يا جمهورَ الصحافة الورقيّة… ماذا تريد بعد؟

في ذروة أزمة الصحافة الورقية المتعددة الأوجه بين الموضوعي والذاتي، أي بين التحولات التكنولوجية والمالية والثقافية والسياسية وبين القصور الذاتي عن الخروج منها في لبنان، يشهد هذا اللبنان حدثاً وَرَقِيَّاً داخل حدثٍ في الصحافة هو التعرّض لأكبر أيقونة غنائية فنية في لبنان وإحدى أكبرها في العالم العربي ذات الصدى النخبوي في العالم.

 

ليس مقالي هنا عن التعرّض للسيدة فيروز الذي واجه استنكارا شبه شاملٍ. وإنما عن الحدث الورقي الذي واكبه.
لقد نفدت نسخ عدد مجلة “الشراع” الذي حمل غلافُه صورة فيروز والعنوان حولها.
نفدت النسخ. هذا لم يحدث ورقيا في لبنان منذ مدة طويلة جدا كأنها من عصرٍ آخر. فماذا يعني؟ المانشيت العار عن فيروز كيف يمكن أن يصبح خبراً “إيجابيّا” عن رواج صحيفة ورقية رواجا لم نعد نسمع عنه في لبنان منذ عقود؟ وآخر نفاد لطبعة من مجلة حتى في فرنسا كلّف أكثر من عشرة قتلى من أعضاء هيئة تحريرها هي مجلة “شارلي إيبدو” في بداية العام 2015؟
هل يعني حقيقةً مدوّية هي أن جمهور القراء الورقيين اللبنانيين (لأن الانترنت عَكْس التلفزيون والإذاعة هو أداة قراءة)… هذا الجمهور هل بات لا يتحرّك، أي لا يُقبِل على الصحافة الورقية إلا بموضوعات مثيرة بل فضائحية مما سيعني تعزيزا لوجهة النظر (الاتكالية) داخل كل مطبوعة ورقية بأن الخبر المثير أو الفضائحي أو الجنسي هو وحده الذي يحقِّق رواج الصحيفة أو المجلة وأن مادة الصحافة الرصينة في السياسة والثقافة والاقتصاد والمجتمع وحتى الوفيات والرياضة لم تعد صالحة لترويج الصحيفة أو لترويجٍ كافٍ لها؟
مَن الهابطُ؟ الصحافة كلها أم الجمهور أم كفاءة صحفيي الصحافة الجادة؟

اقرأ أيضًا: الصحف الورقية تختفي في حلول العام 2040
الجواب لا بد أن يكون مزيجا من العناصر الثلاثة وأقصد تحديدا لبنان. فرغم كل التجسّدات العالمية لأزمة الصحافة الورقية لا تزال هناك دول وعواصم تملك الصحافة الورقية فيها عناصر حضور كثيف وقوي بينها في العالم، رغم التراجع، صحفٌ أميركية وفرنسية وألمانية ويابانية وهندية وغيرها نجحت في الاحتفاظ في علاقتها مع جمهور ورقي واسع (غير الموقع الإلكتروني) عبر لا فقط تطوير مستوى ومضمون المادة الصحافية المكتوبة معلوماتٍ وتحليلاً، بل أيضاً وأساساً عبر تطوير وسائل التوزيع أمام المنازل وفي الشوارع وأخصّ هنا النمط الأميركي الذي يجعلك لا تبحث عن الصحيفة فقط بل هي تأتي إليك وأحيانا تصطدم بك في كل زاوية من المدن الكبيرة وتفرض نفسها عليك لا مجانا وإنما بثمن مدفوع. أيضاً المشهد في الشوارع الفرنسية، في المقاهي والباصات العامة مشهد يثير التفاؤل بالصحافة الورقية لأنه يبدو أن النخب الفرنسية هي نخبة شعبية الامتداد. فالصحافة الورقية لم تكن في عزها صحافة أغلبية اجتماعية في أي مكان في العالم وإنما، لكي لا ننسى، صحافة عشرة بالماية وخمسة عشر بالماية في أحسن حالاتها في المجتمع، أي من مجموع المقيمين في البلد المعني، وهذه نسبة كبيرة جدا كان لبنان في النصف الأول من السبعينات ليس بعيدا منها.
لا يزال، بالنسبة لي، مشهدُ وجود الصحف على طاولات مقاهي الرصيف الباريسية وبين أيدي زبائن منصرفين إلى قراءتها أحد أكثر المشاهد مدعاةً للتفاؤل بمستقبل صحافة ورقية بات مشكوكا وعميقا بمستقبلها. دعوني أُضِفْ إلى بلدان استمرار مظاهر الصحافة الورقية المنتشرة، رغم التراجع والأزمات الإعلانية والتمويلية، بلَديْن في منطقتنا هما مصر وتركيا. مؤخرا حصل فعل إيمان لا بلبنان فحسب بل بصحافته الورقية تمثّل في قرار صحيفة “الأهرام” المصرية افتتاح، طبعتها الورقية في بيروت وهي الصحيفة، للتذكير، ذات الباع الطويل في الانتشار الورقي في أوروبا بين الجاليات المصرية والعربية قبل انتشار جريدتي “الشرق الأوسط” و”الحياة” المماثل في أوروبا وبعض أميركا بسنوات طويلة. حتى أنني مرة في التسعينات من القرن المنصرم، ولا مبالغة، وجدتها، أي “الأهرام” معروضة في كشك لبيع الصحف في قرية ألمانية في محيط مدينة فايمار. بينما في لبنان من الصعب أن تعثر على كشك لبيع الجرائد بسهولة حتى على مقربة من بيروت…
لقد أصبح مألوفا مع الأسف في بيروت أن تدخل إلى مقهى أو مطعم ولا تعثر إلا نادرا على طبعة ورقية من إحدى الصحف، كما لستُ متأكِّدا من نسبة من يقرأون مواقع الصحافة الإلكترونية بين زبائن المطعم أو المقهى الذين يحدِّقون في جهاز آيفونهم أو كمبيوترهم أو آيبادهم.
الأمثلة الورقية المستمرة الحضور في أميركا وفرنسا واليابان وألمانيا وتركيا ومصر مدعاة للسؤال الذي يجب أن نطرحه بشكلٍ دائم على أنفسنا كصحافيين في لبنان: أين تخلَّفْنا كفاءةً وثقافة وإبداعا يعني ذكاءً وقوةً وشجاعة؟ فأسوأ ما نشهده حاليا هو رمي المسؤولية في التراجع على “الأزمة العامة للصحافة في العالم” وتغييب سؤال الكفاءة الذاتية لأنه ليس هناك من وضع مستعصٍ، هناك بشر قادرون على تجاوزه أو عدم تجاوزه. هذه معادلة لا يمكن التخلّي عنها.
أما أنتَ أيها الجمهور العزيز وتكاد تصبح الجمهور الوهمي… فماذا تريد؟ هل نُحَوِّل الصحف إلى نوادي عراة؟ حتى لن تكتفي بذلك فتريدنا أن نتحوّل من كُتّابٍ ومراسلين إلى مجرّد بائعي إثارة؟
أيها الجمهور ماذا تريد بعد لكي نبيعك ورقنا؟
طبعاً أقصد بعضاً غير قليل من هذا الجمهور!؟
أخيرا من حق القارئ أن يطالبنا بالدقة، بالنزاهة، بالمسؤولية، بالإبداع، ولكن ليس من حقّه (والحق هنا يعني الوعي) أن يطالبنا بخلع ثياب الآخرين وخصوصا الأخريات.
… مع أن أي موضوع جنسي أو غير جنسي يمكن أن يعالَج بشكل جاد جدا في صحيفة تحترم نفسها وتحترم قرّاءها.

(النهار)

آخر تحديث: 18 ديسمبر، 2015 7:49 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>