معارضة بإزدواجية قاتلة

في مؤتمر الرياض الأخير للمعارضة السورية، كانت هناك مجموعتان معارضتان: الأولى، وهي الغالبة، “سياسية”، قوامها “الائتلاف” و”هيئة التنسيق” و”بناء الدولة” ومستقلين ونساء (10)، تمكنت الضغوط من جمع أفرادها، المتخاصمين، المتساجلين، ذوي الحساسيات العالية، الشخصية والسياسية؛ فضلاً عن انقسامهم بين “داخل” و”خارج”، بين “ائتلاف” و”هيئة تنسيق”، وعن وجود كتلة إخوانية وازنة، في الاولى، أي “الائتلاف”.

ويمكن تسميتهم بالكتلة المدنية، غير العسكرية؛ وإذا استثنيتَ منها “الإخوان المسلمين”، يمكنكَ وصف اتجاهها العام على انها علمانية، بدرجات، يسارية، ايضاً، ديموقراطية و”حقوق إنسانية”. أما إذا أردتَ فرزها حول مسألة حمل السلاح ضد النظام الأسدي، فمنها من يؤيده، ومنها من يرفضه، ومنها من له مجموعات قليلة صغيرة، “على الأرض”، متقلبة لا ترسو على ولاء محدَّد. أما المجموعة الثانية، فهي مكوّنة من 14 فصيلاً مسلحاً، يصعب تحديد حجمهم الدقيق، وتوزّعهم على الخريطة، من شدة تعقّد هذا التوزّع وتداخله؛ ولكن يمكن رصد وجود فصيلين كبيرين بينهما، “جيش الفتح” و”أحرار الشام”، ومجموعات مناطقية، ذات ميول سلفية جهادية غير “حادة”، ناهيك عن فصائل من الجيش الحرّ، التي لا نعرف وجهتها “الفكرية” الدقيقة، إلا انه، يمكن إجمالا وصف هذه الوجهة بالسلفية في أقل تقدير، وبالميول الجهادية في أقصاه.

اقرأ أيضًا: «حي الوعر» مثال عن التهجير الطائفي الممنهج لقيام «سوريا المفيدة»

الجماعات المسلحة الأخرى، الجهادية المتطرفة صراحة، مثل “النصرة” و”داعش”، لم تدعَ إلى المؤتمر، لكونها تعدّ من بين التنظيمات الإرهابية التي يحاربها الجميع. في نهاية المؤتمر، وبعد صياغة بيانه الختامي، أعلن “أحرار الشام” أنهم لن يوقعوا عليه، لأنه، أي البيان “لم يأخذ بعين الإعتبار الهوية الإسلامية لسوريا”.

ولكن بعد مداولات، إنقسم “أحرار الشام”، بدورهم، إلى إتجاهين: واحد “سياسي”، يريد التوقيع على البيان تجنباً لوصفه بالتنظيم “الإرهابي”، والآخر “عسكري”؛ والإثنان تعاونا مع “النصرة” على أرض المعركة. ويذكر ان البيان الختامي للمؤتمر تكلم عن سوريا مدنية، ديموقراطية، تعددية، ذات دولة وقانون ومؤسسات، وإن تنازل علمانيوها ويساريوها عن صفتها “العلمانية”. إذن لدينا معارضتان: واحدة حداثوية، مع جرعة “إخوانية”، هي الدرجة الأقل تحجراً، الأقل تطرفاً، من بين مجموعات الإسلام السياسي (رغم ما تشيعه السلطة المصرية بوصفها بـ”الإرهابية”).وهي معارضة لا تخوض معارك عسكرية، فيما يدعو بعضها إلى وقف العسْكرة (“التنسيق”).

أما المعارضة الثانية، فهي إسلامية مسلحة، متطرفة بمجملها، أو قابلة للتطرف، مهيأة أيديولوجياً له، تخوض مع الموت أشكالاً متنوعة من الجولات، لا تؤمن بأقل من تطبيق الشريعة الاسلامية، وبإقامة الخلافة الراشدة على الأرض. تتنوع في ما بينها في درجة جموحها نحو القتل، تتنافس في مشهديته احياناً. هذه الإزدواجية، بين سياسيين “مدنيين”، متخاصمين أصلاً، وبين مقاتلين يتراوحون بين إرهابيين وجهاديين وسلفيين، لا تنبىء خيراً. فقط علينا أن نتصور كيف سيقرأ “العسكريون” البيان الختامي و بنوده، أو كيف سيعمل بعضهم على”تبنّي خطاب معتدل”، ليكونوا مقبولين من المجموعة المدنية والأسرة الدولية… قبل أكثر من نصف قرن، كانت ثورة الشعب الفيتنامي ضد المحتل الأميركي، بعد المحتل الفرنسي. قيادتاه، السياسية والعسكرية، منضوية تحت حزب واحد: هو شي منه، مؤسس الحزب الشيوعي الفيتنامي، والجنرال نغوين جياب، القائد العسكري للفيتكونغ، عضو قيادي في هذا الحزب. أي ان القيادات العسكرية والسياسية كانت منسجمة أيديولوجياً. في هذا الأمس القريب، كانت الشيوعية صاحبة الهيمنة الفكرية؛ كانت صفاتها هي المطلوبة من المعارضة الثورية.

حتى “الإخوان المسلمين” آنذاك، كانوا يتوسلون لغتها وعباراتها. مثل مصطفى السباعي، المرشد العام لإخوان لبنان وسوريا، الذي بلغت حذاقته حدّ تحميل الإسلام سمات الإشتراكية فألّف كتاباً عنوانه “إشتراكية الإسلام”. الآن، روح العصر إنقلبت وصارت إسلامية، كما كانت روح العصر في الأمس القريب شيوعية إشتراكية؛ ورثها اليساريون والعلمانيون والديموقراطيون، كمن يرث كنزا محرّماَ، يذودون عنه بحرارة المؤمنين الصالحين، كل مؤمن في زاويته.

فكانت خصوماتهم الأبدية، وتلك الإزدواجية، الآن، من بين أشياء أخرى، التي شأنها أن تشلّهم، وتوقعهم في مراوحات مدمّرة. إنقاذ سوريا يأتي من تخلي المعارضة المدنية عن أوهامها “السياسيوية”، ومن إعادة إختراع نفسها، واختراع أدوات تحليلها للواقع، على أن يكون ذلك في بداية طريقها، لا نهايته.

(المدن)

آخر تحديث: 17 ديسمبر، 2015 8:01 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>