربوي والعسكري لدى حزب الله.

1- ففي الشأن التربوي أصبح للحزب مؤسساته المندمجة أو التابعة أو الرديفة أو الحليفة.

2- وفي المجال الاجتماعي والشبابي، من المستشفيات إلى مؤسسة الشهيد إلى كشافة المهدي إلى الأندية.

3- وفي المجال الديني للحزب مساجده وحسينياته ورجال دينه.

4- وفي الثقافة، للحزب منابره وجمعياته الثقافية ومنشوراته ومكتباته.

5- وفي العمل والتجارة والمهن الحرة والطلاب نقاباته التابعة وروابطه.

6- وللحزب اعلامه، تلفزيون المنار واذاعاته المتعددة ومجلاته ونشراته.

7- وللحزب دورته المالية والإنتاجية من الحقوق الشرعية إلى الكفّارات والنذور، إلى مؤسسات الحج إلى صناديق الصدقة ودعم المقاومة، إلى مؤسسات الجباية في كل ديار الانتشار اللبناني، وصولاً إلى التمويل الإيراني.. الذي يمكن أن يوظف في خط موازٍ للدولة.

8- قضائياً، للحزب حركته القضائية.

9- عسكرياً وأمنياً، لا داعي للتفصيل، يكفي كما يقول السيد اعتراف الدولة بهذا، أو “فرحها” بالتنسيق مع مؤسسات الحزب العسكرية والأمنية.

 

يتساءل السيد، هل يمكن أن يكون كل هذا نوعاً من التخصصية أو من مؤسسات المجتمع المدني؟

يستبعد هذه الفرضية، لأن المجتمع المدني يقوم في إطار دولة متكوّنة وحديثة، بل هو فائض حداثتها، أما هذه الشواهد، فتجتمع في حيّز سياسي واحد ذي صيغة طائفية أو مذهبية وفي لحظة ضعف الدولة واستضعافها وتقصيرها، واستيطان فكرة الجمهورية الإسلامية (التي قامت فعلاً في إيران) في النفوس معطوفاً – كما يقول السيد – على كون حزب الله قد زرع في الذاكرة طموحه إلى جمهورية إسلامية (دولة بديل) يوماً ما؛ وكل ذلك يضع الشواهد التي ذكرها السيد مجتمعةً في خطٍ موازٍ للدولة، مسكونٍ فرضاً، من غير أن نعدم الدليل بهاجس إلغائها في الحدود المتاحة، المفتوحة على حدود قصوى، ترسمها التطورات المحتملة في الاتجاهات كافة.

 

يقول أحد أعلام المدرسة التاريخية الحديثة، التاريخ ليس علم معرفة الماضي، بل هو علم البشر في الزمن التاريخي، والزمن التاريخي ماض وحاضر ومستقبل.

إقرأ الجزء الأول: هاني فحص الفقيه العضوي

يرى محمد عابد الجابري أن المثقف في الحضارة الإسلامية الكلاسيكية، كان الفقيه، فإذا جاز هذا الفرض في إسقاط معنى حديث على معنى قديم، فلا شك جائز أن ننعت هاني فحص بـ “الفقيه العضوي” مستأذنين غرامشي في هذه الاستعارة.

 

 

 

 

آخر تحديث: 30 ديسمبر، 2015 10:40 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>