جملة أسئلة برسم «التحالف الإسلامي»؟

قبل أكثر من سنّة أعلنت الولايات المتحدة عن ائتلاف دولي يضمّ دولاً غربية وعربية بقيادتها لمحاربة#الإرهاب، ولا سيما إرهاب تنظيم “الدولة الإسلامية” داعش الذي اكتسح مساحات واسعة من أراضي العراق وسوريا. وقبل أشهر أعلنت روسيا عن تحالف آخر يضمّها وإيران والحكومتين السورية والعراقية للغاية نفسها. ومنذ الاعلان عن الائتلاف والتحالف جاءت الدول العظمى والدول الاقليمية الكبرى بأساطيلها البحرية والجوية وأحدث أسلحتها وأدقّ الصواريخ الى المنطقة. غارات الائتلاف والتحالف دمّرت مقرّات قيادية للتنظيم، أصابت قوافل النفط المسروق الذي يعتاش عليه، طحنت مراكز تدريبه، كادت ان تقتل “الخليفة” البغدادي نفسه. الحرب على الإرهاب أصابت التنظيم إصابات بليغة لكنها لم تشلّه ولم تُعِق تحركه. واصل تمدّده في سوريا والعراق وليبيا واليمن وسيناء ونقل جنونه الدموي الى خارج الحدود. فجّر في ضاحية بيروت فغسل ترابها بالدماء. ضرب باريس في قلبها وأوجعها. يداه المضرّجتان بالأحمر طاولت كاليفورنيا في عقر دار الولايات المتحدة. وارتكب مجزرة في طائرة روسية ركابها سياح أبرياء.

 

الحرب ضده كلفتها باهظة وحصيلتها حتى الآن لا ترضي أحدًا فكيف ترضي المتضررين المباشرين من نير هذا التنظيم ودمويته. التحالف الذي تقوده روسيا كان أشدّ اندفاعا في الحرب، لكن نجاحه الوحيد حتى الآن يتلخص في حماية مناطق سيطرة حليفه النظام السوري في ما يسمّى سوريا المفيدة. الدول الكبرى لم تعدّل الميزان بعد ضد “داعش”، ولم تقلب المعادلات. النجاح في تحرير سِنْجار استثناء له أسبابه وكذلك كوباني، بينما لا تزال عواصم “الخلافة الداعشية” في الموصل والرمادي والرقّة محصّنة أمام ترسانات التحالفين الكبيرين والجيوش والمليشيات الصديقة. هل تملك “داعش” قدرات خيالية وسرّية لا تُهزم، أم أنّ الحروب التي تُخاض ضدها عديمة الجدوى ولا تنفع او مشكوك في أمرها وأهدافها؟

 اقرأ أيضًا: «التحالف الاسلامي» يقسم اللبنانيين…والحكومة مستهدفة‏
الدول المؤتلفة اكتشفت متأخرة ان الحرب الجوّية لا تجدي وحدها، ولا بدّ من حرب برّية. ووسط البحث عن قوات برّية والحديث الاميركي والاوروبي عن “قوة برّية سنّية لمحاربة داعش السنّية”، أعلنت المملكة عن ائتلاف جديد اسمه “التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب” من 35 دولة إسلامية. وبالتدقيق فى أسماء هذه الدول يتّضح أن معظمها لا قيمة لها من الناحية العسكرية وغير قادرة على تحريك قوات، ما عدا مصر، تركيا. كما تشمل لائحة الموقعين على الائتلاف دولا ليس لديها قوات بالمرة، مثل فلسطين المنسيّة، والخاضعة للاحتلال الاسرائيلي الكامل، والصومال المفكّكة، واليمن التي تنخرها حروب عدة من الداخل والخارج، وليبيا المنقسمة على نفسها.

لكن الملاحظة الاخطر هي، ان غالبية دول هذا التحالف تتشكل من غالبية سنّية. واذا كان مفهوما صعوبة اجتماع السعودية مع ايران ذات الغالبية الشيعية لأسباب كثيرة، فان من المستغرب مثلا تغييب العراق المعني المباشر بالحرب على “داعش” او عدم “تجميل” التحالف بدولة معتدلة سياسيا وقريبة من تركيا والسعودية مثل اذربيجان مثلا، وتاليا فإن هناك خشية من تصوير التحالف على انه حلف سنّي ضد الشيعة في ظل الصراع المذهبي المحموم.
كذلك فان توسيع هذا التحالف ليضمّ دولا إسلامية غير عربية يقود الى التساؤل: هل هو لإجهاض القوة العربية المشتركة التي اقترحتها مصر وتبنّتها القمة العربية الأخيرة؟ وتاليا على اي أساس ستكون القوة الإسلامية الجديدة: هل هي على أساس الدين فقط أم المذهب؟ وما معنى تبعيتها لمنظمة المؤتمر الإسلامي طالما أنها لم تضم كل دولة؟!

اقرأ أيضًا: التحالف الاسلامي بقيادة السعودية…يقسم اللبنانيين

اما السؤال الاهم فهو: ما موقف التحالف الجديد من الأزمة السورية، وهل تكون البداية بإرسال قوات إلى هناك حيث يحتلّ “داعش” أكثر من نصف مساحة سوريا؟ هل سيتعاون هذا التحالف مع الحلف الذي يضم روسيا وايران ودمشق وبغداد ام سيكون ندًّا له ؟هل ستنضم روسيا وتركيا في حلف واحد وبينهما ما بينهما في سوريا؟ اين تلتقي الرياض مع بغداد ودمشق ؟ وكيف ستجتمع ايران مع السعودية والطرفان يشتبكان على أرض اليمن؟ والاسئلة نفسها تنطبق على العراق حيث يسيطر التنظيم المتطرّف على ثلث مساحة بلاد الرافدين؟

ومن يتولى هذه المهمة ويشارك فيها من بين الدول الكبار عسكريًّا في هذا التحالف؟ تركيا المرفوضة هي وجيشها من الحكومتين السورية والعراقية؟ ومن سيكون الهدف الاول لها في البلدين “داعش” ام عدوها الاول “حزب العمال الكردستاني”، ومنع التواصل بين الاكراد ومن ثم إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا وتثبيت أقدامها في الموصل لإعادتها الى الحاضنة العثمانية؟

واذا كانت السعودية مشغولة بحربها على اليمن، فإن مصر أحجمت في السابق عن المشاركة الفاعلة في الحرب اليمنية وموقفها مغاير عن شركائها في التحالف من القضية السورية؟ فهل يتصدّى لهذه المهمة الجيش الباكستاني وجيش توغو والمالديف؟
واذا كان العنوان الكبير هو “داعش”، فإن لكل دولة من دول التحالف المفترض مفهومها الخاص لمحاربة الإرهاب ولائحته الخاصة للإرهابيين، فأيّ “إرهاب” يعتزم المتحالفون محاربته، “الإرهاب الكردي” حسب تركيا، ام “إرهاب بوكو حرام” حسب نيجيريا، ام “إرهاب ولاية سيناء” مصر، أم الإرهاب “الحوثي وحزب الله” حسب الدول الخليجية، أم “الإرهاب الهندي” حسب باكستان؟ وهل التحالف مرتهن فقط بالقضاء على “داعش” أم سيستمر لاستكمال لوائح الإرهاب المعدّة والجاهزة سلفا؟

في ظل التساؤلات الكثيرة التي يستدرجها الاعلان، ثمة خشية ان يضيف الإسهام الجديد في محاربة الإرهاب عامل تأزيم إضافي في الإقليم يفرّخ من “داعش” دواعش كثر!

(النهار)

آخر تحديث: 17 ديسمبر، 2015 8:11 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>