عبد الجبار الرفاعي: لهذا يفشل الاسلاميون في بناء الدولة

بمناسبة ندوة حول كتاب (الشيعة بين الاجتماع والدولة، للسيد هاني فحص) في معرض بيروت للكتاب 1-12- 2015، ألقى القادم من العراق الدكتور عبدالجبار الرفاعي كلمة بعنوان "هاني فحص روحانية متسامحة في عصر الكراهية"، ننقل أهم ما جاء فيها، وهو مقطع يتحدّث عن تجربة انخراط الرفاعي بالحركات الاسلامية، ثم ارتداده عنها بعد تجربة غنيّة اكتشف فيها استحالة بناء دولة حديثة وعادلة من قبل فقهاء السلطة الدينية.

« تأخر وصولي المحطة التي بدأ بها هاني فحص حياته، حين سلك دربا لم يمر بخرائط الدولة الدينية، فقد كنت كما جيلي من المتدينين الشباب في العراق قبل أربعين عاما، مسكونين بفكرة الدولة الدينية، التي كانت تتمثل صورتُها في مخيلتنا بعصا سحرية، وسفينة خلاص تنقذنا من فاشية صدام حسين، وكل ألوان الاضطهاد والتمييز التي كنا ضحاياها، وانها الفردوس الأرضي الذي لا تشبهه دولة في الماضي والحاضر، لا في الشرق ولا في الغرب. أتذكر حين كنت أقرأ كتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب، في مطلع السبعينيات، وانا تلميذ في الثانوي، كنت أتقد حماسة، أنفعل وأهيج وأبكي، وأكاد لفرط أشواقي لهذه الدولة المتخيلة أطير في السماء، إذ يخيل الي وأنا أكاد أرقص مع شعارات سيد قطب البارعة في مخاطبة الغرائز، وتأجيج الأحاسيس والعواطف، وكأن كلَّ مشاكلي الشخصية وعائلتي، بل كلُّ مشاكل العالم ستحل، وتنتقل البشرية فجأة لعالم كله رخاء وتضامن وسعادة، لا فقير فيه أو محروم، كما أنا وأهلي.

 

طفقت أفتش عن جماعة دينية تنشد هذه الوعود، واستبدت بي روح رسولية انقاذية، تسعى لتغيير العالم، كي أحل مشاكله كلها، وأنجز له مانفستو خلاصه الأبدي. لم تتمزق أوهامي إلا بعد أكثر من عشر سنوات، بعد أن تكشف لي أن تلك الوعود ليست إلا أحلام أرواح معذبة، تفتش عن عزاء تسكن به، ويهدأ به وجعها. التقيت وسيد هاني في محطتي الثانية، التي بدأتْ قبل أكثر من ثلاثين عاما. بعد أن أدركت وقتئذ أن الدولة ظاهرة وضعية مركبة عميقة ابتكرها الانسان، انها أعمق وأغنى وأهم ظاهرة سياسية اجتماعية اقتصادية ثقافية، أبدعها التفكير والخبرة البشرية، عبر تجارب خطأ تفضي الى الصواب، وهدمٍ يفضي الى البناء، وحروبٍ تفضي الى السلام، وصراعاتٍ تفضي الى الحوار، ونزاعاتٍ تفضي الى التفاهم.

 

اقرأ أيضًا: هاني فحص في مؤلّفه الأخير: المسلمون بين التقريب والوحدة والفتنة
قرأ هاني فحص المدونة الفقهية في مدرسة النجف، فأدرك انها لا تتسع للدولة الدينية،كذلك نظر في آراء فقهاء النجف منذ الشيخ محمد حسين النائيني حتى الشيخ محمد مهدي شمس الدين، فاكتشف انهم لم يفكروا بدولة في سياق المدونة الفقهية، ما خلا حالات محدودة.
كان المرحوم سيد هاني يسألني عن سبب اخفاق رفاقي الاسلاميين في العراق في بناء الدولة، رغم وفرة موارد بترول العراق وثرائه، كان جوابي هو: يمكننا التعرف على عقل الجماعات الاسلامية ونمط تفكيرهم عبر النظر للأدبيات التي يعتمدون عليها في التربية والتثقيف، ففي هذه الأدبيات لا نعثر على ما يشي بمفهوم واضح للدولة الحديثة، قد ترد اشارات لأمثلة لما قبل الدولة الحديثة، كدولة الخلافة والدولة السلطانية. لم أجد أحدا من رجال السلطة يفهم أن الدولة الحديثة ظاهرة مركبة عميقة واسعة، ذات طبقات وأبعاد مختلفة، تتطلب خبراء من ذوي التكوين الممتاز في مختلف التخصصات، في: الحقوق والقانون، والسياسة، والاقتصاد، والأموال، والتجارة، والتنمية، والادارة، والزراعة، والصناعة.. وغير ذلك من العلوم والمعارف الجديدة.
كلما كان فهم المرء محدوداً يحسب نفسه يعرف كل شئ عن كل شئ. لذلك يتحدث ويكتب بعض قادة الجماعات الاسلامية عن قضايا تخصصية مختلفة، لا يفهمها بشكل دقيق، ولا يستطيع أن يعطي الرأي الصائب فيها سوى المختصين في العلوم الانسانية والاسلامية، والتكوين الأكاديمي هاني فحصالرصين، والمعرفة العميقة بالتراث ومسالكه المتنوعة، لكن مثل هؤلاء القادة – وبعضهم من الأطباء والمهندسين والمختصين في العلوم الطبيعية – لا يعبأون بذلك، فتجدهم أحياناً يكتبون ويتحدثون في مختلف التخصصات، ويصدرون الأحكام في الدين والدنيا، بلا دراية وتخصص وخبرة.
اقرأ أيضًا: المقالة الاخيرة: الإسلام والغرب وضرورة تدوير الزوايا
الفهم المتفشي في أدبيات الاسلاميين للدولة والسلطة مبسط لا يكاد يتخطى السطح، وكأنه فهم من يحسب البحر بعمق سنتمتر واحد. انهم يحسبون أنفسهم يفهمون كل شئ، ويعرفون بكل شئ يتصل بالدولة وشؤونها. من هنا لا يستعينون بالخبراء في بناء الدولة، لعدم شعورهم بالحاجة لهم. ذلك سر فشل الدولة في بلادنا، الدولة اليوم لا يبنيها سوى الخبراء من مختلف التخصصات.

 

خسارتي برحيل هاني فحص أقسى خساراتي في العقد الأخير من حياتي. لكن حتى لو غادر هو إلى عوالم الملكوت، فإنه لن يغادرني أبداً؛ إذ يمكث دائماً جزءٌ منه فيَّ، مثلما يمكث جزءٌ مني فيه».

آخر تحديث: 18 أبريل، 2017 11:28 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>