هكذا ابتلعت ظلال السرو ساحة فرحتنا…

هي ليست بساحة ولا تشبه الساحات. كلّ ما في الأمر: مسافة عدة أمتار من الزاروب الضيّق الذي يشقّ وسط القرية لم يبن أحدٌ على الطرف الشرقي والجنوبي منها منزلاً أو أي شيء آخر، فتحولت الى ما يُشبه الدائرة، ليُطلق عليها فيما بعد لقب " ساحة جرجوع ".

في الصِّغَر كانت تبدو لنا تلك الساحة كبيرة جداً. كيف لا، فقد كنّا نراها تتسع لمعظم أهالي البلدة. قسمٌ يعقد في وسطها حلقة دبكة، وآخرون يقفون للتفرّج، أولاد فضوليون سمح لهم آباؤهم بالخروج من المنازل في الليل، وعشّاق في الزوايا يلتهمون بعضهم البعض بعيون جائعة.
تلك المساحة كانت تتّسع للجميع… عجباً، فهي اليوم بالكاد تكفي لركن بضعة سيّارات، بعد أن صارت الدّبكة أيقونة نحتفظ بها في الزاوية الصغيرة المتبقيّة في وعينا للذكريات الجميلة، عندما طغى على ذلك الوعي كلّ ما هو ملتحف بالهموم ومصبوغ بالأسود.
الساحة… متنفس لأبناء البلدة، للعمال والمزارعين والفلاحين والأساتذة، كلّهم كانوا هناك، حيث تتشابك الأيادي ويبدأ الرّقص وتختلط رائحة عرق الأجساد… تلك المساحة الصغيرة كانت تُنعش الجميع برائحة ذلك العرق القروي الممزوج بعطر صابون الغار، ورائحة البذور المحمّصة والفستق ورذاذ المشروبات الغازية، حيث حانوت ” أبو جريس ” الذي لا يكلّ من البيع.
كما الساحة، والتي لم يصدّق أحد بأنها كانت تتسع لكلّ ذلك وكلّ الناس، فإنّ مقبرة البلدة المحاطة بأشجار السّرو المعمّرة صارت تشبهها. فكيف لتلك المساحة المسمّاة بالجبّانة أن تتّسع لكلّ هؤلاء ” الدبّيكة ” والمتفرّجين والكثير من ” عشاق الزوايا ” وبعض الذين كانوا صغاراً فضوليين مثلي…
الساحة الصغيرة كانت مساحة الفرح الوحيدة. اليوم هي خالية من الفرح والنَّاس والعشاق أصحاب العيون الجائعة، كما من حانوت أبي جريس المقفل… كلّ هؤلاء الذين كانوا يتباهون ب ” خبطة ” أقدامهم على أرضها صاروا محاطين بالسّرو والحجارة وقطع الرخام… هم أيضاً صاروا مجرّد ذكرى في تلك الزاوية الصغيرة من وعينا…
الساحة الصغيرة، مساحة فرحنا، إنتقلت الى هناك حيث أشجار السّرو. مساحة صغيرة صدّرت الفرح الى حدود السماء، ومساحة صغيرة أخرى ابتلعت الجميع، ولا تزال مستعدّة لإبتلاع كلّ شيء.

إقرأ أيضًا: يوميات معتقل (2): أحلام النوم على نصف حذاء
مساحتان صغيرتان وسط كلّ ضجيج الحياة تختصران كلّ شيء: الفرح والحزن، الموت والحياة، الابتسامة والدمعة، العشق والفراق والضحكة والبكاء.
تآمرت السنون مع المقبرة لتُزيح فرحتنا والساحة المتواضعة. المقبرة لا تشبع من الدموع ولا تملّ من مشاهد البكاء، ولا يكفيها بأنّها سرقت منا، والى الأبد، كلّ شيء… ساحتنا، ساحة جرجوع، لا تقوى على الكلام… لا تتسلّح بالقدر من أجل إعادة الفرح الى أرجائها… المقبرة صارت أقوى، فسلاحها هو القدر، وجشعها يدفعها حتى الى دفن الساحة والذكريات وكل الفرح ورائحة رذاذ البيبسي والكراش من حانوت أبي جريس ورائحة أقراص فلافل أبي جمال…

إقرأ أيضًا: مبدعتان من بلدة «جرجوع» الجنوبية فازتا بالجائزة الفرنسية للقصة القصيرة

أكره أشجار السّرو… ما زلت أحبّ الساحة والباب العتيق لحانوت أبي جريس… عندما أمرّ من هناك فإنني أغذي تلك الزاوية الصغيرة من وعيي بإحياء ذكريات تشبه صوَر قديمة بالأبيض والأسود، رغم أنّ لمنزلي طريق وحيد يمرّ من جانب أشجار السّرو العتيقة تلك!

آخر تحديث: 21 ديسمبر، 2015 4:08 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>